في
أحد أيام أغسطس من عام 1981 لاحظت
حركة غير عادية تحدث في المنزل
الريفي الجميل الذي نسكن فيه،
ومداولات طويلة بين الأب والأم
للترتيب لأمر جلل، تزامن مع
اهتمام غير عادي بخروف ثمين
عندنا، كانوا قد نذروه للشيخ أبو
العيون عند ختاني. كان ذلك -على ما
أذكر- يوم سبت، ومع قدوم يوم السوق
الذي هو الإثنين عندنا وجدت أبي
يصحبني إلى البندر ويشتري لي
جلبابين، أحدهما أبيض اللون، مع
طاقية مقصبة وحذاء أسود من شركة
"باتا"، وبعد حديث طويل لأبي
مع صديقه القماش (صاحب محل القماش)
لم أسمع من الرجل سوى كلمة "مبروك
يا عريس"، كان عمري وقتها 6
سنوات إلا أياما قليلة، كنت أستعد
لدخول المدرسة في هذه الأثناء،
وهو الذي عجل بساعة الصفر لختاني.
بدءا
من يوم الثلاثاء بدأت نساء
العائلة وبناتها مع حبيبات الأم
من الجارات والصديقات في التوافد
على منزلنا للغناء على قرع طبلة
صغيرة، البهجة والفرحة تعمان
أرجاء المكان، وبدأت النسوة
المجتمعات في استخراج ما حفظنه من
غناء شعبي جميل يتناسب مع هذه
المناسبة، والذي تتنوع موضوعاته
ما بين الإلحاح على المزين (الحلاق
الذي يقوم بعملية الختان) لإتمام
الختان من دون إيلام الطفل، مثل
"يا مزين يا عربي متعيطش (لا
تبكي) ولدي"، أو "يا مزين يا
ليبي متعيطش حبيبي"، وأحيانا
يقلن "طاهره يا مزين على الحشيش
اللين"، أو "طاهره يا فولي
على الحشيش اللولي"، وفولي هذا
اسم واحد من قدامى المزينين في
القرية. ولأم المطاهر حظها من هذا
الغناء الشعبي الجميل، فتغني
واحدة من البنات قائلة: "نادرة
له إيه (من النذر) يا أم الولد؟"،
وترد الباقيات في صوت واحد: "نادرة
له فردة حلق (قرط)"، في إشارة
لفرحها الشديد بالمناسبة.
 |
|
ختان الذكور يتم بطريقة بدائية أحيانا
|
ومع
زقزقة العصافير صبيحة يوم الخميس
وجدتهم يوقظوني مبكرا جدا، وقامت
الأم والجدة بإعطائي دشا ساخنا،
لبست بعده الجلباب الأبيض الجديد
مع الطاقية المقصبة، ولمحت أبي
يقف مع مجموعة من سائقي سيارات
الأجرة التي فوجئت بالناس يركبون
فيها، وأنا معهم، ومعي خروفي
الحبيب، وكانت الوجهة صوب مقام "الشيخ
أبو العيون"(1)
الكائن في قرية "دشلوط" التي
تبعد عن بني يحيى مسافة 20
كيلومترا، والشيخ أبو العيون له
حظه الوفير من الأغاني الشعبية،
ومن ثم بدأت النساء الراكبات
السيارات المتجهة إليه يغنين
بعضها، مثل "أبو العيون شيع (أرسل)
وقال هاتوا جدي من الجديان"، أو
"أبو العيون شيع ويقول.. هاتوا
عجل من العجول"، في إشارات
صريحة للنذر المنذور للطفل عند
ختانه.
وصلنا
بالفعل إلى مقام الشيخ، وأخذوني
إلى واحد من الحلاقين الذين
يجلسون في مقامه، وكان من المفترض
أن يكون في رأسي قرن من الشعر لا
يتم حلاقته منذ ولادتي إلى أن أصل
للحظة التي أتحدث عنها الآن، ولكن
من ستر الله أن أمي رفضت تماما هذا
التقليد؛ لأنها رأت أنه سيشوه
منظري إلي أبعد الحدود. بدأ الحلاق
في الاشتباك مع رأسي، والزغاريد
تملأ المكان، والأب يتلقى التهاني
من كل حدب وصوب، وأنا لا أدري
لماذا كل هذا؟.
بعد
انتهاء الحلاق من إجراءاته جاء
الدور على خروفي الحبيب الذي تم
ذبحه على عتبة مقام الشيخ وفاء
للنذر، وتسلم نقيب الشيخ (المسئول
عن المقام) الذبيحة؛ لتوزيعها على
الفقراء بمعرفته. وارتفعت بعدها
الحناجر بالغناء في صوت بديع
قائلين "أبو خالد شمر يديه..
وفَََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََّى
الندر اللي عليه"، وعاد الموكب
بعدها سريعا إلى الدار، وكان العم
رزق الطباخ قد انتهى من تجهيز
ولائمه، وبدأ المدعوون في التوافد
لتناول الغذاء كما جرت العادة.
محبات
في النبي
بعد
صلاة العشاء بدأ شبيبة العائلة في
فرش الساحة الكبيرة التي يطل
عليها منزلنا بالحصر المصنوعة من
نبات الحلف، والتي ستقام عليها
حلقة للذكر بمعرفة بعض رجال
الصوفية الذين بدءوا يستعدون
للبدء بوقوفهم في صفوف متقابلة،
ويتطوحون يمنة ويسرة بطريقة
إيقاعية تزيد سرعتها مع ارتفاع
وتيرة الإنشاد. بدأ الذكر بالفعل
والقلوب هائمة في حب النبي وآل
بيته، وتعلو الأصوات تدريجيا
مرتلة للمنظومة الشهيرة عند
الصوفية التي يقول مطلعها "تباركت
يا الله.. ربى لك الثناء.. فحمدا
لمولانا.. وشكرا لِرَبّنا بأسمائك
الحسنى...".
وكان
يتخلل فواصل الإنشاد بعض الفترات
للنقوط، وكان يتولى هذا الأمر
واحد من المنشدين؛ بأن يقوم الرجل
المنقط بإعلان تهانيه لصاحب
الليلة أو الفرح، ولأن الكل مجتمع
على محبة النبي يكون العنوان
الأكبر للنقوط "محبات في النبي"
فيقول على سبيل المثال: فلان
الفلاني محبات في النبي، علان
العلاني محبات في النبي، وأصحاب
الفرح محبات في النبي، وفي نهاية
النقطة يقوم من يتولى عملية
النقوط من المنشدين بمجاملة
المنقط الذي لفحه الـ50 قرشا
بالقول "فلان الفلاني له
الفاتحة، الفاتحة ويا مولانا
فاحفظه"، ويردد الجميع من خلفه
"آمين آمين يا رب آمين"،
ويقرأ بعدها الفاتحة في نفس واحد،
وأتحداك لو سمعت منه شيئا مفهوما
سوى كلمة آمين في النهاية.
وفي
أثناء انعقاد الذكر أخذتني أمي
ونساء العائلة إلى داخل المنزل،
لإتمام مراسم "الحناء"؛ فقمن
بوضع يدي وقدمي في عجينها؛ حتى
تتلون بلونها، بعدها تركوني أخلد
للنوم .
دقت
الساعة الحاسمة
هلت
تباشير صباح يوم الجمعة، وما إن
رفعت رأسي من على الوسادة في ساعة
مبكرة منه حتى وجدت أكبر حشد من
رجال ونساء العائلة في المنزل،
وفي تلقائية حاولت الخروج
كالعادة؛ فوجدت عشرات العيون
والأيدي تمنعني، وبينما أحاول
الخروج إذ بي ألمح عبد الحكيم
المزين يدخل من البوابة الكبيرة،
على الفور انقض عمي عليّ من دون
مقدمات، أمسكني بطريقة كسّرت
ضلوعي وأجلسني على الماجور
المقلوب (إناء كبير من الفخار يتم
فيه عجن الدقيق قبل خبزه)، بعد أن
جلست مكتفا بيدي عمي وجدت أحد
الحضور يقترب من سروالي وينزله
لأسفل، صرخت بكل ما أتيت من قوة من
كثرة الخجل، كانت نظراتي موجهة
صوب أمي ولسان حالي يقول لها: ألم
تعلميني أن هذه المناطق خاصة جدا؟
ماذا يحدث؟! في هذه الأثناء كان
عبد الحكيم المزين قد انتهى من
إخراج عدته وأمواسه، وبدأ في
التعامل مع هدفه من دون بنج أو
مخدر.
تتعالى
صرخاتي، فالخطب جلل، والألم فظيع،
والروح بلغت الحلقوم، والصمت
الرهيب يخيم على المكان. تكسر جدتي
لأمي حدة هذا الصمت بدعائها إلى
الله بأن يخفف عني آلامي، وبدأت
جدتي لأبي هي الأخرى في الحديث
مشجعة لي على أن أكون رجلا، وأن
أتحمل وأتجلد، ولا مانع من تذكيري
بأن أبي وأعمامي عندما حصل لهم ما
يحصل لي الآن كانوا يضحكون
ويبتسمون، ولم ينزل الواحد منهم
ولو دمعة وحيدة من عينه؛ ولكن لأني
"دلوعة أمي" أبكي الآن، هذه
الكلمة استفزت أمي التي بينها
وبين الجدة ما صنع الحداد والنجار
وكل الحرفيين.
أخيرا
انتهى المزين من إجراءاته،
وارتفعت وتيرة صراخي، وتعانقت
معها أصوات الزغاريد، والأعيرة
النارية ابتهاجا بإتمام الختان
بسلام، رحت بعدها في غيبوبة عميقة..
وكبرت وتخطيت كل مراحل الدراسة،
حتى تخرجت في كلية الإعلام؛ غير
أني لم أشعر بأهميتي على مدار
حياتي إلا في هذا الأسبوع الذي
حكيت وقائعه تواً.
اقرأ
أيضا:
**
محرر في النطاقات الاجتماعية بشبكة إسلام أون لاين.نت
(1) الشيخ
أبو العيون يمتد نسبه إلى سيدنا
الحسن بن علي كرم الله وجهه، وتولى
مشيخة الأزهر الشريف في أربعينيات
القرن الماضي.