أن
تجارب الكاتب الشخصية لا تصلح مادة
للنشر إلا إذا كانت تعالج قضية عامة
تهم المجتمع وتفيده، وسأحاول أن أكون
موضوعية وحيادية قدر الإمكان مع
التأكيد أن غايتي في إظهار الأخطاء
ليست إلا الرغبة في عدم تكرارها
لنستطيع أن نغير بأنفسنا دون أن ننتظر
غيرنا ليتدخل في شئوننا.
|
|
في
اعتقادي أن تجارب الكاتب الشخصية
لا تصلح مادة للنشر إلا إذا كانت
تعالج قضية عامة تهم المجتمع
وتفيده، وسأحاول أن أكون موضوعية
وحيادية قدر الإمكان مع التأكيد
أن غايتي في إظهار الأخطاء ليست
إلا الرغبة في عدم تكرارها
لنستطيع أن نغير بأنفسنا دون أن
ننتظر غيرنا ليتدخل في شئوننا؛
وسأركز على مناهج اللغة العربية
والتاريخ والتربية الوطنية
والتربية الدينية.
أولا:
منهج اللغة العربية:
كانت
مناهج التعليم في الخمسينيات وما
قبلها معقدة أكثر من السنوات التي
تلتها، لدرجة أن التلميذ الذي كان
يحصل على الشهادة الابتدائية في
الصف الخامس (المسماة بالسرتفيكا)
كان بإمكانه أن يبدأ حياته
العملية كمعلم للتلاميذ، وأما ما
اطلعت عليه شخصيا فقد كان مناهج
العلوم وقواعد اللغة العربية
للمرحلة الثانوية في منتصف
الخمسينيات، ومن الجدير بالذكر أن
حجم الكتب نفسها كان كبيرا مشابها
لحجم الكتب الجامعية، وبالنسبة
لكتب اللغة العربية فقد كانت تحوي
دروسا في البلاغة والعروض
والإعراب، ولكن طابعها كان
إيمانيا إلى حد كبير، فالجمل
المختارة للإعراب هي غالبا من
القرآن الكريم، على سبيل المثال
أذكر درس الأسماء الخمسة والآية
التي كان يطلب إعرابها: (رب إني
أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع)،
ودرس الحال توجد فيه الآية: (وجاءوا
أباهم عشاء يبكون)، وكثير من
النصوص المطلوبة للحفظ عبارة عن
آيات قرآنية مختارة إضافة للشعر
والنثر. ولا يقتصر الطابع
الإيماني الجميل على كتب اللغة
العربية في الخمسينيات بل حتى
مناهج القراءة في زمن الوحدة -والتي
كانت مشتركة بين سوريا ومصر- كان
فيها الكثير من الأخلاق مثل بر
الوالدين والرفق بالحيوان وفعل
الخير، وكل هذا لم يكن يقدم بشكل
جاف بل يترافق مع الطرافة والمتعة
والقصص المسلية، واستمر الأمر على
هذا المنوال في سنواتي الابتدائية
الثلاث الأولى؛ فكتب القراءة فيها
قصائد شكر لله وبعض الآيات
القرآنية المختارة والمناسبة
لعمر الطالب، وفيها إلى جانب
الحكمة إبداع جمالي راقٍ وذائقة
فنية عالية كأشعار الأخوين رحباني
وغيرهما من شعراء الإنسانية.
كل
تلك القيم وذلك الجمال بدأ يخف
تدريجيا من كتب القراءة للمرحلة
الابتدائية بعد دخول سوريا مرحلة
التصحيح عام 1970؛ إذ توضحت الأدلجة
في المناهج، فمن قصيدة عن ثورة
الثامن من آذار، إلى درس عن عيد
العمال، وآخر عن الإصلاح الزراعي،
وثالث عن الحركة التصحيحية؛ بل إن
تحية العلم الصباحية والتي من
المعتاد أن يردد فيها الطلاب بشكل
جماعي النشيد السوري (حماة الديار)،
أصبحت تنتهي بترداد شعارات (أمة
عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة..
أهدافنا.. وحدة حرية اشتراكية)
فكان الأمر كأنه تعويد للأجيال
على التفاخر بشيء لم يعد موجودا،
ويكفي أن هذه الأيديولوجيات جعلت
العرب يظهرون كوريث لم يرث شيئا
إلا اللقب، عدا أن الرسالة
الخالدة كانت في الوحدة
والاشتراكية والحرية مع أنه لا
وجود لأي عنصر من عناصر هذه
الثلاثية على أرض الواقع، ومن
نافلة القول أنها ليست رسالة
الأمة العربية التي بينتها الآية
الكريمة: (وإنه لذكر لك ولقومك
ولسوف تسألون)، وهذا دليل على
الفصام بين القومية والإسلام
والذي ساد فترة طويلة في الثقافة
والتربية.
على
كل حال كانت المناهج مقبولة إلى حد
ما، لكنها لم تكن بجمالية المناهج
في السنوات السابقة، وربما يعود
السبب أن الأدلجة تؤدي إلى فقدان
الإحساس بالجمال لدى واضع المنهاج
الذي لم يتح له أن يغير كثيرا فيما
يبدو في كتب اللغة العربية في
المرحلة الإعدادية إلا بشكل
عشوائي، فبقيت قصة "الموسيقي
الأعمى" الروسية تدرس أكثر من 10
سنوات متتالية للصف الثالث
الإعدادي، وهي قصة تدور حول
العاطفة الفردية (حب بين فتاة وبطل
القصة الأعمى) بعد أن حذفت من
المنهاج قصة من أجمل القصص التي
تركز على العاطفة الوطنية وهي "أرض
البرتقال الحزين" لغسان
كنفاني؛ وهنا يحق للمرء أن يتساءل
عن مدى مصداقية الالتزام بقضية
فلسطين أم أن الأمر لم يكن إلا
لإلهاء الشعب عن همه اليومي
ومطالبه المشروعة بالعدل والحرية
والكرامة؟ وهل كانت الأيديولوجيا
القومية واضحة أم أنها مختلطة
بإقليمية حزبية ضيقة؟ وإذا كان لا
غضاضة في عاطفة الحب، فهل هذا مبرر
لتفضيلها على الشعور بالواجب؟
ولماذا هذا التناقض بين الأقوال
والأفعال؟ حذفت مصر كثيرا من
الدروس العدائية لإسرائيل لكن
عذرها أنها أقامت اتفاقية سلام
معها فما هو عذر سوريا هنا؟!.
ثانيا:
منهج المواد الاجتماعية: التاريخ
والتربية الوطنية
كتاب
التاريخ للصف السابع المقرر للعام
الدراسي 973-974 يذكر أن إبراهيم هو
أبو اليهود -بدون إشارة إلى نبوته
أو ووضع عبارة "عليه السلام"-
ويشير إلى ما تعرضوا إليه على يد
نبوخذنصر؛ وهو ما دفعني للتساؤل:
لماذا ننكر إذن حق اليهود في
فلسطين؟ ولما لم أجد جوابا لدى
المعلمة اتجهت بهذا السؤال إلى
أحد إخوتي الذي يكبرني بسبعة عشر
عاما، فأخبرني أن هذه الدروس
التاريخية مأخوذة من التوراة
المحرّفة لذلك هي ليست صحيحة. قرأت
فيما بعد في أحد كتب الدكتور مصطفى
السباعي رحمه الله الذي كان نائب
رئيس البرلمان السوري إبان
الاستقلال ومؤسس كلية الشريعة
اعتراضه على أن يُدرِّس أو يعدّ
مناهج التاريخ العربي والإسلامي
شخص غير مسلم، ورغم أن هذا
الاعتراض صدر من شخص بوزن واعتدال
الدكتور السباعي فإنه لم يتم
الأخذ برأيه؛ ويمكن للمطلع أن
يلاحظ أن كثيرا من الأبطال
التاريخيين أو العلماء المسلمين
مثل صلاح الدين الأيوبي وابن سينا
وغيرهما تم حشرهم تحت المسمى
العربي في المنهاج التعليمي رغم
أنهم ليسوا عربا وهذا من ثمار
الأيديولوجية القومية، كما أن
مناهج التاريخ لم تكن تصف أيا من
أبطال التحرر من الاستعمار إلا
أنهم شيوخ، كالشيخ عبد القادر
الجزائري والشيخ عمر المختار دون
الإشارة من واضع المنهاج إلى أن
سبيلهم لتحرير أوطانهم كان تمسكهم
بإيمانهم وغرس الدين الصحيح في
نفوس أتباعهم، وهو الدين الذي
يدعو إلى عدم الخوف من المستعمر
وعدم قبول الذل وإعلاء معنى
الشهادة وكلها مفاهيم مستمدة من
الإسلام، لكنها الأيديولوجيات
القومية أو الحزبية مرة أخرى!.
لا
أنكر أن مناهج المواد الاجتماعية
كانت تعطي معلومات جيدة نسبيا، عن
الوزارات والاتحادات والنقابات
ولكنها كانت جافة جدا خاصة في
المرحلة الإعدادية، وتحولت في
المرحلة الثانوية إلى مادة
القومية الاشتراكية وكانت كلها عن
حزب البعث العربي الاشتراكي؛ وهو
ما جعلها مادة من أسمج المواد
وأثقلها على القلب، وجعل نسبة
الرسوب بها عالية خاصة في
الثانوية العامة.
ثالثا:
منهاج التربية الدينية:
في
السبعينيات كانت التربية الدينية
كافية لتعطي معلومات أولية للطالب
عن الدين، وبرأيي أنها لم تكن
كافية ومتدرجة فحسب بل كانت تثبّت
العقيدة الصحيحة من الإيمان بالله
وصفاته وقصص الأنبياء وسيرة
الرسول عليهم جميعا الصلاة
والسلام وتعلم الأخلاق وتغرس
المبادئ والقيم عبر قصص جميلة
تناسب عقل التلميذ وإدراكه خاصة
في المرحلة الابتدائية، ويكفي
أنها امتداد لمنهاج التربية
الدينية في الستينيات والذي كان
من تأليف وإعداد نخبة من أبرع
الأقلام في مصر وسوريا ومنهم سعيد
العريان وهو صاحب مجموعة قصصية
موجهة للأطفال في ذلك الوقت تحت
اسم القصص المدرسية، وهي من أجمل
ما كُتب في أدب الطفل وتربيته على
الأخلاق بشكل قصصي يبتعد عن الوعظ.
أما ما حصل في السنوات التي تلت أي
في الثمانينيات وما بعدها فقد
اختصرت مناهج الدين واختلطت
التربية الدينية بالتربية
الوطنية أو بالأحرى بالتربية
السياسية فحوَت بعض كتب الدين
مقولات لرئيس سوريا السابق. وربما
بدأ المنهاج بالتغير نحو الأفضل
في السنوات الأخيرة.
المرأة
في مناهج التعليم السورية ومعوقات
النهوض
استبدال
المعلمات الإناث بالمعلمين الذكور
في جميع المراحل خاصة الابتدائية في
سوريا، لم تكن خطوة موفقة حيث لا
تستطيع المعلمة السيطرة على فصل
مختلط أو فيه نسبة الذكور أكثر من
الإناث.
|
|
في
المرحلة الابتدائية قبل 1970 وُجدت
بعض الدروس التي تعطي صورة جميلة
للعائلة وتكامل دور الأب والأم
فيها وتوثق العرى بين أفرادها،
لكن بعد عام 1970 بدأت المناهج تسير
في منحى اعتبار أن المرأة كالرجل،
وخاصة مع بداية عهد تأنيث التعليم
وهو استبدال المعلمات الإناث
بالمعلمين الذكور في جميع المراحل
خاصة الابتدائية، ولم تكن خطوة
موفقة حيث لا تستطيع المعلمة
السيطرة على فصل مختلط أو فيه نسبة
الذكور أكثر من الإناث؛ لأن
المدارس المختلطة بدأت في نفس
العام تقريبا، فكثيرا ما كانت
المعلمة تستعين بمدير المدرسة
ليساعدها على انضباط الفصل، وبهذا
يضيع جزء من الحصة بدون فائدة إلا
إرهاق أعصاب المعلمة. ومن وجهة
نظري الشخصية فإن التعليم المختلط
ما قبل سن العاشرة ليس مرفوضا لكنه
بحاجة إلى دراسة وافية وكذلك إلى
تلمس تجارب البلاد الأخرى غربية
أو عربية، فمن محاسنه أن يعتاد كل
جنس كيف يتعامل مع الجنس الآخر
بشكل طبيعي، لكن في نفس الوقت
يُخشى من انتقال الصفات الفطرية
من جنس لآخر، ولتفادي ذلك ينبغي أن
يتم الفصل بين الجنسين في حصص
الرياضة والفن حيث تتم مراعاة
الاتجاهات الفطرية فلا تفقد البنت
حياءها ولا يصبح الولد مخنثا؛ لأن
سياسة الفصل التام تؤدي إلى
انعكاسات وانحرافات خطيرة، كما أن
الاختلاط غير المدروس يؤدي إلى
خلق جنس ثالث في مجتمعاتنا، وهي
تجربة خاضتها قبلنا الدول الغربية
وهي تدفع ثمنها الآن بالشذوذ
والإباحية. ولا بد من الإشارة إلى
أن الفصل بين الجنسين لا يتم في
معسكرات الطلائع المستنسخة من
التجربة الروسية، وهو أمر له
آثاره السلبية إذا لم يتم ترشيده.
مراعاة
الميول الفطرية كان موجودا في
مناهجنا -وما زال ولو بشكل أقل- ففي
حصص الأشغال الفنية تتعلم الفتاة
شيئا جيدا عن التطريز والخياطة
وفن تدبير المنزل، بينما وجدت في
المناهج قبل السبعينيات حصة عن
تربية الأطفال تم حذفها عندما
قُرر منهاج التربية العسكرية
للفتيات، بسبب أن سوريا كانت
تعتبر إحدى دول الطوق، وهي خطوة لا
بأس بها فتعليم الرماية واستعمال
السلاح للفتاة أمر ممتع ومفيد،
لكن بعض المدربات كنّ يتميزن
بالخشونة والفظاظة فلا يراعين
الجانب الأنثوي في الفتيات، وكن
بسهولة ولأقل ذنب ترتكبه طالبة أو
أكثر يفرضن عقوبة الزحف على الأرض
أو المشي بوضعية القرفصاء على
الفتيات، وفي ذلك إهانة غير مبررة
وإصابة لهن بمرض الروماتيزم مبكرا.
عدا أن معسكر التدريب الصيفي
الإجباري أصبح مختلطا بين
المراهقين والمراهقات، ومرت فترة
على البلاد كانت الفتاة تجبر على
نزع غطاء الرأس في المدارس وفي
المعسكرات؛ وهو ما جعل بعض
الفتيات الملتزمات يحجمن عن
الذهاب إلى المدارس أو الاشتراك
في معسكرات الفتوة والشبيبة، وهي
أيضا استنساخ لتجارب دول
اشتراكية، ولا يوجد من يفهم أو
يشرح قواعد الاختلاط المنظم
والمشاركة المشروعة بين الجنسين
كما لا يُسمح بذلك أساسا، فكتب
الأستاذ عبد الحليم أبو شقة (تحرير
المرأة في عصر الرسالة) ما زالت
غير متاحة في سوريا، ومن هنا تزداد
الفجوة بين التيارين التغريبي
والتقليدي في المدارس والمجتمع.
لم
تدل المناهج -وما زالت لا تدل- على
أن المرأة العربية يمكن أن تتحرر
إلا على الطريقة الغربية، ومن
النادر أن يوجد معلمة تعرف كيف
تشرح للطالبات دور المرأة في
تحرير العقول دون أن يتم التخلي عن
الثوابت والقيم، وبالأخص معلمات
التربية الدينية فقد كن تقليديات
إلى حد كبير، والمشكلة في
التقليديات والتغريبيات أن
السؤال ممنوع، وكمثال عندما سألت
إحدى الطالبات في الصف الأول
الثانوي معلمة الدين عن معنى كلمة
الجنابة الواردة في درس الغسل
انتهرتها ورفضت الإجابة، وعندما
سألتُ مدرسة اللغة العربية في
الثاني الثانوي العلمي عن الغاية
من دراسة بول فاليري وغيره من رموز
المدارس الانطباعية أو
الكلاسيكية غضبت مني ولم تجبني
على سؤالي رغم أني لم أكن أسألها
لأحرجها، وهذا نوع من الاستبداد
الثقافي الذي يجب أن يلغى من
المدارس العربية ويستبدل به
الاهتمام بأي سؤال يطرحه الطالب
خاصة إذا كان سؤالا جادا. فأبرز
المعوقات في نهوض المجتمع هي
نفسها معوقات نهوض المرأة، وهي
الأدلجة أو التفكير الأحادي الذي
يشبه ما يضعونه للحصان على طرفي
رأسه كي لا يرى أي شيء من الجانبين
فلا يجفل، وجيل النصر المنشود يجب
أن يكون جيلا لا يجفل تكوّنه امرأة
ورجل لا يرهبان، أيْ جيل يعتاد على
رؤية أي شيء ويحق له أن يسأل عن أي
شيء حتى لا يتفاجأ بأي شيء، وهذا
لا يكون إلا بإعلاء ثقافة الحوار
بين جيل التلاميذ والأبناء وبين
جيل المعلمين والآباء.
مصادر
الثقافة الأخرى للفتاة:
ذكرت
في البداية ما يمكن أن نسميه
المنهج الخفي أو الموازي للمنهج
التعليمي، وهو على درجة عالية من
الأهمية والخطورة في نفس الوقت،
وهو يتراوح بين أثر العائلة
والجهاز التعليمي وجماعة
الصديقات والكتب ومواقع الإنترنت
ووسائل الإعلام المقروءة
والمسموعة والمرئية. ولا شك أن
للبيئة دورا كبيرا في تكوين شخصية
الفرد، فالأبوان المثقفان غالبا
ما تنعكس ثقافتهما في تربية
الأولاد، وفي العائلات كثيرة
الأفراد يتم نقل المعلومات من
الكبار للصغار بطريقة لا شعورية،
وأود هنا أيضا أن أعرض تجربتي
الخاصة فقد يكون فيها شيء من
الفرادة والفائدة:
والداي
لم يكونا بالمثقفَيْن؛ فوالدي
خريج أحد الكتاتيب ووالدتي تقرأ
القرآن الكريم وتفك الخط بصعوبة،
مع ذلك كان والدي رحمه الله حريصا
على تعليمنا القرآن الكريم وهو
بحد ذاته مصدر لثقافة دينية
وإنسانية لا تضاهى؛ أما من يستحق
ذكر تأثيره في تكوين ثقافتي منذ
الصغر فهو أخي الكبير وأخي الذي
يصغره مباشرة فكلاهما درس في
فرنسا وكانا من هواة القراءة
والمطالعة بشكل كبير، وعبر
مكتبتهما الخاصة تعرفت إلى مجلات
سندباد التي كانت تصدر في مصر قبل
الاستقلال ومجلات سمير بأعدادها
القديمة والمجموعة الكاملة لكامل
الكيلاني وعطية الأبراشي وسعيد
العريان وغيرهم وسلسلة أولادنا
وسلسلة مماثلة عن الأبطال العرب
التاريخيين، وكانت فرحتي كبيرة
عندما كنت بعمر 7 سنوات بصدور أول
مجلة سورية للطفل باسم مجلة
أسامة، وكان أحد إخوتي -رحمه الله-
يشجعني على شرائها بإعطائي ثمنها
من ماله الخاص رغم أنه كان في
بداية تكوين حياته الأسرية، وهذا
يدل على مساهمة الأشخاص الناضجين
في العائلة في إنشاء ثقافة الطفل؛
وفي عمر أكبر صدرت سلسلة "المغامرون
الخمسة" وهي سلسلة بوليسية
أضافت إلى رصيدي في القصص
البوليسية والذي يأتي في مقدمته
قصص أرسين لوبين، وفي نهاية
المرحلة الابتدائية وبداية
الإعدادية كنت أميل إلى كتب علم
النفس والفراسة وكتب "ديل
كارنيجي" ثم تعرفت إلى قصص نجيب
محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله
وإحسان عبد القدوس وطه حسين -الذي
لم يستهوني أسلوبه إذ وجدته
متشائما- وقصص ميشال زيفاكو
ومكسيم غوركي وإسكندر دوماس
وأرنست همنغواي وفيكتور هوغو
وسلسلة قصص صغيرة الحجم -ربما
اسمها قصص الجيب أو اليوم وهي
سلسلة لهدم الأخلاق على ما أذكر-
ثم انطلقت إلى مسرحيات توفيق
الحكيم وكثير من مؤلفات دار
الهلال وقصص عالمية منها من الأدب
الياباني لا أذكر أسماء مؤلفيها.
ومن المجلات مجلة طبيبك لصبري
القباني رحمه الله ومجلات سمر ذات
الأفلام الرومانسية المصورة
والموعد والشبكة ولم أكن أدفع ثمن
أي مجلة تافهة وإن كنت أطلع عليها
باستعارتها من صديقاتي، وأحيانا
كانت يدي تقع على مجلات سياسية
كالصياد والأسبوع العربي أو
ثقافية كمجلة العربي؛ وأذكر أن
معلمة الدين في الصف الثالث
الإعدادي ذكرت خطر عدد من المجلات
على الأخلاق وذكرت من ضمنها مجلة
طبيبك فلما ناقشتها في ذلك أنكرت
عليّ، وهذا كان ديدن أساتذة الدين
فنادرا ما حظي جيلنا بشبابه
وفتياته بمعلمات أو معلمين يقدمون
له الدين على أنه يتفهم عواطف
الإنسان ولا يمانع فيها ما لم تدخل
منطقة الحرام وأنه الدين الذي لا
ينفي الغرائز لكنه يمنع من
تأجيجها، وأنه يمنعنا من خطيئة
التعميم، وأغلب الظن أن المعلمة
اطلعت مرة واحدة على مجلة طبيبك أو
سمعت عنها من أي مصدر؛ فرفضتها
بالكامل!.
ماذا
استفدت من هذه القراءات المختلفة؟
حقيقة هي تكوّن جزءا غاليا من
ذاكرتي رغم أن بعضها كما قلت كان
تافها جدا، لكن حتى التافه
والسخيف يمكن أن يستفاد منه المرء
حينما يوجّهه الوجهة المناسبة،
ووجهتي هنا أن أفيد القارئ من
تجربتي الشخصية، فمثلا أذكر أني
تعرفت على مجلات تان تان بعمر كبير
نسبيا أي 14 سنة، وفيها مسلسلات
مصورة ومواضيع مشوقة، لكن فيها
أيضا السم في الدسم، وعلى سبيل
المثال يوجد موضوع عن الأزياء كان
يضع صورة امرأة كبيرة في السن قد
غطت شعرها ويستدلّ بالصورة على
استعمال "الإيشارب" غير
المناسب للعصر، ويدل الفتيات على
طريقة الربط المتلائمة مع سنهن،
سواء حول الخصر أو حول العنق (فولار)،
وحدث ولا حرج عن تأثير مجلات
الشبكة والموعد وسمر في فصل
المراهقات كليا عن بيئتهن
المحافظة، وبالتالي حصول الفصام
بين الفردي والجماعي؛ والسبب يعود
برأيي إلى غياب رقابة الأهل
المتفهمة لعواطف المراهقة، بينما
لو تم غرس الرقابة الذاتية وتعليم
الفتاة كيف تختار لنفسها ما
ينفعها لما رأينا هذا الفصام
النكد بين الظاهر والباطن في كل
أفراد مجتمعاتنا إلا من رحم ربك.
وليس
تأثير الأفلام والمسلسلات في
الإذاعة والتلفزيون بأقل من ذلك،
ومن الأمثلة التي يجب ألا أفوت
فرصة الكلام عنها هنا هي مسرحية
مدرسة المشاغبين والتي عرضها
التلفزيون السوري عندما كنت في
الصف الثاني الثانوي، فقد تنافست
كل فتيات الفصل في إظهار المهارات
التي تعلمنها من تلك المسرحية
لجعل بعض المعلمات يكرهن مهنتهن
ويكرهنهن أيضا؛ ومن هنا أنتقل إلى
الجهاز التعليمي كمصدر للثقافة،
ويكفي أن أقول إني كنت أظن معلمتي
في الصف الأول الابتدائي هي والدة
أخرى لي لأدلّل على مدى قدرة
المعلم على التأثير بالطفل، وقد
كانت أغلب معلماتنا أمثلة حية
للأخلاق الرفيعة والسلوك الحسن،
ولكن ماذا تفعل إذا كنت تبني وغيرك
يهدم؟ طبعا الجيل الحالي من
المعلمات ليس بإمكانيات الجيل
السابق فالثقافة لا تقتصر على فرد
دون فرد بل هي تعم المجتمع بكامله،
وقد غزت مجتمعاتِنا ثقافةُ
البورجر والتيك أواي وموسيقى
الراب فلا بد أن الجميع مؤثرون
ومتأثرون في نفس الوقت، وهم بذلك
مشتركون جميعا في تكريس الإشكال
الثقافي والذي لا يبدو حله قريبا؛
هذا الإشكال الذي يتبدى في سؤال
حائر: ما هي الأسس التي نضعها -سواء
في مناهج التعليم أو في إعداد
المرأة- لوقف طوفان ستار أكاديمي
وسوبر ستار والكثير الكثير من الـ"ستارات"
التي هي في طريقها لإظهار كامل
مفاتنها التافهة والمصبوغة أمام
أبنائنا وبناتنا؟.
اقرأ
أيضا:
**طبيبة وكاتبة ومستشارة القسم الاجتماعي بشبكة "إسلام أون لاين.نت".