 |
|
مشهد
من طقوس الزواج
|
|
شاهد طقوس الزواج في دارفور:
|
تتميز
الحياة الاجتماعية عند أبناء
إقليم دارفور في غرب السودان
بالتنوع الثقافي المستمد من
التراث الإفريقي المصبوغ بالنكهة
الإسلامية، فيما يتعلق بطرق
التعارف والزواج ومختلف العادات
والتقاليد التي تنظم الأوضاع
الاجتماعية بين كافة القبائل
المختلفة التي نجح الإسلام في وضع
إطار لتعايشها جميعا، بالرغم من
الاختلافات العرقية والمذهبية
التي تتميز بها قبائل الإقليم
التي يصل عددها إلى أكثر من 30
قبيلة أغلبها ينتمي إلى أصل
إفريقي بينما ينتمي بعضها إلى
جذور عربية.
وبصرف
النظر عن الجذور التي ينتمي إليها
الشخص، فإن الجميع يحرصون على
الولاء للقبيلة التي ينتمون إليها
ويتوارثون عاداتها وتقاليدها
جيلا بعد جيل، حتى أصبح الانتماء
للقبيلة مقدما على الانتماء
للدولة السودانية نفسها.
عادات
الزواج
أما
عادات الزواج فهي تختلف من قبيلة
إلى أخرى حسب الجذور والعادات
والتقاليد، وإن كانت جميعا تشترك
في بعض العموميات فإن التفاصيل
تتنوع حسب كل قبيلة ومدى قربها أو
بعدها عن العمران والمدينة؛ فمثلا
في قبيلة "الفلاتا" -وهي من
القبائل التي نزحت من غرب إفريقيا،
واعتنق أبناؤها الإسلام، ثم
استقرت منذ مئات السنين في دارفور-
يشارك معظم أفراد القبيلة في
الحفل والاستعداد له مسبقا.
وتبدأ
عملية التعارف بين الشاب والفتاة
إما عن طريق الأقارب، أو في
الحفلات الجماعية التي تتم في
المناسبات الدينية، بعدها يكلف
العريس الشاب أحد أصدقائه ويسمى
"وزيرا" في بدء المفاوضات مع
العروس، التي تفوض هي الأخرى إحدى
صديقاتها المقربات وتسمى "وزيرة"،
ويلتقي كلٌّ من الوزير والوزيرة
في أكثر من جلسة للحديث نيابة عن
الطرفين في كل التفاصيل، بدءا من
التصريح بالحب والعواطف، وانتهاء
بترتيبات الزواج والحفل ومكان
الإقامة، وغيرها من التفاصيل،
ويتم تحديد موعد الزواج، الذي
عادة ما يأتي بعد مواسم الحصاد، أو
بيع محصول "الصمغ العربي"
الذي تعمل في زراعته معظم القبائل،
بجانب رعي وتربية الحيوانات.
وربما
لا يلتقي العريس والعروس سوى مرات
محدودة؛ لأنهما يكونان صغار السن،
وترفض العادات والتقاليد أن
تجمعهما أي لقاءات منفردة. وفي يوم
الخطبة يمتطي العريس حصانا أبيض
"مزركشا"، وخلفه أصدقاؤه
وأقاربه، ويتجه إلى منزل العروس،
ولا يتم السماح له بدخول المنزل
إلا بعد أن يقدم "هدية"
للعروس عبارة عن مبلغ من المال و"كتاب
الله" يقوم الوزير المرافق
للعريس بتسليم هذه الهدية إلى
الوزيرة التي تتولى تقديمها إلى
صديقتها العروس، بعدها تنطلق
الزغاريد إيذانا ببدء طقوس الزواج،
ويظل الأقارب يغنون ويرقصون في
مجموعتين منفصلتين؛ الأولى شباب
مع العريس، والأخرى فتيات مع
العروس في مكان مجاور، ويستمر
الرقص والغناء بألوانه حتى ساعات
متأخرة من الليل، بعدها يعود
العريس إلى منزله دون أن يلتقي مع
عروسه.
وبعد
عدة أيام تبدأ الاستعدادات للفرح،
يكون خلالها انتهى العريس من
تجهيز منزل الزوجية الذي عادة ما
يكون على شكل "قطية" من البوص
والمواد المحلية إذا كان من عموم
الناس، أما إذا كان من الميسورين
يحيطها بسياح من "البوص"،
ويلحق بجوارها "حمام" من
البوص أيضا مقام بطريقة تحجب رؤية
من بداخله عن المارين خارج السياج،
وعادة ما تكون "القطية" مزودة
بأدوات بسيطة للطبخ بالإضافة إلى
مكان للنوم؛ حيث يقضي الزوجان
معظم أوقات النهار خارجها إما في
الحقل، أو سعيا في البادية خلف
القطعان.
والطريف
أن من بين عادات الزواج لدى بعض
القبائل الإفريقية موروثا ثقافيا
يفرض على والد العروس تجهيز "قطية"
الزواج لابنته بجوار مسكنه، وتظل
مقيمة هي وزوجها فيه، بينما يتكفل
هو بجميع نفقاتهما حتى تنجب الطفل
الأول، بعدها يكون للزوجين حرية
التحرك بعد التخلص من هذه القيود،
والبحث عن مسكن مستقل بعيدا عن
القرية نفسها، في المقابل هناك
قبائل إفريقية أخرى تلزم والد
العروس بأن يتكفل بالبحث عن زوجة
أخرى للعريس إذا لم تنجب ابنته
خلال العام الأول من الزواج بشرط
أن تظل الأولى على ذمته.
رقصة
"قطع الرهط"
وعندما
يحين وقت الزواج يركب العريس
سيارة أو حصانا أو جملا حسب ظروفه،
ثم يتوجه إلى منزل العروس، ويدخل
إلى غرفتها، ويكون لقاؤهما لأول
مرة بحضور مقرئ للقرآن الكريم من
أهل القبيلة يقرأ سورة "يس"
كاملة بالتجويد، ثم يأمر الشيخ
بأن يضع العريس يده على رأس عروسه،
وبعدها يدخل أقاربهما إلى الغرفة
ويبدءون في قراءة سورة من القرآن،
ثم يقرأ الجميع الفاتحة، ويدعون
للعروسين بالتوفيق، وفي مساء
اليوم نفسه يتشارك الجميع في
الرقص والغناء، ويتناولون ما لذَّ
وطاب من طعام وشراب اللبن الذي
أعده أهل العروس وشارك فيه جميع
الجيران الذين يرتبطون بعلاقات
قرابة ونسب فضلاً عن انتمائهم إلى
قبيلة واحدة.
وعادة
ترتدي العروس في هذه المناسبة
ملابس "مزركشة" فيها ألوان
زاهية عديدة، يطلقون عليه "الثوب"،
وعادة يتم تصنيعه بطريقة يدوية عن
طريق متخصصين، ومن أهم عاداتهم في
دارفور -خصوصا قبيلة "الفلاتا"-
أن العريس يقضي ليلته رقصا وطربا،
ثم ينام في نفس البيت من دون أن
يقترب من عروسه التي أصبحت زوجته،
ثم يستأنف الأهل الفرح في اليوم
التالي الذي يكون مخصصا للرقص
الجماعي بين أفراد الأسرة، مثل
الأفراح المعتادة في كل مكان، لكن
أهم ما لفت الأنظار هناك أن العروس
ترقص لعريسها في هذه الليلة رقصة
شهيرة يطلقون عليها اسم "قطع
الرهط"، وهو عبارة عن حزام من
الجلد تتدلى منه "سيور" من
القماش تلف بها العروس وسطها
أثناء الرقص، بينما يقف العريس
يراقبها، فإذا حاولت أن تسقط على
الأرض فجأة يمسكها من الحزام
ويعيدها مرة أخرى، وتتكرر هذه
المحاولة على مرأى من الأهل
والأقارب الذين يشكلون دائرة
حولهما، والطريف أن العروس تحاول
جاهدة أن تغافل عريسها لتقع على
الأرض، وإذا سقطت تكون بذلك قد
تفوقت عليه، ويدفع غرامة ألف جنيه
عن كل مرة تنجح في مغافلته، لذلك
يتأهب كل عريس ويستنفر كامل قواه
حتى لا تسقط العروس، وتهتز صورته
أمامها وأمام أقاربه.
وتستمر
الاحتفالات سبعة أيام متواصلة،
وأحيانا يكتفي البعض بثلاثة أيام
من الأفراح والليالي الملاح، تبدأ
بعدها الحياة الزوجية الحقيقية؛
حيث يقيم العريس يومين عند أقرب
أصدقائه يتم خلالها حسم ما يسمى
"البشارة"، وهي عبارة عن قطعة
من القماش عليها "دم" العذرية،
تتسلمها الوزيرة والوزير
ويعلقونها في عنق "خروف"
يطلقون عليه خروف البشارة الذي
يتبرع به أحدهما، ثم يتوجهون إلى
منزل العروس، وما أن تراهم أم
العروس حتى تطلق الزغاريد، وتستعد
بالرد على البشارة بـ"الصباحية"
التي عادة ما تكون (أرز، سكر، شاي،
ومأكولات مطبوخة وطازجة) تعدها أم
العروس لابنتها، وبذلك تنتهي طقوس
الزواج، وينتهي دور الوسطاء (الوزير
والوزيرة).
فوارق
قبلية
وتختلف
بعض العادات والطقوس من قبيلة إلى
أخرى في دارفور حسب ما لدى كل
قبيلة من تراث وعادات موروثة؛
فمثلاً بعض القبائل العربية
الرعوية ترفض تزويج بناتها خارج
أبناء القبيلة، خاصة أن هؤلاء
الرعاة تتسم حياتهم بالتنقل
والترحال الدائم بحثا عن المرعى
والماء، بينما قبائل أخرى تحرص
على أن ترتبط بعلاقات مصاهرة مع
قبائل عربية أخرى، ويكون الزواج
والنسب هو أفضل وسيلة لتوثيق
الروابط بينهما، لكن الأكثر شيوعا
هو زواج أبناء القبائل العربية من
الفتيات ذات الأصول الإفريقية،
وهناك زعماء لقبائل إفريقية
متزوجون من عربيات.
ومن
الصعب تحديد الانتماء القبلي في
حالة الزواج المختلط؛ حيث يتميز
أبناء "الفور" بشدة سواد
البشرة، والأنف الصغير المفلطح،
وهم أقرب من الزنجية، بينما أبناء
القبائل العربية فلهم بشرة سوداء
فاتحة في بعض الأحيان، والأنف
التقليدي الشائع في السودان، ومع
ذلك لاحظت أن شابًّا قمحي اللون
كان ضمن قوة شرطة في مدينة "نيالا"،
فتصورت أنه ينتمي لجذور مصرية،
لكنه فاجأني بأنه من قبيلة "الفلاتا"
الإفريقية، بينما حدث العكس فقد
كان لنا مرافق دائم من أهل أبناء
الجنوب، وطوال عشرة أيام من
مرافقتنا لم ندرك أنه من أصول
عربية إلا بعد أن أكد أن والدته من
قبيلة "البرقد" الإفريقية
ووالده من "بني هلبة" العربية،
بينما هو شديد السمرة يحمل ملامح
القبائل الإفريقية.
كما
لفت نظري أيضا بعض العادات التي
تقوم بإهداء الضيف الذي يحل على
القبيلة أفضل وأجمل بناتها زوجة
له طوال فترة إقامته، وهذا يعد
أعلى مراتب التكريم والحفاوة
بالضيف.
اقرأ
أيضا:
|