بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

شريك الحياة            حوار يهمك           مساحة للبوح            الدليل الاجتماعي        صوت وصورة

أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط


ذكريات يوم الختان

2004/08/26

عبير صلاح الدين

الختان عادة إفريقية لا علاقة لها بالأديان

رغم مرور أكثر من تسعة عشر عاما على ذلك اليوم، فلم أستطع -حتى الآن- أن أغفر لأمي ضعفها عندما قررت أن تسلمني لعمتي لتذهب بي إلى قريتنا دون أن أعرف سبب اصطحابي إلى هناك وحدي، دون أمي ودون أبي لأول مرة، كان عمري وقتها سبع سنوات، اعتقدت أني ذاهبة لقضاء وقت ممتع وسط الحقول مع أبناء الأعمام، لكن نظرات الجميع وتعليقاتهم استقبلتني لتجعلني أستنتج أن شيئا ما سوف يحدث لي!!

هكذا بدأت صديقتي حديثها معي عندما ذهبنا معا لنرتب أثاث بيت الزوجية قبل أيام قليلة من حفل زفافها، سألتها: ما الذي جعلك تتذكرين هذا اليوم الآن؟!.. قالت: ليست المرة الأولى التي أتذكره فيها؛ فلم يمحَ من ذاكرتي طوال هذه السنين، كلما سمعت عن فتاة حدثت لها هذه الجريمة أو قرأت عن دراسة عن تأثير الختان على نفسية الفتيات أو عن تأثيرها على الحياة الزوجية، بعد ذلك، أتذكر تلك التفاصيل المؤلمة، أتذكر ألمي بعدما أفقت من تأثير المخدر الذي أعطاه لي ذلك الطبيب في الوحدة الصحية الضعيفة الإمكانيات في القرية، ولا أسامح أمي، أتذكر تلك الألفاظ والتعليقات التي قالها لي أولاد وبنات أعمامي بعد عودتي من الوحدة الصحية، (أصبحت جاهزة للزواج، مبروك، وجع يفوت ولا حد يموت، حظك سعيد إن أجريتها على يد طبيب مخدر، غيرك أجريت له على يد القابلة وبدون تخدير، وبحضور الجميع...)، كلمات وتعليقات كانت أكثر ألما من مشرط الطبيب الذي قطع جزءا من جسدي ليس من حقه استئصاله، لم أكن أستطيع الرد... كنت وحدي دون أمي.. أصرخ من داخلي ودموعي لا تخرج من عيني.. أحاول أن أبدو متماسكة لأواجه نظراتهم وتعليقاتهم بالصمت حتى يتوقفوا عن الكلام، أمي فقط هي التي كان يمكنها أن ترد عليهم لكني كنت وحدي.. دون أمي.

انتصار القسوة

لم أكن أعرف هل كانت عمتي سعيدة لأن الأمور سارت كما تريد وانتصرت على أمي التي كانت معترضة على ختاني، أم لأنها مثل كل النساء اللاتي قاسين هذا الألم ويردن لغيرهن أيضا أن يطأنه، وهل كان عمي الذي جاء يبارك لعمتي.. سعيد لأن عمتي استطاعت أن تحافظ على عاداتهم وتقاليدهم، أم أن سعادته مصدرها رجولة العائلة التي لا تطمئن إلا بالقضاء على حق الإناث في الشعور بأنوثتهن!!

وتكمل: لا أخفي عليك خوفي من أن أفشل في إقامة علاقة زوجية مع زوجي لهذا السبب، سمعت الكثير عن معاناة الزوجات بسبب هذه الجريمة التي لا تمارس إلا في عدة بلاد قليلة مثل مصر والسودان، في حين أن هذه العادة لا تمارس في الدول الإسلامية الكبرى مثل السعودية وإيران ودول الخليج ودول الشام، بعض الأزواج يتهمون زوجاتهم (بالبرود) إن أخفقوا في الوصول إلى ما يتصورونه من متعة وتجاوب عند اللقاء، آلاف بل ملايين النساء يعانين في صمت، قرأت دراسات أخرى تؤكد أن الختان لا يمنع الاستمتاع بالعلاقة الزوجية، لكنه يحتاج إلى زوج محترف في التعامل مع حالة زوجته، ودراسات أخرى تؤكد أن الأمر يختلف من سيدة لأخرى حسب مقدار الجزء "المنتهك" منها، وأبحاث أخرى تكشف أن بعض الأزواج الذين يعانون من مشاكل جنسية، يفضلون اتهام زوجاتهم بالبرود بدلا من الاعتراف بعجزهم أو ضعفهم، ألف احتمال واحتمال يدور برأسي دونما سبيل إلا الانتظار، لكن ما أنا متيقنة منه هو أنني لن أعرض ابنتي في يوم من الأيام لهذه الجريمة مهما كان ثمن هذا الأمر باهظا، لن أسلم ابنتي لمن يذبحها أبدا.

ختان جماعي

صديقتي لم تكن الوحيدة التي تتذكر هذا اليوم الذي تمر به 97% من الفتيات المصريات حسب تقرير المسح الديموجرافي عام 1997 الذي تصدره وزارة الصحة كل بضعة أعوام، ففي القرى الريفية وقرى صعيد مصر الأمر أكثر إيلاما.

في قرية "الحتاحتة" بمحافظة المنيا -إحدى محافظات صعيد مصر- قالت لي "جيهان ضاحي عبد الغني" التي تعمل ضمن "المشروع القومي لمناهضة ختان الإناث" من خلال "جمعية الشبان المسلمين بالمنيا"، عندما كنا نتحدث مع أهالي القرية عن احتياجاتهم، وعلاقة الأب بالأبناء وعلاقة البنت بأهلها ومشاكلهم ولم نتطرق إلى مسألة الختان إلا في سؤال واحد، فوجئنا خلال الزيارة التالية أنه بعد خروجنا من القرية جمع أهالي القرية بناتهم اللاتي في سن تسمح لهن بإجراء الختان وأجروا لهن عملية ختان جماعي خوفا من أن تكون زيارتنا مقدمة لمنعهم من إجراء هذه العملية، رغم أننا كنا بمصاحبة الرائدات الريفيات بالقرية.

وتضيف: الأمر ليس سهلا في الصعيد، الآن يسمح للبنت بالتعليم والحصول على حقها في الميراث، لكن هناك عادات صعبة التغيير لا فرق فيها بين المسلمين والمسيحيين، مثل الختان؛ لأنها موجودة من قبل نزول الأديان، الكثير من السيدات لم يكن مقتنعات بضرورة هذه العادة، لكن لا يستطعن مواجهة الزوج وأهله عندما يحين وقت إجراء العملية لبناتهن.

الندم لا يفيد

فاطمة محمد بهجت -13 سنة- في الصف الثالث الإعدادي قابلتها بقرية الصعايدة قبلي بالصعيد، بدت حزينة ومتعبة، قالت لي: عشت بالقاهرة طوال عمري، أمي وأبي أصولهم من هذه القرية، منذ شهور ماتت جدتي فجئت إلى هنا لنستقر في بيتها ليظل مفتوحا، وفوجئت بأن الجميع بدءوا يحرضون أمي على "طهارتي" -هكذا يسمون الختان- أبي كان مترددا وأيضا أمي، لكن أهل القرية أقنعوهما، كنت خائفة خاصة أن سني متقدمة وعندي روماتيزم في ذراعي، وحذرني الطبيب من وصوله للقلب، حتى الطبيب الذي ذهبنا إليه كان معارضا، وقال لأمي إنه لن يفعلها لابنته، لكنهم أصروا، فأعطاني الطبيب "بنجا نصفيا" كنت أرى كل شيء، وأشعر بكل شيء، خائفة وخجلة، أمي وخالتي تقفان مع الطبيب، كنت منهارة بعدها تعبت جدا، ظللت شهرا لا أستطيع أن أحنى ظهري؛ لأن الطبيب خيط لي مكان الجرح لخوفه من النزيف!!

وتكمل فاطمة وهي تبكي: عندما رأتني أمي بعد العملية وأنا أتألم ومنهارة كانت تبكي، شعرت بندمها، وشعرت أيضا أني ضعيفة كان يمكن أن أكون أقوى من ذلك، وأرفض، بقيت طويلا لا أعرف حتى الجلوس، عندما أسمع الآن كلمة الختان هذه أشعر بالخوف وكأني سأمر بنفس التجربة مرة أخرى، وأتذكر نفس المشاهد وأحزن ويرتعش جسدي، وأخجل من نفسي، وأكره كل الناس.

الختان.. مرتين

تحكي "مريم محمود" -22 سنة لم تتزوج بعد تعمل في مدرسة ابتدائية بالقرية- قائلة: لا أنسى ذلك اليوم كنت في السابعة من عمري، جاءت القابلة، عصبت عيني حتى لا أرى شيئا، وأمسكت أمي وخالتي بقدمي، شعرت بكل شيء، كنت أصرخ من شدة الألم، عندما أتذكر ذلك اليوم الآن أشعر بالحزن والخجل، يقولون إن هذه العادة تمنع البنت من المشي في طريق الخطأ، الشباب والشابات أكثرهم مقتنعون أن هذا كلام لم يَعُد صحيحا، الأصل في التربية لكن المشكلة في الناس الكبيرة في السن، الجدات والأجداد الذين يصرون على الحفاظ على هذه العادة، والمدهش في بعض القرى أنهم يجرون للفتاة الختان مرتين، بعد شهرين من العملية الأولى يكشفون عليها مرة أخرى، وإذا وجدوا شيئا متبقيا يجرون العملية مرة ثانية حتى يقضوا على كل شيء، لكن مع هذا هناك من بدأ بالفعل يقتنع بمضار هذه العادة خاصة عندما يجدون عالما في الدين يؤكد أنها ليست لها علاقة بالشرع، ومنهم أخي نفسه الذي قرر ألا يجري الختان لابنتيه، وبعض النساء اللاتي عانين من الختان بدأن يواجهن الأهل ويقلن لن نختن بناتنا، لكن هذه الأعداد ما زالت محدودة.

آخر الضحايا

آخر ضحايا الختان وليست أخيرتهن "إيمان" كان عمرها منذ ستة شهر -15 عاما- من سكان مدينة "الباجور" بمحافظة المنوفية -إحدى محافظات دلتا مصر-، ماتت أثناء إجراء "العملية" على يد الطبيب، ولم تَعُد سوى رقما في نيابة الباجور رقم 270044 جنايات الباجور 3 سبتمبر 2003 بعد أن أبلغ خالها عن الطبيب، قبلها بشهور في مدينة "أرمنت" بمحافظة قنا -إحدى محافظات صعيد مصر- اتفقت الجارتان على إجراء الختان لابنتيهما دعاء (عمرها كان عامين) ومريم (أربعة أعوام)، ماتت الاثنتان على يد الطبيب الذي أنهى جريمته بكتابه تصريح دفن للفتاتين حتى لا يعرف سره أحد، لكن إحدى الجارات استيقظ ضميرها وأبلغت عن الطبيب واستخرج الطب الشرعي جثتي الفتاتين ليؤكد أن سبب الوفاة صدمات عصبية أدت إلى توقف القلب، أما الطبيب فلم يجاز إلا بغرامة قدرها 200 جنيه مصري (ما يقرب من 35 دولارا) لمخالفته قرار وزير الصحة!.

هذه هي الحالات التي يبلغ عنها.. نادرة لأن الناس عادة ما تعتبر الموت من هذه الجريمة قضاء وقدرا، بل تحمي الطبيب الذي يجري العملية حتى لا يتعرض للأذى، وفي الحالات التي يتم الإبلاغ عنها لا يجازى الطبيب بالعقاب الذي يستحقه، فأحيانا يعاقب بالحبس لمدة عامين، وأخرى يكتفى بالغرامة، وثالثة تحفظ فيها القضية لعدم الأهمية!!

التكييف القانوني

ولأن قضية ختان الإناث من المسائل التي اختلف حولها الفقهاء بين مؤيد ومعارض، أكد المستشار "خليل مصطفى" رئيس محكمة المعادي بالقاهرة وصاحب أول رسالة ماجستير تتناول "ختان الإناث بين الشريعة والتشريع" أن من يطبق القانون يطبقه من وجهة نظر البيئة التي يعيش فيها وحسب معتقداته وتفكيره، خاصة أنه لا يوجد في القانون الحالي نص صريح مباشر يجرم جريمة الختان مثلما هو الحال في النص الموجود لتجريم الإجهاض، لكن يمكن تطبيق نص جريمة "الجرح" سواء شُفي الجرح أو تخلفت عنه عاهة أو أفضى إلى وفاة، ويكون العقاب هنا هو الحبس أو الحبس مع الغرامة، وإذا أدت إلى وفاة تكون العقوبة هي السجن المشدد.

ويضيف: ويمكن أيضا تطبيق عقوبة جريمة هتك العرض (كل من هتك عرض صبي أو صبية لم يتجاوز سنه 18 عاما بغيره قوة برضا أو غير رضا يعاقب بالحبس، والمقصود بهتك العرض ملامسة عورة الشخص)، لكن المشكلة في وكلاء النيابة المكلفين بإصباغ التكييف القانوني للجريمة ووصفها إما بهتك عرض أو جرح أو مجرد مخالفة لقرار وزير الصحة الصادر عام 1996 بعد إجراء هذه العملية؛ بسبب عدم وجود نص عقابي مباشر، ولهذا فلم يجازَ الشخص الذي أجرى الختان للفتاة في قضية قناة الـ CNN الشهيرة  لأنه تم وصف الجريمة بجريمة هتك عرض وحفظت القضية لعدم الأهمية؟!!

ويستطرد: أما قرار وزير الصحة الصادر عام 1996، وهو بالمناسبة لم يكن أول قرار يمنع إجراء الختان فقد صدر الأول عام 1959)، فقد فتح الباب أمام الأطباء لإجراء هذه العادة خاصة أطباء النساء والتوليد بدلا من إغلاقه، حيث حظر القرار إجراء الختان على الأطباء، لكنه استثنى الحالات التي يقرها رئيس قسم النساء والتوليد، فأخذ الكثير من الأطباء يسعون لتقلد هذا المنصب في كل مستشفى حتى يخول لنفسه إجراء هذه العملية بشكل رسمي، فلا يكون فعله مجرما، حتى إن أطباء الأطفال أخذوا يطالبون بحقهم في إجراء هذه العملية، حيث تتراوح أجرة الطبيب في هذه العملية بين 30 جنيها (5 دولارات أمريكية تقريبا) في القرى الفقيرة و500 جنيه (50 دولارا أمريكيا تقريبا) في المدن، بالإضافة إلى أجرة التمريض وطبيب التخدير.

ويضيف المستشار "خليل مصطفى": في حين أن الأطباء يوضحون أن نسبة من تحتاج لإجراء هذه العملية لا تتعدى النصف في المليون، أي نسبة ضئيلة جدا، بل إن الطب لا يقرر احتياج هذه الأنثى لإجراء عملية تجميل قبل أن تتم البنت 18 عاما، لكن أغلب عمليات الختان تجرى للفتيات بين السابعة والعاشرة من العمر، مما يجعل الحاجة ماسة لتشريح خاص لجريمة الختان أسوة بجريمة الإجهاض، ففي كينيا عندما أصدروا تشريعا يجرم الختان عام 2000 كان عدد من تجرى لهن عملية الختان في أحد الشهور 1600 فتاة، وفي العام التالي في نفس الشهر كان عدد الحالات لم يتجاوز 155 حالة فقط، فالقانون يردع بالفعل جزءا كبيرا ممن يرتكبون هذه الجريمة.

شاركونا في ساحة الحوار:

اقرأ أيضًا:


أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع