|
ينظر
المجتمع الأردني إلى "العذرية"
على أنها وحدها رمز للشرف
والطهارة. شهد عام 2004 مقتل 19
أردنية (بحسب منظمة هيومن رايتس
ووتش) في حوادث "قتل الشرف"(*)،
مما أدى إلى ظهور "عمليات إعادة
العذرية" كحيلة للإفلات من جلد
المجتمع المغرق في العادات
والتقاليد حيث تشكل النساء نصف
عدد سكانه. الشرع لا يرى في
البكارة دليلا على عفة المرأة،
والعائلة تختصر فيه كل معاني
الكرامة.
يؤكد
المتخصصون أنه لا يمكن معالجة "جرائم
الشرف" دون الدخول إلى بقية
مكونات القضية: اجتماعيا وثقافيا
ونفسيا وقانونيا، فالمسألة أعقد
من مجرد قتل أنثى أو ترقيع غشاء!.
قصص
واقعية
تحكي
"س.ش" -(24 عاما) متزوجة-: تم
الزفاف وسط فرحة الجميع و"ذعري"
بسبب علاقة سابقة فقدت فيها
عذريتي، وتضيف: قبل الزواج أقمت
علاقة جنسية مع أحد أصدقائي ولن
أكذب بالقول إنني تعرضت للخديعة،
لم يكن عدم عذريتي يشكل لي هاجسا
طوال الفترة التي عقبت قطع
العلاقة مع صديقي وسبقت زواجي
حاليا، فقد كانت شخصيتي تتسم بعدم
المسئولية والتمرد، بحسب جريدة
الغد الأردنية.
وتضيف:
"عندما تمت خطبتي بدأت أقدّر
حجم المشكلة التي وضعت نفسي بها،
لا أنكر أن عائلتي ليست محافظة،
إنما لن يتوانى أخي عن قتلي إذا
علم بعدم عذريتي. وندمت على كل ما
فعلت، حاولت إخبار خطيبي والتحلل
من الخطبة، إلا أنني ضعفت أمام
احترامه وثقته بي، وهو -بصدق-
الأمر الأشد إيلاما في كل القصة،
الآن أحمد ربي أنني لم أفعل".
وتتابع"س.ش":
"بحثنا أنا وصديقتي في كل عمان
عن طبيب يجري لي العملية، وتعرضت
للكثير من المواقف المقيتة، العد
التنازلي كان قد بدأ لزفافي وأنا
لست عذراء، كانت تلك أسوأ أيام
حياتي. وبعد أكثر من شهر من البحث
شبه اليومي، قبل أحد الأطباء
بإجراء العملية بعد أن رجوته
طويلا بمجرد أن شعرت بشفقته علي،
واستغللت حسه الإنساني بالضغط
عليه، ونتيجة إلحاحاتي المتواصلة
أجرى لي العملية، وتم الزواج. مر
الأمر بسلام ونزلت بضع قطرات من
الدم، كان زوجي سعيدا بها وكنت أحس
بحجم خيانتي".
وتختم
س.ش حديثها: "الطبيب لم يتقاض
إلا 100 دينار أردني (الدينار
الأردني= 1.4 دولار أمريكي تقريبا)
دفعها للممرضة، أنا أدين له
بحياتي، لأنه أعطاني فرصة أن أكون
زوجة محترمة ومخلصة لزوجي الذي
أحبه وأقدره أكثر من أي شيء في
دنيتي".
العذرية..
خط أحمر
اشتراط
عذرية العروس ليلة الزفاف هو أحد
دعائم الزواج في المجتمعات
العربية عامة والمجتمع الأردني
المغرق في التقاليد والعادات
والموروثات الاجتماعية خاصة.
وهنا
يشير الطبيب محمد إحسان أحد
الأطباء الذين يتابعون باهتمام
هذه الظاهرة إلى أن الفتاة
العربية تدرك منذ نعومة أظفارها
أهمية ودلالة هذه المنطقة من
جسدها، إلا أن قلة التوعية
الجنسية الناتجة عن الدور المغيب
للأم، أثمرت من الجهل ما يكفي
لتعرض الفتيات لحوادث تمزق الغشاء
دون اتصال جنسي.
ويضيف
الطبيب -الذي لم يسبق له أن قام
بمثل هذه العمليات-: "الإقبال
المتزايد على هذه العمليات ليس
مؤشرا بالضرورة على وجود تفسخ
أخلاقي، فلا يمكن الجزم بأن كل
الفتيات اللواتي فقدن عذريتهن
فقدنها بطريقة غير أخلاقية".
إلا
أن دراسة اجتماعية أردنية أجرتها
مؤسسة "ميزان لمناهضة العنف ضد
النساء" أوردت قصصا من قبيل
فقدان فتيات لعذريتهن من قبل
أزواجهن الشرعيين قبل الدخول أي
قبل الزفاف.
وتشكل
قصص من هذا القبيل حرجا اجتماعيا
كبيرا خاصة في حال وفاة "الزوج"
أو الخطيب أو انفضاض الزواج
والطلاق. والمثير أن بعض الأطباء
يتعاملون مع مثل هذه العمليات على
أساس أنها عمليات تجميلية.
دوافع
الأطباء
وتختلف
الدوافع عند الأطباء الذين يجرون
هذه العملية، ففي الوقت الذي يهدف
بعضهم إلى الكسب المادي، يقوم
بعضهم بإجرائها بدافع الشفقة
والتعاطف ودون تقاضي أي أجر. وتصل
أجور مثل هذه العمليات إلى ألف
دولار في بعض الأحيان.
وتشير
دراسة أخرى إلى تقبل بعض الفتيات
لموضوع فقدان العذرية نفسيا، في
حين لا تتقبل أخريات ذلك ويرفضن
إجراء عمليات الترقيع ويفضلن
الموت على الفضيحة.
وتؤكد
هذه الدراسة أن عمليات ترقيع غشاء
البكارة جاءت من رحم المجتمعات
التي تفرض القتل عقابا وحيدا
للفتاة التي تفقد عذريتها قبل
الزواج، مما يشير إلى انتشار هذه
العمليات في العالم العربي
والإسلامي.
ولا
توجد أية إجراءات قانونية يتم
اتخاذها بحق الأطباء الذين يقومون
بمثل هذه العمليات إلا في حال
تحريك شكوى ضدهم.
ويرى
رئيس جمعية اختصاصيي الأمراض
والجراحة النسائية والتوليد
الأردنية د. عبد المالك محمد أن
هذه العمليات منافية لأخلاق مهنة
الطب التي تقوم على الصدق.
ويشير
إلى نقطة هامة وهي أن هذه العمليات
موجودة منذ زمن طويل وليست حديثة
كما يعتقد البعض، حيث يقوم الطبيب
بأخذ "غرزة أو غرزتين" من
بقايا الغشاء ويجمعهما سويا مما
يؤدي إلى نزول الدم وقت الدخول
نتيجة فك القطب.
ويرى
د.عبد المالك أنه لا يوجد أي مبرر
لهذه العملية؛ لأن طبيب النسائية
يستطيع معرفة السبب وراء فض
الغشاء. ويضيف: "إذا سمحنا بهذه
العمليات تحت باب الستر فسيتم
إساءة استعمالها، وستصبح رخصة
للفساد الاجتماعي".
رأي
الدين في "الترقيع"
من
أهم الفتاوى التي صدرت في هذا
الشأن فتوى الشيخ "عز الدين
الخطيب التميمي" قاضي القضاة
الأردني وأعلى مرجعية دينية في
الأردن عام 1982؛ حيث أفتى بعدم جواز
عمليات الترقيع مطلقا، واستند في
فتواه إلى اعتبارها نوعا من الغش
وتشجع على الزنا، بالإضافة إلى
احتمالية اختلاط الأنساب إذا حدث
حمل من العلاقة الأولى.
فصل
د. محمد نعيم ياسين أستاذ الشريعة
الإسلامية في الجامعة الأردنية
الحكم في هذه المسألة، حسب
معطياتها، وأعطى العلة في التحريم
إلى نية الزنا من عدمها، فأفتى
بجواز عملية الترقيع إذا غلب الظن
أن الفتاة ستلاقي عنتا وظلما وكان
فض غشائها قد حدث نتيجة حادث عرضي
أو اغتصاب، وذلك لانتفاء نية
السوء.
يرى
الأب بولص حداد من مطرانية الروم
الكاثوليك الأردنية أن زواج
الفتاة التي تخضع لهذه العملية
دون إخبار زوجها بحقيقتها مبني
على غش وكذب، وهو مرفوض في الدين
المسيحي.
ويضيف
أن "الزانية تطلق في القانون
الكنسي، وهذا الأمر كفيل بإلغاء
كل الزواج، أما إذا لم تكن زانية
وفقدت عذريتها نتيجة اغتصاب أو
حادث فعليها ألا تخجل من مصارحة
الإنسان الذي سترتبط به، ولا
تخدعه فمن حق كل من الطرفين أن
يعرف ماضي الطرف الآخر، لعدم وجود
طلاق عند الروم الكاثوليك إلا في
حالات نادرة جدا، وهو ما يسمى
بالبطلان في القانون الكنسي".
ويرى
الأب إبراهيم دبور ممثل كنيسة
الروم الأرثوذكس أن الذي يتزوج
بزانية يصبح معها جسدا واحدا، وأن
هذه العملية ما هي إلا غش وخداع،
والدين المسيحي يبني الزواج على
الصدق والوضوح...
ويؤكد
مدير المركز الوطني للطب الشرعي
التابع لوزارة الصحة د. مؤمن
الحديدي أن القانون لا يحوي أي نص
يجرم هذه العملية، إلا إذا كان
الفعل يؤدي إلى إخفاء أدلة جنحة أو
جناية كالاغتصاب مثلا، خصوصا عند
الصغيرات في السن، وفي هذه الحالة
يكون الاختصاص لمحكمة الجنايات
الكبرى.
شارك
في ساحة الحوار:
اقرأ
أيضا:
*
جرائم
الشرف: هي إباحة قتل النساء ذوات
القربى بشبهة الدفاع عن الشرف،
فللرجل الذي يشتبه في سلوك زوجته
أو ابنته أو أية امرأة تمتّ إليه
بالقربى الحق في قتلها، مبررا ذلك
بالدفاع عن الشرف أو غسل العار.
|