|
لا
جديد في ظاهرة الهجوم على الإسلام في
الغرب، ولكن الجديد هو تقنين هذا
التشويه من خلال المناهج الدراسية.
النموذج هو كتب التاريخ في المدارس
الفرنسية التي تدرس أحداث وتعاليم
الإسلام وتنتقي آيات من القرآن
الكريم منزوعة من السياق، مثل "لاَ
تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَارَى"، وفي نفس السياق تذكر
هذه الكتب كلمات من آية قرآنية تقول:
"فَانكِحُوا مَا طَابَ" دون
إكمال الآية... هكذا وبشكل مطلق، وفي
هذه الكتب أيضا أشياء من نوع أن "الحجر
الأسود" بالكعبة هو يد الله اليمنى!
تشويه
الإسلام في المناهج الفرنسية هو ما
دفع الدكتور "مصطفى الحلوجي"
الأستاذ بكلية اللغات والترجمة
بجامعة الأزهر –بمصر- للقيام بجهود
حقيقية على أرض الواقع لتغيير هذه
المناهج وتصحيحها، حيث بدأت هذه
الجهود منذ 5 سنوات قطع خلالها "الحلوجي"
مشوارا لم يتم بسبب الإهمال وعدم
الاكتراث، بمسألة الدفاع عن الإسلام
في الثقافة الغربية!.
قطرة
في محيط
تشويه
الإسلام في المناهج الدراسية
الفرنسية، هو قطرة في محيط، لها
دلالتها، ولا يمكن فصلها عن
المحاولات الأمريكية لتغيير المناهج
الدينية في الدول الإسلامية، ولا
يمكن فهم ذلك بمعزل عن اتهام الغرب
للإسلام بالإرهاب؛ لذا فقد وجدنا من
الضروري فتح الحوار مع الدكتور
الحلوجي، وبدأنا بسؤاله عن الأسباب
والدوافع التي حدت به للاهتمام بهذا
الموضوع، فيقول:
إن
الصدفة وحدها وضعت في طريقي هذا
المشروع، فأثناء وجودي بإحدى
المكتبات الفرنسية منذ 5 سنوات عثرت
على كتاب للصف الخامس بالمدارس
الفرنسية، وبعد مطالعة سريعة له
اكتشفت أخطاء فادحة في الفصل المتعلق
بالإسلام؛ وهو ما دعاني لمواصلة
البحث فوجدت كتاباً آخر، واكتشفت
أخطاء كبيرة تتمثل في تحريف بعض
الآيات القرآنية أو ذكر آيات متعلقة
بسياق محدد مثل {قَاتِلُوا الَّذِينَ
لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ
بِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلاَ
يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ
وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ
الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا
الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ
صَاغِرُونَ} (التوبة: 29).
وهذه
الآية تشير إلى قتال مشركي مكة الذين
طردوا المسلمين وقاتلوهم وأرادوا
إبادتهم، كما تشير أيضا إلى أهل
الكتاب من يهود المدينة الذين نقضوا
عهدهم مع الرسول وانقلبوا ضد
المسلمين في غزوة الأحزاب.
لكن
هذه الآية نزعوها من سياقها وقاموا
بتقديم الجهاد في الإسلام على أنه حرب
مقدسة لنشر الإسلام والدفاع عنه،
علما بأن الحرب المقدسة لم يعرفها
المسلمون إلا بعد استخدام الصليبيين
لهذا المصطلح.
ويؤكد
"الحلوجي" أن الأمر نفسه ينطبق
على موضوع الزواج، حيث تم تقديم
الزواج في الإسلام على أنه نكاح
زوجتين أو ثلاث أو أربع، فقد بدأت
الكتب المدرسية ذكر الآية القرآنية
من منتصفها "فَانكِحُوا مَا طَابَ"
دون تقديم الآية من بدايتها {وَإِنْ
خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي
الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ
لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى
وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ
خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا
فَوَاحِدَةً} (النساء: 3).
ويضيف:
كذلك وجدت أن الكتب تشير إلى أن
الخليفة في الإسلام يمثل السلطتين
الدينية والدنيوية، علما بأنه لا
توجد سلطة دينية في الإسلام وقد انتخب
المسلمون الخلفاء الأربعة طبقا لمبدأ
الشورى.
وفي
مسألة الوحي ذكروا قصة نزول الوحي من
خلال بعض الأساطير التي يطلق عليها
بعض العلماء "الإسرائيليات"
التي قد تتنافى مع المنطق الغربي
العقلي. فيرى التلميذ صورا لجبريل وهو
يأخذ الرسول بين أجنحته لحظة نزول
الآيات الأولى للقرآن.
وما
قيل عن الجهاد والزواج والخلافة
والوحي ينطبق على بعض المفاهيم
الإسلامية الأخرى في الكتب المدرسية
الفرنسية مثل الحجاب والتطرف ونصيب
المرأة في الميراث، ويكفي أن تقرأ في
كتاب التاريخ للفصل الخامس أن "الحجر
الأسود" في الكعبة هو يد الله
اليمنى عند المسلمين"!!
رحلة
التصحيح
وعن
الطريقة التي اتبعها في بحثه ودراسته
يقول: في البداية جمعت 13 كتابا مدرسيا
وقمت بدراستها ثم خاطبت المسئولين من
وزارة التعليم الفرنسية، وبعد فترة
من المماطلة اجتمعت معهم وناقشتهم،
ووجدت أنه من الضروري عقد ندوة مع
المسئولين في وزارة التعليم الفرنسية
ودور النشر والمؤلفين.
وفعلا
توجهت للسفارة المصرية بباريس لتبني
عقد ندوة واتصلت بجمعية مدرسي
التاريخ الفرنسية، وطلبت تعاونهم في
تنظيم هذه الندوة، كما وجهت الدعوة
إلى أساتذة التاريخ الإسلامي في
جامعة السوربون.
وعقدت
الندوة في عام 2002 بالمركز الثقافي
المصري تحت عنوان "صورة الإسلام
المشوهة في كتب التاريخ الفرنسية"،
وقمت بعرض الدراسة واتفق جميع
الموجودين أن هناك أخطاء، وأنه يجب
تصحيحها.
وقالت
الوزارة إنها غير مسئولة عن الكتاب؛
لأنها تعطي المنهج وعلى المدرسة أن
تختار أحد الكتب الصادرة عن دور النشر
المدرسية وتلزم الطالب بشرائها، وكان
ردي أنه إذا كانت هناك أخطاء تشوه
الثقافة الإسلامية فهذا يتعارض مع
أهداف الوزارة، وبالتالي فالوزارة
مسئولة؛ فأجاب الوزير أن القانون
والدستور الفرنسي لا يسمحان بالتدخل
في شئون التأليف، وأن الوزارة يمكنها
تأهيل المدرسين، ومطالبة رجال
التعليم بمراجعة النصوص الدينية في
الكتب المدرسية.
ردود
فعل معقولة
|

|
|
مصطفى الحلوجي |
وعن
صدى هذه الندوة يؤكد الدكتور "مصطفى
الحلوجي" أنه بعد حوالي شهرين من
انعقادها، أصدر وزير التعليم الفرنسي
قرارا بإنشاء المعهد الأوربي للعلوم
الدينية تحت إشراف أساتذة التاريخ
الإسلامي والمسيحي واليهودي في جامعة
السوربون بهدف مراجعة النصوص الدينية
في الكتب المدرسية، وعقد دورات
تدريبية للمدرسين لإعطائهم جرعة
ثقافية خاصة بالتعريف بالأديان
المختلفة.
ويتابع:
الخلاصة التي خرجت بها من التجربة
الفرنسية أن هذا الموضوع يحتاج
لمتابعة دورية، فبعد أن قامت وزارة
التعليم الفرنسية بحذف بعض الأخطاء
أتت بأخطاء أخرى في المناهج، وذلك لأن
7 دور نشر استجابت بينما لم تستجب
البقية.. ولم أجد أمامي سوى التوجه إلى
منظمة اليونسكو في باريس وطلبت منهم
التعاون معي في عقد مؤتمر تحت عنوان
"مؤتمر تصحيح صورة الإسلام في
الكتب المدرسية في الدولة العربية"
يضم المسئولين في وزارات التعليم
بالدول الأوربية والأمريكية
والآسيوية والأفريقية لتقديم دراسات
على كتبهم الدراسية حول صورة الإسلام.
وقد
وافقت اليونسكو من حيث المبدأ واتصلت
بوزارتي التعليم العالي والخارجية
وطلبت منهم إحضار كتب التاريخ
المدرسية التي تدرس في مختلف دول
العالم، وبالفعل تم إحضار كتب من
حوالي 25 دولة تغطي معظم قارات العالم -منها
دول إسلامية في آسيا الوسطى- وتعاون
معي في مراجعة هذه الكتب أساتذة من
جامعات الأزهر وعين شمس والقاهرة.
وتمت
الدراسة باللغة الرسمية لكل دولة،
ونعمل الآن على تنظيم المؤتمر، ولكن
تواجهنا مشاكل الدعم المادي، خاصة أن
ميزانية اليونسكو لا تسمح بعقد
المؤتمر هذا العام، ولكن في الأعوام
القادمة؛ ونظرا لأن الدراسة أجريت
على الكتب الحالية، وأخشى أن تتغير
بعض الكتب في الطبعات القادمة؛ لهذا
فنحن نعمل على توفير الدعم المالي
اللازم بمخاطبة جامعة الدول العربية
ومنظمة الأيسيسكو وبعض الدول العربية.
ويضيف
الحلوجي: منذ أكتوبر 2003 لم يتوفر سوى 10
آلاف دولار وحفنة من الوعود ليتبقى 40
ألف دولار، وما زلت أنا وزملائي في
انتظار المساعدات لإتمام هذا المشروع
المهم؛ لأن الأطفال في العالم
يتعلمون في المدارس أن الإسلام هو
الإرهاب، وأنه سبب تخلف الدول
العربية والإسلامية، وهؤلاء
التلاميذ سيكونون في المستقبل
المسئولين عن اتخاذ القرار في
بلادهم، وبالتالي فنحن نسعى من الآن
لمسح الصورة السيئة في ذهنهم عن
الإسلام.
وعن
المشاكل الأخرى التي تواجهه يرى أن
هناك مشكلة الحصول على الكتب من بعض
الدول؛ فثمنها مرتفع، ولا توجد حتى
الآن منظمة أو جهة لديها ميزانية لهذا
الموضوع، والكتب التي تم الحصول
عليها كانت بمثابة مساعدة من وزارتي
التعليم العالي والخارجية المصرية،
وبالجهود الفردية من زملائنا استطعنا
إحضار كتب التاريخ من كينيا وفنزويلا
وسويسرا وكندا.
ويؤكد
الدكتور مصطفى الحلوجي على أنه ينتظر
فوائد كثيرة من جراء بحثه؛ فعلى الأقل
يكفي أننا سنناقش مباشرة المسئولين
عن التعليم في الدول الأجنبية
ونقنعهم بوجود أخطاء ونعطيهم صورا من
الدراسات بلغتهم المحلية، وبالتالي
لن يجد مسئولو التعليم صعوبة في معرفة
هذه الأخطاء، وهذا في حد ذاته خطوة من
أجل تصحيح هذه الصورة.
وللدكتور
الحلوجي رأي في معالجة السلبيات
المترتبة على أحداث 11 سبتمبر: الغريب
أننا بعد أحداث 11 سبتمبر قمنا بعقد
المؤتمرات والندوات في بلادنا
العربية والإسلامية لتوضيح صورة
الإسلام في الغرب، ولم يفكر أحد في
عقد تلك الندوات في أوربا وأمريكا؛
فهم المستهدفون من تلك الندوات ولسنا
نحن؛ فالغرب كما رأيته على استعداد
تام لسماع الحقيقة لكنه في حاجة لمن
يوضح له الصورة.
مطالب
أمريكية
ويؤكد
د. الحلوجي على أن مطالبة أمريكا
بتغير المناهج في الدول الإسلامية
بالقوة لن يحدث، وإذا كان لديهم في
الغرب ما يريدون تصحيحه وليس تعديله
كما نحاول نحن فلا مانع، ولكن ذلك لا
يتم إلا عن طريق التعاون بين الخبراء
الأمريكان وخبراء التعليم في الدول
الإسلامية.. وأنا على ثقة من أن الغرب
سيشيد بالتسامح الديني الموجود في
كتب التاريخ.
ويختم
الدكتور الحلوجي الأستاذ بكلية
اللغات والترجمة جامعة الأزهر حديثه
قائلا: يكفي أن أقول لك إنني وبعض
الزملاء أنفقنا كل ما لدينا من أجل
هذا الهدف النبيل، وسأظل وراءه حتى
يتم إن شاء الله.
اقرأ
أيضا:
|