 |
|
كيف ينظر الأطفال لمشكلات العالم الاقتصادية؟ |
الأطفال
عالم خاص، له سماته وخصائصه التي
تميزه عن عالم الكبار؛ فعالم
الأطفال هو عالم مفعم بالنقاء
والبكارة والبراءة، وعالم الكبار
مشغول بحسابات الربح والخسارة
والعطاء والمنع بناء على العائد
منها. لكن عالم الأطفال يرى بساطة
التعامل؛ فمن حقه كطفل أن يحصل على
كل شيء يلبي رغبته ويشبع نهمه. فعالم
الطفل هو عالم الوفرة المطلقة وليس
للنقود والمقابل المادي حساب في
رغباته. فكم من المرات يستوقفك تصرف
طفل تجاه لعبة يريد الحصول عليها أو
ملبس يريد أن يستحوذ عليه. ولا يعني
الصغير إن كان والداه لديهما من
النقود ما يمكنه به شراء لعبته أو
ملبسه. نعم هذا السلوك له سن معينة في
حياة الطفل، ولكنها مرحلة تعيشها كل
أسرة لديها طفل. وتختلف تصرفات
الأطفال تجاه عالم الاقتصاد والمال
بحسب بيئتهم والعصر الذي يعيشون فيه.
لا
داعي للبرد
في
واحد من الأمثلة التي تعكس لنا صورة
من ثلاثينيات القرن الماضي، يحكي
لنا الاقتصادي الدكتور رمزي زكي في
مقدمة كتابه "الاقتصاد السياسي
للبطالة": وقف طفل صغير أمام
والدته وهو يرتعش من قسوة البرد في
أحد أيام شتاء عام 1929، وسألها ببراءة:
لماذا لا تدفئين المنزل يا أمي؟ قالت
الأم: لأنه لا يوجد لدينا فحم
بالمنزل يا ولدي؛ فسألها الطفل:
ولماذا لا يوجد فحم بالمنزل؟ أجابت
الأم: لأن والدك متعطل عن العمل،
وعاد الابن يسألها: ولماذا يتعطل أبي
عن العمل؟ قالت الأم: لأنه يوجد فحم
كثير بالأسواق يا ولدي".
يقول
الدكتور رمزي زكي إنه قرأ هذه القصة
أثناء بعثته إلى فيينا في مطلع
الثمانينيات من خلال قصاصة صحفية
علقت على خلف باب مكتبه بالمعهد الذي
قضى فيه هذه البعثة، وإن هذه القصة
لازمته على مدار 15 عاما يتأمل فيها
قضية البطالة بتعقيداتها السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، من عيون
طفل لم تكن له من هذه الأسئلة
والأجوبة المتعددة إلا أن يشعر
بالدفء، بعد أن لفحه زمهرير البرد.
بطاقة
عجيبة!
بينا
تروي "نرمين سرحان" الباحثة في
العلوم السياسية قصة أخرى من زمن آخر
نعيشه الآن، حيث طلب ابن إحدى
زميلاتها من أبيه أن يشتري لعبة
معينة؛ فقال الوالد: ليس لدي نقود،
ولم يستغرق الصغير وقتا كبيرا ليقول
للوالد لديك بطاقة الصراف الآلي (كارت
A.T.M) أدخلها في الماكينة واحصل على
النقود. الصغير تصوره أن النقود لا
تحتاج سوى استخدم البطاقة
لاستخراجها.
ولكاتب
هذه السطور تجربة مع ابنته ذات
السنوات الثلاث ونصف عندما كنت
أشتري بعض الأشياء من السوق،
وسألتني: لماذا نعطي للبائع النقود؟
وأخذت أشرح لها طبيعة المعاملات
الاقتصادية في البيع والشراء ببساطة
تناسب سنها، وتخيلت أن الأمر انتهى
عند هذا الحد. وفي أحد الأيام عدت من
عملي مرهقا فسألتني: لماذا لا أعمل
في المدينة التي نسكن فيها؟ حتى لا
أعود متعبا، فقلت لها: إن تخصصي ليس
متاحا في مدينتنا، فأجابتني: ما
المانع يا أبي أن يكون لنا دكان
ونأخذ من الناس النقود؟ فأدركت هنا
أن صغيرتي لها منطق آخر، هو منطق كل
الأطفال، منطق البساطة والوفرة، وأن
كل شيء متاح في سهولة ويسر.
فيلات
الريف
عاد
ابن الريف المصري إلى قريته في إحدى
الزيارات السنوية وبصحبته ابنه -الذي
بلغ من العمر 4 سنوات- وكانت المرة
الأولى التي يزور فيها مسقط رأس
أبيه، والريف المصري عموما،
فاستوقفته الشوارع غير المرصوفة
وروث البهائم على الأرض في الشوارع،
والبيوت على غير الصورة التي عليها
بيوت مدينته الجديدة التي ولد فيها.
فسأل الصغير أباه: لماذا تعيش جدتي
في هذا المكان؟ لا بد أن نهدم هذه
البيوت ونبني لهم فيلات جميلة ونرصف
الشوارع ويكون لديهم حدائق جميلة
مثل مدينتنا. ابتسم الأب لطموح ابنه
وشفقته على وضع أهل الريف. وما لم
يدركه الصغير أن مدينته الفاضلة
التي تصور أن جدته لا بد أن تعيش في
مثلها تحتاج إلى حسابات أخرى،
تحكمها التكاليف الاقتصادية التي لا
تستطيع أن توفرها الدول النامية
لأهالي الريف -بل والمدن- فيها.
هذه
الأمثلة وغيرها الكثير سمعته من
الزملاء، جعلتني أحملها إلى
المتخصصين في شأن الطفولة وعلم
النفس حتى تتاح لنا الطريقة
المناسبة للتعامل مع الأطفال في مثل
هذه المواقف وكيف نتدرج معهم في
تفهيمهم طبيعة المعاملات
الاقتصادية.
المتعة
أولا
 |
|
عالم الطفولة يتميز بالوفرة..وليس للنقود
أي حساب |
بسؤال
الدكتور عمرو أبو خليل إخصائي الطب
النفسي -واستشاري إسلام أون لاين- عن مظاهر سلوك الأطفال في
الأمثلة التي ذكرتها، وهل تأتي من
خلال تصور الأطفال لعالم الوفرة؟
أجاب بأنه يرى أن هذا السلوك لدى
الأطفال يتعلق بما يسمى بالتفكير
التجريدي، بمعنى القدرة على تمييز
المعاني غير المادية أو ما وراء
الأشياء. فعندما نتحدث عن معنى
التبادل والتعامل والندرة فعقول
الأطفال لا تستطيع إدراكها في
البداية بشكل ملموس في سن معينة، فهم
معنيون بمتعة الحصول على الشيء بغض
النظر عما يترتب عليه من مسألة الدفع.
فالتدرج الطبيعي أن الأطفال يرغبون
في الحصول على الأشياء ثم نعودهم بعد
ذلك على أن هذه الأشياء لها ثمن. ثم
في المرحلة التالية يعرفون قيما
أخرى مثل الادخار من أجل شراء ما
يريدون. فخيال الأطفال في السنوات
الأولى لا يتسع لاستيعاب التعامل
المادي، ومن هنا يجب التدرج مع كل
مرحلة عمرية بما يتناسب مع
استيعابها للمعاملات المادية بصورة
مبسطة. والمثال الذي ذكر عن تعليق
الطفل عندما طلب شراء سلعة ما من
والده ورد الوالد بأنه لا يمتلك
نقودا فذكر الطفل أن الوالد لديه
كارت A T M ويمكن بواسطته أن يحصل على
النقود اللازمة، يوضح هذه العلاقة.
فهو لا يعرف أن طبيعة استخدام هذا
الكارت تتطلب وجود حساب بنكي، وأن
يكون فيه رصيد كاف للمبلغ المسحوب،
فهذه المعلومات لا يستوعبها الطفل
في سن معينة حتى ولو شرحت له فستظل
مخيلته تدور في إطار علاقة المتعة
بالحصول على الشيء وليس في تفسير
دلالاتها الاقتصادية المعروفة.
الإمبراطور
صغير
أما
الأستاذ أحمد زرزور المتخصص في أدب
الأطفال فيرى أنه لا علاقة للطفل
بقوانين الكبار؛ فللطفل قانونه
الخاص وهو الامتلاك، ما يعجبه وما
يريده لا بد أن يحصل عليه، فقد اعتاد
وهو جنين ثم رضيع على أن يأخذ، وهكذا
تترسخ نظرية الامتلاك في نفسه، إنه
إمبراطور صغير، فطرته هي شرعيته،
وأقصد فطرة امتلاك كل شيء، فكيف
نستطيع ترشيد هذه الفطرة شيئا
فشيئا، هذا هو السؤال المهم، وهذه
هي
اقتراحات الإجابة:
1.
أن ندرك صعوبة أن يتخلى الطفل مرة
واحدة عن عفويته هذه، عفوية
الامتلاك، لذلك علينا أن نسمح وأن
نمنع في نفس الوقت، كأن نوافق على
إعطائه شيئا (النقود مثلا) ولكن ليس
كل ما يطلبه نعطيه له، وهكذا
بالتخفيض التدريجي للمبلغ الذي
يطلبه، مع شرح الأسباب المقنعة وراء
هذا الترشيد، مثل عدم قدرة الأسرة
على تلبية كل مطالب أفرادها مرة
واحدة، بهذا نضع الطفل على أولى
درجات سلم النضج والوعي والمشاركة
في المسئولية.
2.
أن ندرك أيضا أن هناك من المطالب ما
يمكن رفضها، ليس لعدم القدرة
المادية، وإنما لوجود بدائل لها ضمن
أشياء الطفل (كاللعب مثلا) وأقصد
الأشياء المتشابهة أو المكررة، وهنا
نقترح عليه أشياء مختلفة تكسبه
مهارات جديدة؛ وهو ما يسهم في ترشيد
وعي الطفل في علاقته بالأشياء،
فيتعرف على اختلافاتها وتنوعها
والمتع المتميزة التي يمكنها أن
تشبع وجدانه وتثير عقله وتنشط خياله.
3.
أن نشجع الطفل على أن يخطط بنفسه
لكيفية إنفاق مصروفه، وذلك بالحوار
معه حول أولويات اهتماماته
واحتياجاته الشخصية؛ فيتعلم جدولة
الإنفاق، وبالتالي يدرك -ضمنا- أهمية
الإنفاق المحسوب بدقة، ليحصل على
أكبر فائدة ممكنة، بينما يؤجل ما هو
غير ضروري لوقت قادم.
4.
أن نشرك الطفل في اجتماعات الأسرة
المتعلقة بمناقشة الاحتياجات
المهمة لكل فرد، وكيفية المواءمة
بين القدرة المادية المتاحة
والمتطلبات، وبذلك يتعلم الطفل خبرة
مهمة فيما يتعلق بالإنفاق، وليدرك
أنه فرد في مجموع، وليس فردا منعزلا
عنهم، وأن للآخرين احتياجات مثله،
وهكذا شيئا فشيئا يتخلى الطفل عن
النزعة الأنانية لينضم إلى المصلحة
العامة في العائلة؛ وهو ما يكسبه
المزيد من النضج والإحساس
بالمشاركة، فتتطور شخصيته نحو
الأفضل.
المفاهيم
حاضرة
الأستاذة
نفين عبد الله الخبيرة في الشئون
التربوية للأطفال -والاستشارية التربوية لإسلام أون لاين- ترى أن استيعاب
الأطفال للتعامل الاقتصادي يبدأ بعد
سن 3 سنوات بالتدريج، خاصة أن منفذ
اللعب للطفل يعلمه هذه المعاني؛
فالقيام بأدوار معينة لها جانب
اقتصادي يجعل الطفل يستوعب معنى
البيع والشراء وغلاء ورخص الأشياء
أو توافرها أو عدم توافرها. ويجب ألا
يستوعب الطفل المفاهيم الاقتصادية
دفعة واحدة. فمثلا عند ذهاب الطفل
للسوق بصحبة والديه وهو ابن 3 سنوات
وإعطائه شيئا معينا ويطلب منه عدم
الخروج بهذا الشيء إلا بعد دفع
الثمن، ومن هنا يتعلم أن الأشياء لا
تؤخذ بدون مقابل، وفي المرحلة
التالية يفهم أن الثمن في استطاعته
أم لا، ففي حالة رغبته في شراء شيء
أغلى من مصروفه يفهم أن النقود مثلا
لها قيمة وأنها لا تشتري أي شيء
لمجرد أنها نقود فذلك يتحدد على
مقدار قيمتها. وفي المرحلة التي تلي
ذلك يستوعب معنى الادخار بأن يطلب
شراء شيء فيقال له إن هذا الشيء مثلا
أربعة أضعاف مصروفه اليومي، وذلك
يتطلب ادخار هذا المصروف لمدة 4 أيام
حتى يستطيع شراء ما يريد. ومن الخطأ
أن نخشى إخبار الطفل بأن الشيء الذي
اختاره أكبر من طاقة الأسرة؛ لأن ذلك
يعلمه مفاهيم مطلوب أن يستوعبها،
منها أن الأشياء ليست متساوية في
قيمتها، فمنها الغالي ومنها الرخيص.
وتسرد
الأستاذة نفين عبد الله تجربة لطفل
يعيش تجربة تجارية منذ صغره على
الرغم من بلوغه الآن 11 سنة، فقد
اعتاد الادخار من خلال مصروفه
اليومي بتقسيمه إلى 3 شرائح؛ الأولى
تصرف خلال اليوم، والثانية يتبرع
بها لعمل الخير، والثالثة يدخرها
لعمل مشروع. وتطور تفكيره بأن يشتري
بعض اللعب الخاصة بأصدقائه ويبيعها
لهم بالنادي ووجد أن أصدقاءه من
البنات فاشترى العروسة "باربي"
التي تحبها البنات.
وتعلق
على هذا المثال بأن هذا الطفل استوعب
مفاهيم اقتصادية مثل الادخار
واختيار مشروع لاستثمار مدخراته
واختار الجمهور الذي يتعامل معه
واختار السلعة المناسبة، دون
التفكير في مسميات هذه الأسماء.
فالمرحلية في تفهيم واستيعاب الطفل
للخلفيات الاقتصادية التي تعيشها
الأسرة أمر مطلوب من حيث تعليمه أن
هذه النقود التي يحصل عليها من والده
رزق تم اكتسابه من خلال عمل، وفي
حالة عمل والدته أو والده لفترات
إضافية فإن ذلك يعني الحصول على نقود
أكثر وأن ذلك انعكس على الأسرة من
خلال ما يراه من توسعة على أمور
البيت. ومن هنا يتعلم الطفل ماهية
النقود ومن أين تأتي وماذا نفعل بها.
والمطلوب تعويد الطفل كيفية التصرف
فيما لديه من نقود تتمثل في المصروف
اليومي أو مدخراته، سواء بالصرف أو
التبرع أو تكبير مشروع له منذ الصغر.
اقرأ
أيضًا:
**
خبير
اقتصادي
|