|
إذا
كنت مصريا فلست في حاجة لإكمال
القراءة؛ فأنت مثلنا تسمع تعليقات
زملائك في العمل عن مرشحي الرئاسة
ومؤتمراتهم التي ينقلها
التليفزيون، وتدخل مع أقاربك في
نقاش حول ما يحدث، وتصلك رسائل
قصيرة على جهاز المحمول تعلق على
ما يدور، وتتأمل اللافتات في
الشوارع، ولعلك تستمتع أيضا
بمشاهدة بعض البرامج المعدة خصيصا
لك في القنوات الأرضية لتمارس
هوايتك في السخرية، وترصد كل
محاولات المنتفعين بأيام الدعاية
الانتخابية.
أما
إذا كنت مغربيا أو سعوديا أو
أردنيا.. عربيا أو غير عربي؛ فقد
تتساءل عما يدور داخل البيوت
المصرية وبين أفراد الأسرة،
وجلسات الأصدقاء المسائية أو
لقاءاتهم على المقهى أو عبر
الهاتف، بعيدًا عما تنقله
الفضائيات في حواراتها أو
تقاريرها أو برامجها، وبعيدًا عما
تنقله الصحف من آراء وأخبار؛
فربما لا تكفي كل هذه الوسائل
الحديثة المتلاحقة للإجابة على
هذا السؤال.
حديث
المساء
وكأن
الانتخابات قد جاءت في موعدها
تماما؛ فالمصريون يحبون أن يجدوا
دائما حدثا يفرغ طاقاتهم للسخرية،
تحت ضغط الواقع الاقتصادي الموجع
بالنسبة للكثيرين مع بداية موسم
المدارس والجامعات وبعد نفقات
الصيف الحارة.
في
كل الاجتماعات اليومية أو
الأسبوعية مع الأهل أو الأصدقاء
لا يزيد الحوار حول الانتخابات عن
عدة دقائق، أو حتى تعليق، ثم ينتهي
الأمر إلى ما هو أهم بالنسبة
للمشاركين في الجلسة.
بدأ
أحمد عثمان -مهندس شاب- الحديث:
من ستنتخبون؟!
ثم
أخذ الحديث يدور بين أفراد الأسرة..
شبابا وكبارا، نساء ورجالا.
-
وهل تصدق هذه اللعبة؟!
-
علينا أن نشارك هذه المرة..
فالقضاء سيشرف على الانتخابات!
-
ومن يستحق أن تنتخبه؟!
-
عن نفسي سأنتخب الدكتور "نعمان
جمعة" من أجل التغيير؛ لأن
المرشحين الآخرين ضعفاء.
-
وماذا فعل "نعمان جمعة" قبل
ذلك؟ وما الذي يضمن لك كل الوعود
التي يعد بها المرشحون جميعا، حتى
الرئيس مبارك يعد بأشياء كثيرة في
التعليم والتأمين الصحي والبطالة
و... و... فلماذا لم يفعلها طوال الـ24
عاما الماضية؟.
-
يقول مبارك: إنه سيبني ألف
مصنع ليوفر 250 ألف فرصة عمل.. أليست
حكومته هي التي باعت نصف المصانع
للقطاع الخاص، وتسببت في تشريد
الآلاف من العمال؟.
-
(بضحكة ساخرة) هل رأيته وهو يقف
وخلفه شباب وبنات في مؤتمرات
المحافظات.. وكأنه بوش تماما؟!..
حتى الدعاية أمريكاني!.
-
هل رأيت الذين يحضرون في
مؤتمراته، أناس عاديون غلابة، لم
يكن يحدث هذا قبل ذلك، يكفي أنه
نزل إلى الجماهير ليسمعهم.
-
وهل تصدقون ذلك؟.. ما دام الصف
الأول من الحضور هم نفس الوجوه
التي سئمنا منها فلا فائدة، يكفي
أن يجلس يوسف والي -وزير الزراعة
السابق- المتهم في أكثر من قضية
كبرى للمبيدات الزراعية "المسرطنة"؛
لنتأكد أنه "لا جديد"، وأن
الأمر لا يتعدى مسرحية مكتوبة من
أمريكا.. ليته قال فقط إنه سيقضي
على الفساد، وحاسب فاسدا كبيرا
لكي نصدق باقي الوعود.
-
إذن من ننتخب؟ فكلهم يقولون نفس
الكلام غير الواقعي: القضاء
على البطالة في لمح البصر،
والحياة الكريمة... إلخ، إذن من
ننتخب ونحن لم نر هؤلاء المرشحين
العشرة قبل ذلك؟.
-
لولا أن كلا منهم حصل على نصف
مليون جنيه للدعاية الانتخابية
ولتعليق لافتات أو تنظيم لقاءات
أو مؤتمرات لما علم بهم أحد.
-
عن نفسي سأنتخب مبارك؛ لأني لا أرى
أن غيره يصلح. ليت أسامة الباز أو
عمرو موسى أو غيرهما رشح نفسه.. إذن
لكانت الانتخابات حقيقية، وربما
حصل فيها إعادة أيضا، لكن الأمر
محسوم.
-
لو سرنا على المنطق نفسه فلن نجد
أمامنا في المرة القادمة سوى جمال
مبارك بحجة أنه المعروف الوحيد،
ومن ورائه حزب قوي و...!
-
لا، وقتها الأمر سيختلف.
-
أما أنا فلن أشارك في هذه
المسرحية، ليس هناك ضمان لأي شيء،
الوزراء أنفسهم لا يصدقون أن هناك
تغييرا سيحدث، يخططون لمؤتمرات
وافتتاحات وغيرها في الأيام
التالية للانتخابات، يعرفون أن لا
تغيير.. لن أعطي صوتي لأحد.
حديث
الصباح
تدفع
الصحف الموظفين للتعليق على
الانتخابات من خلال ما تنشره؛ ففي
إحدى الجلسات الصباحية بادر "محمد
عبد السلام" -مدرس بالمرحلة
الثانوية- الموجودين: هل رأيتم هذا
الإعلان الكبير في (جريدة الأهرام):
رجل أعمال مسيحي يقول لمبارك: "إذا
كان الله قد اختارك لمصر فكيف لا
نختارك؟!".. من أين عرفت أن الله
قد اختاره لمصر.. يا رجل حرام عليك.
إذا
قلنا: إن رجل الأعمال هذا يفعل
ما يريد بماله الخاص؛ فكيف بأموال
المؤسسات والهيئات الحكومية؟..
رأيت هذا الإعلان: هيئة حكومية
تؤيد مبارك، مدير الهيئة عليه أن
يؤيد من جيبه إذا أراد وليس من (جيب)
الشعب.
ويضيف:
المصيبة أنه يقول في الإعلان: إن
جميع العاملين بالهيئة يؤيدونه،
وهو يعرف أنه لا يضمن ما يمكن أن
يكتبه أي منهم خلف ستار الانتخاب،
هذا إذا ذهب للجنة أصلا.
-
يا سيدي سيجهزون حافلات وسيارات
خاصة أثناء يوم العمل لنقل
العاملين إلى مقار اللجان
الانتخابية كما فعلوا يوم
الاستفتاء حتى تصورهم وكالات
الأنباء والتليفزيونات أمام مقار
الانتخابات.
يضع
"محمد" وجهه بين صفحات
الجريدة مرة أخرى في صمت، ثم يتابع:
يا ترى هل سيستفيد الفائز في
الانتخابات من الأفكار التي طرحها
باقي المرشحين؟ أين كانت هذه
الأفكار؟.. واحد منهم لديه فكرة
مبتكرة لشقق جديدة للشباب تصلح
للزواج والطلاق معا! عبارة عن
غرفتين لكل غرفة دورة مياه خاصة،
حتى إذا انفصل الزوجان وأراد كل
منهم الاستقلال عن الآخر يمكنهما
بناء (جدار فاصل) يبن الغرفتين!.
-
(وكأن محمد فتح شهية الباقين
للحديث) والآخر الذي يبلغ التسعين
ولا يكاد يسمع ويتحدث بصعوبة يريد
أن يعيد "الطربوش" على رءوس
المصريين، وقال في حوار تليفزيوني:
إنه سيدخر جزءا من نصف المليون -الذي
تسلمه للدعاية الانتخابية- للزمن..
زمن إيه يا حاج أحمد!.
-
تضيف "سناء السيد" -مدرسة-:
أحدهم يبدو أنه يحب السمك، بقي
طوال مؤتمر نقله التليفزيون يعرض
خطته لتوفير وجبة سمك يومية لكل
مواطن عن طريق تحديث المواني أو
إنشاء موانٍ جديدة، وإنشاء مدارس
لتعليم الشباب الصيد، وشراء مكاتب
الصيد.
-
والله يا أستاذة سناء هناك أفكار
جيدة يقولها المرشحون، لكن من
سيطبقها، والناس العاديون
والباحثون في مراكز الأبحاث لديهم
أفكار ومشروعات جيدة، لكن من
سيطبقها.. إنهم لا يطبقون إلا ما
يرونه هم، ما يمكنهم أن يحصلوا على
تمويل لإقامته، ويخصصون نصف
التمويل كمكافآت لهم، ليس مهمّا
ما يحتاجه الناس، المهم ما تريده
جهات التمويل الأجنبية
والمقاولون الكبار.
على
المقهى
بين
رشفات الشاي وقت الغروب يقلب صاحب
المقهى بين قنوات التليفزيون
ليستقر أخيرا على القناة الأولى..
المذيعة بمكياجها الأصفر (والله
كله أصفر بداية من الشعر وحتى
الوجه ثم الملابس) جذبت صاحب
المقهى ليترك القناة، لكن
البرنامج كان عن تناول الإعلام
لموضوع الانتخابات.
يعلق
أحد الشباب ويبدو على مظهره أنه
جامعي: التليفزيون متعجل
بالنتائج، يريدون أن يؤكدوا للناس
أنهم التزموا بالحياد المطلوب،
وعرضوا لكل الآراء، واستضافوا كل
المرشحين، فأخذوا ينظمون برامج
خاصة لتقييم البرامج والتغطية
السابقة التي قاموا بها، انتظروا
حتى تنتهي الانتخابات ليحكم
الناس، أو لتحكم مراكز البحوث
الإعلامية.
ويستطرد:
ألا تعلم أن هناك 80 مليون يورو
جاءت منحة للتليفزيون المصري من
الاتحاد الأوربي ليساعدوا
الإعلام المرئي على إنتاج برامج
محايدة.. 80 مليون لأجل ثلاثة
أسابيع فقط، المصيبة أن نفس
الأشخاص والمتحدثين الذين
يتحدثون يوميا هم أنفسهم كل يوم
وعلى نفس القنوات.
قلما
ينزل أحدهم إلى الشارع ليعرفوا
رأي الناس على الطبيعة، يكتفون
بالمكالمات الهاتفية داخل
البرنامج، والجميع يعرف أن هذه
المكالمات يتم الاتفاق عليها قبل
البرنامج مع المتصلين، وإذا حدث
وخرج المتصل عن المتفق عليه يقطع
الخط لأسباب فنية(!!).
-
لم تعد اللعبة قاصرة على الصحف
وقنوات التليفزيون فقط؛ فهناك
مواقع كثيرة ظهرت على "الإنترنت"
في أثناء هذه الأسابيع أيضا، منها
موقع "شايفنكم" الذي يراقب
الأحداث ويعلق عليها، وموقع "حسني
مبارك" الذي يرد فيه العاملون
على حملته الانتخابية على ما يثار
حول برنامجه في الصحف، وموقع "المرصد
الانتخابي" لمنظمات المجتمع
المدني التي تتابع الانتخابات،
وموقع "الهدف"، ومواقع أخرى
قديمة تتحدث أيضا عن الانتخابات
قبل موقع حركة كفاية، و"مصريون
بلا حدود"، وموقع آخر لصحيفة
اسمها "المصريون".
-
المنتفعون كثيرون، ليس فقط 80
مليون يورو لمذيعي ومعدي برامج
التليفزيون المصري، لكن أين ستذهب
الخمسة ملايين جنيه التي تسلمها
المرشحون العشرة من دم الشعب
المصري حتى يعرفوا أنفسهم للشعب؟..
ألم يكن من الأفضل أن يبنوا بها
مصنعا للشباب؟.
يا
أخي إذا قلنا: إن أغلبهم
يحتاجها فعلا للدعاية لنفسه؛ ففيم
يحتاجها الرئيس الحالي الذي يعرفه
كل من ولد ويعيش منذ 24 عاما؟.
الخطاطون
ومصانع اللافتات القماشية
والبلاستيكية والمضاءة كلهم
سيأكلون لقمة عيش من وراء
الانتخابات، وكذلك العاملون
بالصحف. وأيضا رجال الأعمال؛
فـثمن الإعلانات التي استخدموها
في الأساس للدعاية لأنفسهم
ومنتجاتهم وإثبات ولائهم للحكومة
سيخصمونه من الضرائب المفروضة
عليهم.
شركات
الاتصالات التي تنقل الرسائل
القصيرة أيضا ستكسب الآلاف؛ فبعض
المرشحين يستخدمونها في الدعاية
الانتخابية.
اقرأ
أيضا:
مواقع
ذات صلة:
|