|
تعد ظاهرة "قوارب
الموت" من أكثر القضايا التي تشغل
بال المجتمع المغربي؛ حيث أصبحت "الهجرة
السرية" إلى أوربا الحلم الذي
يتمناه الكثير من الشباب المغربي
للهرب من مشكلات البطالة والفقر؛ ففي
كل عام يحاول أكثر من 30 ألف شاب مغربي
إضافة إلى المهاجرين من أفريقيا جنوب
الصحراء العبور سرا عبر مضيق جبل طارق
من أجل الوصول إلى "الجنة الموعودة"..
غير أن هذا الحلم ينتهي بالنسبة
للآلاف من هؤلاء نهاية مأساوية.. ومع
ذلك لا تثني مشاهد الجثث الطافية على
السواحل الأسبانية والمغربية
مغامرين جددا من ركوب المجهول.
القناعة السائدة
لدى معظم الشباب الذي لا يجد آفاقا
مستقبلية تضمن عيشه الكريم هي أن
أوربا تشكل أفضل ملجأ لاختصار الطريق
إلى الغنى.. وتعزز هذه القناعة مشاهد
المهاجرين القادمين إلى بلادهم كل
صيف ومعهم سياراتهم الفارهة،
ومشاريعهم هنا وهناك.
رحلات
خطرة
بعد إتمام اتفاقية
فضاء
شنغن سنة 1990 وقع تقليص شديد لعدد
التأشيرات الممنوحة للراغبين في
الهجرة؛ وهو ما خلق شعورا لدى الشباب
المغاربي عموما بأن أوربا تريد
الإنزواء على نفسها؛ وهو ما ترتب عليه
انطلاق موجات الهجرة السرية التي تقف
وراءها مافيات تكسب أموالا طائلة
مقابل تأمين ترحيل المهاجرين بين
الشواطئ المغربية الشمالية ومنطقة
الجنوب الأسباني.
إلا أن العبور عبر
مضيق جبل طارق يظل محفوفا بالمخاطر؛
حيث يتم استعمال مراكب أو قوارب صغيرة
مزودة في أغلب الأحيان بمحرك تتراوح
قوته ما بين 40 و60 حصانا، وتغطي نقط
الانطلاق كل السواحل الشمالية
المغربية لتصل حتى مدينة القنيطرة
وأحيانا إلى مشارف العاصمة الرباط.
وينتهز المهربون
فرصة كل صيف؛ حيث تهدأ أمواج البحر
الأبيض المتوسط ليضاعفوا من
عملياتهم، غير أن المراقبة الشديدة
في منطقة جبل طارق تدفع المهربين إلى
المغامرة لمراوغة دوريات المراقبة؛
وهو ما يجعل المسافة بين السواحل
المغربية والأسبانية أطول، ويعرض
بالتالي حياة المهاجرين للخطر، علما
بأن أقصر مسافة تربط الساحل المغربي
بالجنوب الإسباني تبلغ 15 كيلومترا.
في السواحل
الشمالية المغربية والجنوبية
الأسبانية اعتادت الشرطة على جمع
الجثث التي يلقي بها البحر، سواء تلك
التي يعمد المهربون إلى الإلقاء بها
في البحر عند رؤية دوريات المراقبة،
أو تلك التي يخلفها انقلاب المراكب
نتيجة الأمواج والعواصف.. فمن الجانب
الأسباني تم إحصاء 72 جثة عام 2000، غير
أن عددا من الناجين أكدوا أن عدد
المتوفين وصل 271، وفي 26 سبتمبر 1998 مثلا
تسببت عاصفة قوية في مضيق جبل طارق في
مقتل 38 شخصا كانوا على متن قارب، وحسب
جمعية أصدقاء وعائلات ضحايا الهجرة
السرية فقد تم انتشال 3286 جثة على ضفاف
المضيق في المدة الممتدة ما بين 1997، و15
نوفمبر 2001. وفي سنة 2003 تقدر
الإحصائيات عدد الغرقى المغاربة في
السواحل الأسبانية بـ150 غريقا، هذا
دون الحديث عن أرقام عدد المعتقلين
لدى السلطات الأسبانية والذين كتب
لهم أن يصلوا أحياء إلى الضفة الأخرى.
طرق أخرى
للهجرة
المغاربة يبدعون
طرقا كثيرة للهجرة؛ فأبناء الفئات
الميسورة منهم يفضلون الطرق اليسيرة
عن طريق التسجيل في مدرسة أو جامعة
أوربية، أما خريجو الجامعات العمومية
فإنهم عادة ما يجدون مشاكل في الحصول
على التأشيرة لمتابعة الدراسة، وحسب
الإحصائيات فإنه في عام 2001 تقدم 14000 من
حاملي شهادة الإجازة بطلبات إلى
السفارة الفرنسية في الرباط بهدف
متابعة الدراسة في فرنسا.
أما هجرة الأطر
العليا فقد ازدهرت في الآونة الأخيرة
إلى كندا على الخصوص؛ حيث تقرر العديد
من الأسر بيع ممتلكاتها والرحيل إلى
تلك البلاد البعيدة التي تمنح
لمهاجريها القانونيين الذين قضوا 3
سنوات على أرضها حق الحصول على
الجنسية. وقد أكد التقرير العربي
للهجرة لسنة 2003 أن ما بين 50 و70% من
خريجي المعاهد العليا المغربية
يهاجرون إلى الخارج سنويا.
وبالنسبة لعامة
الناس فإن الأمور تظل أكثر تعقيدا؛
لذلك يفضلون ركوب الهجرة السرية، في
حين يختار آخرون حلولا أخرى فردية مثل
الزواج بأجنبية أو البحث عن عقود
العمل بإيطاليا وأسبانيا، أو قد يتم
اللجوء إلى تزوير الوثائق مقابل
مبالغ خيالية، وتنشط عمليات التزوير
في مناطق معروفة مثل مدن "بني ملال"
و"وادي زم" و"خريبكة"، لكن
تبقى القوارب هي الوسيلة الأكثر
استعمالا لعدد كبير من المهاجرين
الذين ينحدر معظمهم من ثلاث مناطق
مغربية تعرف وضعية صعبة، وهي: محور
الناظور/ وجدة في جهة الريف، ثم محور
الدار البيضاء/ بني ملال، ثم محور
الدار البيضاء/ مراكش، وينحدر أغلب
المهاجرين من مناطق قروية حيث لم يسبق
لمعظمهم أن تعاملوا مع البحر أو خبروا
مخاطره.
عملية الترشيح
للهجرة السرية تتم من طرف عملاء
محليين في عدد من مناطق المغرب مقابل
مبالغ تصل إلى 10 آلاف درهم (ألف دولار)؛
حيث يتم نقل المرشحين إلى الساحل في
انتظار ليلة حالكة وبحر هادئ، وبعد
ذلك يأتي دور البحار قائد القارب الذي
يكون في أغلب الأحيان مجرد وسيط لا
يمتلك المركب ويتقاضى ما بين 2000 و3000
درهم (الدولار يساوي 10 دراهم تقريبا)
عن كل فرد، في حين توفر هذه "التجارة"
لمافيات الهجرة مبالغ تقدر بأكثر من
100 مليون دولار سنويا.
وإذا قدر لهؤلاء
المهاجرين الوصول بأمان إلى سواحل
أسبانيا فإنهم يبحثون عن العمل في
الحقول الفلاحية في ظروف مزرية ودون
أي ضمانات قانونية في انتظار تسوية
وضعيتهم. وقد يلجأ بعضهم إلى دول
أوربية أخرى بحثا عن تسوية وضعيته
القانونية.
حلم
الهجرة يبدأ منذ الطفولة
في إحصاء أنجزته
جمعية أصدقاء وعائلات ضحايا الهجرة
السرية التي تكرس جهودها لمحاربة
تهريب البشر في أسبانيا تبين أن مشروع
الهجرة يتكون منذ الطفولة ليتحول إلى
هاجس في مرحلة البلوغ؛ إذ أجاب 71% من
الشباب الذين لا يملكون دخلا مستقرا
أن حياتهم وضيعة، وأنه لن يقع تحسن في
أوضاعهم في ظل الظروف التي يعيشونها.
إن تزايد الغموض
الذي يكتنف مستقبل الشباب يفسر
الرغبة في الهجرة؛ فمعظم الشباب
يرغبون في زيارة أوربا، ويعتقدون أن
مصيرهم فيها سيكون أفضل، والغريب أن
62% من الذين استجوبتهم الجمعية عبروا
عن استعدادهم للمخاطرة بالذهاب بدون
تأشيرة إلى أوربا كمهاجرين سريين.
من جهته يقوم
الاتحاد الأوربي بتقديم مساعدات
مالية لأسبانيا لمواجهة هذا السيل من
المهاجرين وحماية حدود "شنغن"،
وعند إلقاء السلطات الأسبانية القبض
على مهاجرين سريين مغاربة تعمد
مباشرة إلى تسليمهم إلى المغرب
وتطالبه بدفع تعويضات؛ وهو ما يقلق
المغرب الذي عبر أكثر من مرة عن صدق
نيته في حماية حدوده ويشتكي من قلة
المساعدات الأوربية.
وحسب الإحصائيات
الأسبانية فإن 70% من المهاجرين
السريين الذين تم القبض عليهم عاطلون
عن العمل؛ وهو ما يدل على أن الهجرة
أصبحت وسيلة الشباب المغربي للبحث عن
الأمل في مستقبل زاهر، وتؤرق هذه
الظاهرة السلطات المغربية كثيرا؛ حيث
أظهرت الصور التي بثتها الصحف
المغربية والأسبانية استياء كبيرا في
وسط الرأي العام.
أمام هذا الوضع
تدخل ملك المغرب شخصيا لإعادة النظر
في إستراتيجية محاربة الهجرة السرية،
وذلك حين استقبل مسئولين أمنيين
كبارا، وأعلن عن إنشاء هيئتين على
مستوى عال تابعتين لوزارة الداخلية،
تناط بهما مهمة المحاربة الصارمة
لشبكات تهريب الأشخاص، كما يتعلق
الأمر بإنشاء مديرية للهجرة ومراقبة
الحدود، ومرصد للهجرة، وتكمن مهمة
المديرية المستحدثة في تطبيق
إستراتيجية محكمة في مجال مكافحة
شبكات تهريب الأشخاص ومراقبة الحدود..
أما مرصد الهجرة
فتكمن مهمته في جمع المعلومات
المرتبطة بالهجرة، وتحسين قاعدة
للمعطيات الإحصائية على الصعيد
الوطني، واقتراح الإجراءات لمكافحة
الهجرة، لكن إذا كان موضوع الهجرة
السرية أكثر تعقيدا، ويتطلب مقاربة
شمولية فإن ما أصبح يعرف بقضية قوارب
الموت باتت تشكل مأساة إنسانية
وكارثية تتطلب إدماج المقاربة
التنموية لإعادة الأمل في نفوس
الشباب المغربي.. فهل تساعد الإجراءات
الجديدة المتخذة في الحد من الظاهرة؟
اقرأ أيضا:
|