بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

صوت النساء

أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط


سحر نجم.. تتحدى الحياة والموت!

2004/04/26

آمنة إسماعيل / نابلس**

مستشفى نابلس التخصصي للجراحة العامة وأمراض القلب.. هكذا رسمت تلك الكلمات باللون الأزرق الداكن على الحائط الأمامي للمبنى الذي كان عنوان بطلة حكاية الكفاح التي حاولنا جمع شتاتها، بدأنا في ردهة الاستقبال حيث تم إبلاغنا أنها تعمل في الطابق الثاني، ورويدا رويدا اقتربنا من المكان، وهنا كانت الأصوات تمتزج ببعضها، بين صرخات أم أعياها ألم الولادة وبكاء أطفال خدج، وفرحة الأهل وضحكاتهم بالمولود الجديد، أما هي فقد كانت تنتقل بين الأروقة بخطى رصينة ثابتة تحاول بكل جهدها اجتياز حواجز الحياة وعراقيلها، تلقي التحية على هذه وتلك ببسمة رقيقة تخفي ألما ودمعة مريرة، وبثوب سماوي اللون يعكس صفاء ونقاء الجسد الذي يرتديه.

طرقنا باب الماضي لسحر نجم -36 عاما- من حي الجبل الشمالي في مدينة نابلس، والعاملة في فرع النظافة في قسم الولادة بمستشفى نابلس التخصصي. بتنهيدة عميقة تخرج من أعماق إنسانة مجروحة تفتتح نجم ذكرياتها:" قبل 16 عاما تزوجت من شاب كان عاملا في مهنة الدهان، حيث عشنا في البداية حياة زوجية سعيدة، وقد رزقنا الله بخمس بنات وصبي -رحمه الله- لكن مع مرور الأيام تغير زوجي كثيرا عن السابق حيث أصبح متكاسلا عن العمل ويقضي معظم أيامه نائما في المنزل، ونتيجة ذلك لم يعد قادرا على توفير متطلبات البيت والأولاد، وتحولت حياتنا بسبب ذلك إلى جحيم لا يطاق ومشاكل جمة".

لم يكتف زوج سحر بعدم توفير متطلبات بيته، بل تعداها إلى الضرب الوحشي لزوجته ومعاملتها بشكل سيئ للغاية واستخدام الألفاظ البذيئة معها، وأصبحت سحر بين فكي كماشة، فهي من جهة غير قادرة على تحمل زوجها، ومن جهة أخرى تخشى طلب الطلاق الذي يرفضه أهلها رفضا قاطعا، ولهذا لم تجد في البداية أمامها من سبيل سوى الصبر وحبس دموعها ومداواة جراحها بنفسها.

للصبر حدود

تكمل نجم حكاية ألمها: "لكن بعد مدة لم أعد أستطيع التحمل ولو ليوم واحد، فقد زادت وجبات الضرب التي كنت أتناولها يوميا منه وعلى مرأى من أطفالنا؛ ولذلك اتخذت القرار بطلب الطلاق أمام معارضة الأهل الشديدة، وتوجهت إلى محكمة نابلس الشرعية التي ارتأت بعد الاطلاع على الوضع الذي أعاني منه أن الطلاق هو أفضل شيء بالنسبة للجميع، وقد وافق زوجي على ذلك مقابل أن أتنازل له عن المؤخر".

تتابع نجم قائلة: "لم يكن أمامي سوى الموافقة حيث كان أهم شيء بالنسبة لي هو الحصول على حضانة الأطفال الذين حددت المحكمة نفقة لهم، لكن حتى هذه النفقة لم يقم بدفعها".

وبذلك انتهت عشر سنوات من حياة سحر نجم الزوجية في ثوان قليلة، كانت ثمرتها خمس بنات وصبي.

في مهب الريح

في تلك الفترة وجدت سحر نجم نفسها تقف وحيدة في هذه الحياة القاسية بدون زوج يحميها أو أهل يخففون من ألمها ويساعدونها في مواجهة عواصف الدنيا وتقلباتها.

تسترد سحر أجزاء مما دونته في ذاكرتها: "آه.. لا تعرفون كيف مرت تلك الأيام العصيبة علي أنا وأطفالي، فقد كان الأهل ضد الطلاق ولهذا باتت معاملتهم سيئة للغاية فضلا عن نظرات المجتمع، والناس الذين لا يرحمون المرأة المطلقة ويلاحقونها بعيونهم وألسنتهم، لكن كان يتوجب علي وسط كل هذه التحديات أن أنهض من تحت الركام من أجل أطفالي الذين أصبحوا بدون عائل يستطيع أن يوفر لهم لقمة من الخبز أو كأسا من الحليب".

تستطرد في حديثها فتقول: "ولهذا وبعد مرور أشهر قليلة على الطلاق توجهت إلى لجنة زكاة نابلس التي قامت بمساعدتي وتقديم مبلغ من المال شهريا، لكنه لم يكن كافيا لفتح بيت وتوفير متطلباته، وبدأت التفكير بمسألة البحث عن عمل على الرغم من أنني لا أمتلك إلا شهادة الثانوية العامة، وأيضا كانت شخصيتي وقدراتي محدودة؛ فالحياة كانت بالنسبة لي هي بيتي فقط".

بدأت سحر نجم البحث عن لقمة العيش لأطفالها، وقد حصلت على عمل في مشغل لحياكة الملابس، عملت فيه لمدة أربعة أشهر فقط؛ حيث إن صاحب العمل قام بفصلها بسبب غيابها المستمر عن العمل نتيجة عنايتها بأطفالها الذين ليس لهم أحد سواها.

واصلت بنبرة ملؤها الأسف: "اشتدت قسوة حياتنا المعيشية لدرجة لم أعد معها قادرة على البقاء جالسة في المنزل بينما أطفالي يتضورون جوعا، وشرعت بالبحث عن عمل آخر يناسب وضعي، وتمكنت من العمل مؤقتا في حضانة للأطفال، حيث سمحت لي صاحبة الحضانة باصطحاب أطفالي الصغار حتى أتمكن من رعايتهم".

"سحقا لهذه الحياة"

كبر أطفال سحر نجم حيث أصبحت أعمارهم تتراوح ما بين 7- 13 عاما، وكبرت معهم مطالبهم واحتياجاتهم المدرسية واليومية، ولم يكن أحد يقف إلى جانبها ليتحمل جزءا من المسئوليات الجمة التي تقع على كاهلها والتي لم تترك لها متسعا قليلا من الوقت للراحة، ومرة أخرى عادت سحر للبحث عن العمل.

تكمل حديثها بصعوبة قائلة: "سحقا لهذه الحياة المأساوية والقاسية، فلم أتوقع يوما أن تقسو علي الأيام وأصبح عاملة تنظيف في مستشفى، لكن الإنسان تحت ضغط الحاجة يضطر إلى قبول أي عمل يستطيع من خلاله أن يبقى على قيد الحياة؛ فمنذ أربع سنوات وأنا أعمل في قسم الولادة في مستشفى نابلس التخصصي، وجميع العاملين هنا يتعاملون معي باحترام ومحبة، وأيضا أطفالي متفهمون لطبيعة عملي وبناتي يساعدنني في أعمال البيت كثيرا".

الفاجعة الكبرى

سبع سنوات مضت على انفصال سحر عن زوجها، ربما كانت هذه السنوات كافية ولو قليلا لكي تلتئم جراحها، وتحاول نسيان الماضي والنظر عبر نافدة صغيرة جدا نحو المستقبل، لكن الحياة غدرت بها مرة أخرى وكانت هذه المرة أكثر صدمة عليها، وأشد وقعا على نفسها.

لقد بكت سحر نجم بكاء شديدا، وتسمر كل في مكانه بانتظار أن تقول شيئا... حاولت أن تستجمع قواها... جففت دموعها، وقالت: "جميع الصعوبات والمآسي التي واجهتها في حياتي كانت شيئا وفقداني لطفلي الوحيد بين أخواته الخمس شيء آخر، لقد كانت أشد صفعة تلقيتها من هذه الحياة وأكثرها ألما، فقد استشهد العام الماضي وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره بينما كان يلعب مع أقرانه في باحة المنزل، إثر انفجار عبوة من مخلفات جيش الاحتلال الإسرائيلي".

تتابع حديثها وقلبها يعتصر ألما وحزنا: "تلك العبوة التي فجرت جسده الصغير فجرت معه قلبي حزنا وألما، هذا القلب الذي يتحمل كل شيء من أجل بناتي الخمس؛ فبسمة رقيقة من شفاه إحداهن تجعلني أنسى هموم العمل وتعبه؛ فالشيء الوحيد الذي أتمناه من هذه الحياة أن أتمكن من إكمال تعليمهن؛ فهن الشموع اللاتي تضيء درب حياتي المظلم".

قيل إن النساء كالشعوب إذا أردن الحياة فلا بد للقدر أن يستجيب، وسحر نجم تلك المرأة الفلسطينية التي وقعت تحت احتلالين تعلمت أن تتحدى الحياة وأن تنضج في غياب الشمس تحت الجليد، وأن تبتسم والدموع تملأ عينيها.

شارك في ساحة الحوار:

اقرأ أيضا:


**صحفية بمكتب النجاح للصحافة بنابلس


أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع