|
تعتبر
الهجرة اليمنية من أقدم
الهجرات البشرية على وجه الأرض، حيث
اتخذت الشكل الجماعي بعد تهدم سد مأرب
في أعماق التاريخ، فيمّم اليمنيون
شمالاً وجنوبًا وأسسوا المجتمعات
وحضارات جديدة، ومع ظهور وانتشار
الإسلام كان للهجرات اليمنية إسهام
كبير في نشر عقيدة التوحيد شرقًا في
آسيا وغربًا في أفريقيا وأوربا على يد
الفاتحين والبحارة والتجار اليمنيين،
ومن أولئك الدعاة من استقر به المقام
حيث وصل، فعرفت كينيا ونيجيريا
وتنزانيا والسودان ودول القرن الأفريقي
أسرًا ممتدة من المهاجرين اليمنيين،
كما شهدت دول آسيا كماليزيا وإندونيسيا
والهند وغيرها تدفقًا وإقامة لأعداد
كبيرة منهم اكتسبوا مهارة فائقة في
ارتياد البحر والتجارة، ومن أحفادهم من
يشغل حاليًا مناصب سياسية مرموقة
بأسمائهم الحضرمية.
أما
العقود الماضية فقد شهدت اتجاه
الهجرات اليمنية إلى دول أوربا
والولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن
تدفق مئات الآلاف من المهاجرين
اليمنيين على بلاد النفط العربية وفي
مقدمتها المملكة العربية السعودية.
وإذا
كان هناك مئات الآلاف
من المغتربين اليمنيين في المهجر فإن
ملايين النساء والأطفال والشيوخ ممن
يمثلون أسر هؤلاء المغتربين هم موضع
تأثر بحالة الغربة الطويلة، وعن أثر
هجرة رب الأسرة على الأسرة وأفرداها،
سواء يرافقونه في مهجره أو ينتظرونه في
اليمن سيكون استطلاعنا.
اعتدت
الغربة
يقول
أبو محمد -40 عامًا،
من المملكة العربية السعودية-: كل
ذكرياتي وأغلب سنوات عمري قضيتها في
السعودية، ولا أزور بلدي إلا كل سنتين
أو ثلاثة لحل مشكلة عائلية أو تزويج أحد
أبنائي؛ فالغربة تجر الإنسان وتستنفد
عمره سنة بعد أخرى دون أن يشعر، وبعد أن
بنيت لأسرتي بيتًا من عدة طوابق، ودفعت
تكاليف زواج أبنائي الكبار لم يبقَ لي
من آمال مادية إلا تجميع تكاليف زواج
ولديّ الأخيرين، وبعدها أعود لأعيش ما
بقي لي من عمر مع أسرتي مرتاح البال بعد
حرمان طويل، فلم أكن أستطيع اصطحابهم
معي إلى المملكة العربية السعودية؛ لأن
دخلي لا يكفي، وستكون غربتي غير مجدية.
أما
عبد الله العداني -25
عامًا في السعودية- فله رأي آخر حيث يقول:
ما عدت أفكر في العودة إلا إذا اضطررت؛
فأنا أعمل ومندمج ومتكيف مع المجتمع،
ومستقر بعد أن اصطحبت زوجتي وأولادي
الذين يتلقون تعليمهم في مدارس
المملكة، وعندما يصلون إلى المرحلة
الجامعية سأرسلهم للتعليم في اليمن، ثم
لهم الخيار.. أما أنا فلا أعود إلا
لزيارة أمي وأهلي لأيام ثم أرجع إلى
المملكة.
غربة
من نوع آخر
وإذا
كانت هذه هي حال من كانت هِجرته إلى أرض
على بعد ساعة وربع الساعة على متن
الطائرة فما حال أولئك الذين تفصلهم
قارات وبحار عن الوطن والأهل، حيث
الرسائل المتباعدة والتليفون ووسائل
التواصل المتاحة...
عاد
عبد الله أبو خالد
بعد ثماني سنوات متواصلة من إحدى دول
أوربا تنقل فيها في أعمال كثيرة عندما
سافر كان أصغر أولاده جنينًا، ولما عاد
كان أكبرهم رجلاً عاد إلى حيِّه البسيط
ومجتمعه المحافظ وأسرته الملتزمة، وما
زال يحاول الهجرة ولكن هذه المرة مع
أسرته.
ومن
المسلّم به أن رب
الأسرة يكابد آثار الغربة في سبيل توفير
العيش الكريم لأسرته إن عاش في المهجر
وحيدًا محرومًا من دفء الأسرة، بل قد
يصل الأمر إلى صعوبة تكيفه عندما يعود
وشعوره بغربة من نوع آخر، حيث إنه أصبح
مجرد ممول لمتطلبات الأسرة المادية، في
حين تستقيم سائر شئونها بدونه، ولكن
بالمقابل كشفت دراسة حديثة أن الزوجات
هن الأكثر تضررًا بسبب غياب الأزواج؛ إذ
يصيبهن بعدد من الأعراض المرضية
النفسية أو تلك الجسمية ذات المنشأ
النفسي، وأوضحت الدراسة أن غياب الزوج
لتحقيق آمال اقتصادية للأسرة يجعل
الزوجة تقع في صراع بين تعاطفها مع ما
يتحمله الزوج من مشـاق لأجل ذلك وتذمرها
لغياب الزوج، ويتخذ هذا الصراع أشكالاً
مرضية من بينها توجيه العدوان للذات أو
الأفراد، والمبالغة في الاهتمام
بأبنائها أو الشعور بالذنب، ولا شك أن
حالتها تلك تنعكس على معاملتها
لأبنائها.
ما
تفعله فينا الغربة
(م.أ)
-37 عامًا- أم لأربعة أبناء وزوجها مغترب
في إحدى الولايات الأمريكية منذ عشر
سنــوات، دفع كل مدخراته ثمنًا لهجرته
إلى أمريكا للعمل بائعًا في أحد المحلات
التجارية، كان هدفه تجميع ثمن بناء بيت،
لكن العام جر وراءه عامًا آخر وكبر
الحلم من بناء بيت إلى إقامة مشروع؛
ولأن الحصول على الجنسية الأمريكية
يحقق الحلم أسرع كان السبيل هو الزواج
من أمريكية تقول (م.أ): ها هم أبنائي
الأربعة يكبرون وكلما ارتقوا سنة أخرى
في التعليم والحياة أصبح العبء ثقيلاً،
وصار من الصعب عليّ متابعتهم والإشراف
عليهم، أحيانًا كثيرة أشعر أن الأمر قد
خرج من يدي.
في
بداية غربة زوجي كان
إخوتي وإخوته يزوروننا باستمرار
ويتابعون معي أولادي وينجزون لي بعض
المهام خارج البيت، لكنهم اعتادوا غياب
زوجي وانشغل كل في حياته، وما عدت أراهم
إلا في الأعياد، عندما كان زوجي يظللنا
برعايته ويحمينا كان بيتنا دافئًا، كان
ينقصنا المال، أما الآن فخذوا كل
التحويلات وردوا إليّ زوجي، ولبيتي
دفْأَه، ولأولادي أباهم الذي تأخر في
البلاد الباردة في كل شيء.
أما
أم عصام -مدرسة-:
فعندما تبدأ حديثها عن زوجها وحياتها
تعرف أن هذه المرأة تحمل بداخلها براكين
حزن لا تنفد، فما إن تلقَ أذنًا صاغية
حتى تبثها مُرّ شكواها، وكأنها تريد أن
تروي للعالم تجربتها مع الغربة، تقول:
16
عامًا كانت كل فترة زواجي: عرفته كريم
الخلق طيب العشرة عطوفًا يعرف الله..
فماذا تريد امرأة أكثر من ذلك؟ لكن فترة
زواجي التي عشتها مع زوجي لا تتعدى
السنوات الأربع متقطعة كان ثمرتها
أبنائي الثلاثة، فقد عاش أغلب الفترة
مغتربًا في الكويت، وعشت أنا أرعى أرضنا
وأُشرف على بناء بيتنا وتربية أولادنا
في انتظار يوم انتهاء غربته، عشنا
محرومين منه وهو الغائب الحاضر يزورنا
في كل عام أسابيع معدودة، ولما عاد
إلينا عاد مصابًا بمرض خبيث كان هو مرض
موته، ولما مات كنا جميعًا حوله وأعيش
على ذكراه العطرة، أدعو له بالرحمة ولي
بالصبر ولأولادي بالصلاح.
تحكي
أم خالد التي تقيم مع زوجها وأولادها في
الولايات المتحدة الأمريكية فتقول:
نعيش في شقة صغيرة جدًّا نتحرك فيها
بصعوبة، فالحياة هنا مكلفة، وحالنا حال
كثير من المغتربين اليمنيين الذين
يعيشون مع أســرهم، نتحاشى الاختلاط
والاندماج مع المجتمع الأمريكــي
حفاظًا على هويتنا، وعاداتنا
وتقاليدنا، وما إن يشب أحد أبنائنا حتى
نرسله إلى اليمن؛ ليتزوج بفتاة يمنية من
العائلة أو يتزوج هنا من إحدى الأسر
اليمنية، وكذلك الحال بالنسبة لبناتنا،
والزواج في إطار الأسرة اليمنية
المهاجرة هو زواج عائلي للحفاظ على كيان
الأسرة فنحن نخاف كثيرًا على أبنائنا.
حلقة
مفقودة
وإذا
كان الأزواج
والزوجات قد عانوا مرارة الغربة
والاغتراب بسبب الهجرة وهم كبار أو لنقل:
إن هناك مساحة من الاختيار.. فإن الأبناء
بالمقابل عاشوا هذا الوضع أمرًا واقعًا.
تقول "لميس" التي أنهت تعليمها
الجامعي: ذكريات طفولتي تخلو من الأب،
أذكر أمي، وأذكر وجود عمي وخالي في
حياتي، كان والدي يعود من السعودية كل
سنتين وخلال شهر زيارته لنا كنت أشعر
دومًا أن هناك غريبًا في بيتنا، وأضطر
لالتزام الهدوء التام والتعامل بحذر
لسبب بسيط أني لم أعرف أبي، وظل الوضع
كذلك إلى أن عاد أبي وأقام بيننا بسبب
حرب الخليج الثانية، لكني ما زلت إلى
الآن أشعر بشرخ في علاقتي به، وأن هناك
حلقة مفقودة بيني وبينه.
ومثل
لميس مئات الآلاف من
الأبناء ممن اضطرتهم هجرة والديهم
للعيش بعيدين عنهم، وصحيح أن أغلب
الهجرات تمر بسلام، إلا أن آثارها تطال
كل نواحي حياة الأسرة وإن كانت الآثار
تتفاوت من البسيط الذي يمكن تداركه إلى
الخطير والمدمر في أسوأ الظروف.
ماذا
تقول الدراسات؟
يعول
علماء الاجتماع والنفس على أن
للأسرة دورًا كبيرًا، فهي المؤسسة
الباقية من مؤسسات صناعة القدوة، وأن
الأب هو عنصر القدوة الرئيسي في الأسرة،
فالأب هو عمود الأسرة وأن دوره جوهري في
عملية التربية وفقدان هذا الدور يؤثر
سلبًا.
ويضيف
د. أحمد السيد محمد
إسماعيل في كتابه عن مشكلات الطفل
السلوكية:
إن
علاقات الحب القوية المبكرة مع الأب
لها تأثير كبير في التنشئة المثالية،
وإنه رغم التدخل البسيط من الأب في شئون
الطفل اليومية فإنه يلعب دورًا كبيرًا
في نمو وتطور الطفل، ومجرد شعور الطفل
بوجود الأب بجانبه له دور خطير في تشكيل
سلوك الابن واستقراره النفسي وتكيفه.
وقد
تناولت دراسات عديدة تأثير غياب الأب
على أطفاله وزوجته في تعاملها مع
الأطفال، وذلك على العديد من جوانب
الشخصية والسلوك التي منها التنميط
والتمايز الجنسي والتحصيل الدراسي
والاعتمادية والاستقلالية.
فقد
أشارت دراسة إلى أن
الأطفال غائبي الأب أظهروا درجة كبيرة
من عدم النضج وتكيفا ضعيفا عن الأطفال
حاضري الأب، في حين أشارت دراسة أخرى
إلى أن السلوك الأنثوي العدواني ظهر لدى
الأولاد الذكور كنتيجة لغياب الأب،
وتوصلت مجموعة من الدراسات إلى أن
الأبناء متغيبي الأب أكثر اعتمادية
وعدوانية وقلقًا وأقل تحصيلاً وتكيفًا،
وأن تأثير غياب الأب يتباين بتباين
العمر الزمني للأطفال والذي حدث عنده
الغياب، ويرتبط غياب الأب ارتباطا
جوهريًّا بتعديل سلوك الأم تجاه
الأطفال، حيث تقدم مودة وعاطفة أكثر
لأطفالها...
ويمكننا
القول إن الهجرة وإن
أدت إلى تحسن الأحوال المعيشية لأسرة
المغترب فإن هناك آثارًا اجتماعية
ونفسية على المغترب نفسه وعلى زوجته
وأولاده في حالة اغترابه بمفرده، في حين
تواجه الأسرة تحديًا آخر في المهجر،
خصوصًا في مجتمعات مختلفة في الحفاظ على
نسقها القيمي والعقائدي، وفي كل
الأحوال تظل الهجرة اليمنية أمرًا
واقعًا، ويظل المهاجر اليمني جزءاً من
النسيج الاجتماعي، ونصبح جميعًا
مطالبين ببذل كل الجهد للحد من آثار
هجرة رب الأسرة السلبية على أفراد
الأسرة، وهذا يضع الجميع أمام
مسئوليتهم في هذا الشأن بدءاً بمؤسسات
الدولة المعنية وعلى رأسها وزارة
المغتربين وانتهاء بأفراد الأسرة الذين
تمسهم القضية بشكل مباشر.
تابع
في نفس الملف:
اقرأ
أيضًا:
 |