 |
|
الشيخ عبد المجيد الزنداني |
لاقى
رأي الشيخ عبد المجيد الزنداني حول "الزواج
الميسر" للشباب أو "زواج فريند"
اهتمامًا واسعًا في
أوساط الأقليات المسلمة في أوروبا؛ حيث خصصت
العديد من المنظمات الإسلامية في أكثر من
دولة أوروبية حلقات حوار وندوات ومحاضرات
لدعاة وباحثين متخصصين لدراسة ومناقشة موضوع
الرأي، في ضوء إحساس جماعي متنامٍ بأهمية
القضية، وأسئلة عميقة مطروحة حول مستقبل
الأجيال المسلمة الناشئة المعنية بالدرجة
الأولى بالأطروحة الجريئة للعالم اليمني
المسلم.
وعلى
الرغم من شبه إجماع تحقق بين المسلمين في
منتدياتهم الأوربية حول وجود مشكلة حقيقية
ضاغطة تتعلق بالعلاقات بين الإناث والذكور،
خصوصا من فئة الشباب والمراهقين من أبناء
الأقليات المسلمة، في ظل أجواء ثقافية
واجتماعية تخالف في غالبية أسسها الأجواء
الإسلامية؛ مما يدفع
بعض الأسر إلى الازدواجية في التعامل بين
الشابات والشباب في إقامة علاقات شخصية مع
الجنس الأخر؛ ففي الوقت الذي تتساهل فيه هذه
الأسر مع الشباب من الذكور في إقامة علاقات
جنسية مع فتيات هولنديات وأوربيات؛ فإن نفس
هذه الأسر تمارس سلطتها الذكورية المتشددة مع
الفتيات.
لهذا
جاء رأي الشيخ الزنداني
متناسبا مع الأعراف والتقاليد السائدة في
حياة جماعات المسلمين المتعددة عرقيا ولغويا
ومذهبيا، وقابلا للتطبيق من الناحية
العملية، بالإضافة إلى قبوله من الناحية
الشرعية، خاصة في ظل ما يتردد من أن المجلس
الأوروبي يزمع مناقشة الأمر في دورته القادمة.
زواج
شرعي صحيح
يقول
الشيخ "عبد الحميد حمدي" -الداعية المسلم
عضو المجلس الإسلامي في الدانمارك-:
"إن نوع الزواج الذي طرحه الشيخ الزنداني (أو
"زواج فريند") يعتبر صحيحا مستوفيا لكافة
الشروط من الناحية الشرعية، وبالتالي فإنه
ليس ثمة مانع شرعي يحول دون أخذ المسلمين في
الغرب به".
ويضيف
الشيخ حمدي: إن شروط
الزواج حسب الشريعة الإسلامية أربعة، هي:
الولي والشاهدان، والإيجاب والقبول، والمهر..
والناظر في رأي الشيخ الزنداني يستنتج أن
الصلة الزواجية التي اقترحها مستوفية لهذه
الشروط؛ ذلك أن "المسكن" لم يكن يوما
شرطا شرعيا يحل الزيجة أو يبطلها وجودا
أوعدما.
ويستغرب
الداعية المسلم الضجة الإعلامية التي أثيرت
حول رأي الشيخ الزنداني؛
حيث يقول: إن الشيخ ابن باز رحمه الله قد أفتى
للطلبة السعوديين الدارسين في الخارج بما هو
أخطر كثيرا مما اقترحه العالم الصنعاني؛ حيث
رخص الشيخ ابن باز ما يسمى بـ"الزواج بنية
الطلاق"، ومعناه أن يتزوج الطالب امرأة من
أهل البلاد التي يدرس فيها، حتى إذا أكمل
دراسته طلقها دون وقوع إثم عليه.
إن
أي دارس للفقه متفقه في الدين لا يمكنه -كما
يقول الشيخ حمدي- رفض زواج مكتمل الشروط، غير
أنه ربما تكون قد علقت برأي الشيخ الزنداني
شبهة ما؛ جراء الاسم الذي عرف به هذا الزواج
في الأوساط الإعلامية، وذلك على الرغم من
وضوح نية "التيسير في الفهم" بناء على
القياس؛ أي القياس على تسميات "بوي فريند"
و"جيرل فريند" السائدة في الغرب، التي قد
تكون تسمية الصيغة الزواجية المقترحة جرت على
نحو منها، بهدف الإفادة في تسهيل إيصال
معانيها للفئات الشابة المعنية بها.
ويضيف
الشيخ حمدي: إن النقاش
حول مسائل الزواج ليس جديدًا في التاريخ
الإسلامي، وبحسب العالم التونسي الجليل
الشيخ محمد الطاهر بن عاشور صاحب تفسير "التحرير
والتنوير"؛ فإن زواج المتعة الذي قيل بأن
الرسول عليه الصلاة والسلام قد أباحه مرتين
وحرمه مرتين ظل ساريا حتى زمن الخليفة عمر بن
الخطاب الذي يرى أنه هو الذي منعه بشكل نهائي
وليس الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومن
هذا المنطلق يرى الداعية المسلم أنه إذا كان
ثمة نقاش لا يزال مستمرًا
حول زواج المتعة "المؤقت" بين محلل ومحرم..
فكيف يمكن رفض زواج "دائم" مكتمل الشروط،
يسعى إلى توفير مخارج وحلول شرعية لمشاكل
عويصة تهدد بخروج آلاف الشباب والشابات عن
إطار الشريعة، وتتوخى التيسير عليهم والرفق
بهم، وتفهم المحيط الضاغط على نفسياتهم
وأعصابهم بما يؤثر على نتائجهم الدراسية
ومستقبلهم العلمي والعملي؟
ويؤكد
الشيخ حمدي على حق المسلمين في الغرب في بناء
فقه خاص بهم؛ فيقول: "ذلك
أن الإمام الشافعي كان له مذهبان: مذهب قام
على فتاواه لما كان في العراق، وآخر لما انتقل
إلى مصر ووجد أن ظروف أهلها وأنماط حياتهم
مختلفة؛ فالفقه الإسلامي مبني على مبدأ
التيسير ومواكبة متغيرات الزمان والمكان".
الزواج
مسؤولية
السيدة
"وفاء بوبناد"
المدرسة في مدرسة "ابن خلدون" الثانوية
الإسلامية في مدينة روتردام الهولندية تقول:
"إن المشكلة في رأي الشيخ الزنداني ليست
فقهية؛ إذ قد يكون زواج فريند صحيحا من
الناحية الشرعية لاستيفائه شروط النكاح
المعروفة، إنما هي بالأساس مشكلة اجتماعية
وأخلاقية؛ ذلك أن الصلة الزوجية مسؤولية يجب
أن يكون طرفاها على وعي كبير بها، حتى يتم
ضمان نجاحها".
وتشكك
السيدة "وفاء بوبناد"
في قدرة المراهقين من أبناء المهاجرين
المسلمين في الغرب على فهم واستيعاب متطلبات
الزواج ومسؤولياته في سنهم المبكرة هذه؛ حيث
تقول: "إن منطلق الشيخ الزنداني طيب بلا شك،
وشعوره بالمشكلة الجنسية التي يعاني منها
الشباب المسلم في الدول الغربية في محله، غير
أن الزواج ليس صلة جنسية فحسب، إنما هو سكن
ومودة ورابطة اجتماعية والتزام أخلاقي، لا
يرى أن الشباب المسلم بمواصفاته الحالية في
الغرب قادر على تفهم أبعاده كما يجب".
وتضيف
المدرسة المسلمة: "حتى
مع افتراض قبول أولياء الأمور بهذه الصلة،
وتيسير زواج أبنائهم وبناتهم في سن مبكرة،
والقبول بأن يظل ابنه أو تظل ابنته بعد الزواج
معه.. فهل يضمن ألا يصبح مسئولا أيضا عن أبناء
لم يخطط لإعالتهم، أو إخلال طرف من الأطراف
بالتزاماته، على نحو يجعل الصلة الزواجية
لعبة والطلاق أمرًا هينًا؟".
وتضيف:
"إن معرفتي بالمراهقين من خلال وجودي معهم
في المدرسة لساعات طويلة تؤكد لي أن جهازهم
العقلي والنفسي لم يستقر بعد، وأنهم غالبا ما
يكونون مزاجيين في تصرفاتهم، ويرون تجاربهم
في التواصل مع بعضهم كإناث وذكور من قبيل
اللعب والتجربة المسلية التي يمكن أن تعاش
مرتين أو ثلاثا في السنة.. فهل نخضع صلة الزواج
بما تعنيه من استقرار وثبات لهذه النفسيات
والعقليات المتقلبة؟".
وترى
السيد بوبناد "أن الأخذ برأي الشيخ
الزنداني قد يكون مفيدا ربما إذا اقترن
بحملات تثقيف وتوعية في أوساط المجموعات
المستهدفة، حيث يسمح للشباب والشابات
بالتعبير عن آرائهم في
إطار منتديات وجلسات حوار، ويصغي جيدا
لمشاكلهم ومقترحاتهم لحلها، بالإضافة إلى
طرح المخارج الشرعية المتاحة مع بيان
المسؤوليات التابعة لها".
وتضيف
المعلمة المسلمة "بقي
أن أشير إلى أن الأمر سيظل من الناحية العملية
في غاية التعقيد والممانعة من قبل الآباء
وأولياء الأمور الذين يمنحون العرف في كثير
من الأحيان الأولوية على الشرع، ويفضلون في
التعامل مع قضايا صلة الإناث بالذكور والزواج
والطلاق وسواها من قضايا الأحوال الشخصية أن
يأخذوا المزيد من الصلاحيات وممارسة سلطة
كبرى، في حال ما إذا تبين لهم أن الأمور ربما
ستخرج من بين أيديهم".
نفاق
ومداراة
السيدة
"إنعام الجزائري" الباحثة الاجتماعية
المنحدرة من أصل عراقي شيعي تقول:
"إن تجربة المسلمين الشيعة مع زواج المتعة -المباح
بحسب مذاهبهم- لم تكن إيجابية، وقد أساء
الكثيرون استغلالها، على نحو أصبحت وسيلة
لتحليل الصلات المنحرفة وإضفاء الشرعية على
ظواهر الدعارة وغيرها من الآفات الاجتماعية".
ومن
هذا المنطلق فإن الباحثة
الجزائرية تمانع بشكل قاطع في القبول بأي صلة
زواجية شبيهة لا تقوم على أساس "الإعلان"
الواضح والصريح ومعرفة الجميع بأن الصلة
القائمة بين زيد من الذكور وفلانة من الإناث
صلة زواجية؛ فالإخفاء الجزئي أو الكلي عادة
ما يكون سببًا في المشاكل، ومصدرًا لظلم مجحف
تكون المرأة في غالب الأحيان هي الضحية فيه.
وتعتقد
الباحثة إنعام
الجزائري أن الصلة الزواجية التي أوردها
الشيخ الزنداني في رأيه لا تحمل مواصفات زواج
المتعة؛ لأنها صلة بُنيت بنيّة الديمومة وعلى
أساس الإعلان، خلافا لزواج المتعة المبني على
طابع مؤقت وقابلية للإخفاء، كما أن القيمة
الرئيسية في "زواج فريند" هي التيسير،
وتضيف "ولعل التيسير أهم ما تحتاج إليه
الفئات الشابة داخل الجاليات المسلمة".
وتقترح
السيدة إنعام "أن يعمل الآباء على التنازل
عن كافة التكاليف والتبعات المادية التي
تقتضيها حفلات الزواج التقليدية، وأن تعمد
العائلات المسلمة إلى التواضع والبساطة؛
تطبيقا لنهج الرسول عليه الصلاة والسلام الذي
زوج فاطمة الزهراء -أحب بناته إليه- إلى علي بن
أبي طالب كرم الله وجهه بنزر قليل من المال
ومهر وجهاز بسيط من الأثاث".
وتقول
الناشطة المسلمة بأنها
اقترحت على بعض معارفها وأصدقاء عائلتها من
أبناء الجاليات العراقية في أوربا تأسيس
منتديات لتيسير تعارف الشباب والشابات،
وتشجيعهم على الزواج المبكر، وذلك بإشراف
أولياء الأمور من الكبار والشخصيات
الاجتماعية والدينية المحترمة في أوساط
الجاليات.
وترى
إنعام الجزائري "أن
المشكلة تكمن -للأسف الشديد- في اتصاف عدد
كبير من أبناء الجاليات المسلمة بالنفاق
والمداراة؛ فهم من جهة يعلمون أن أبناءهم من
الذكور يدخلون في علاقات محرمة ومشبوهة مع
فتيات هولنديات وأوربيات، في حين يمارسون من
جهة ثانية أكبر قدر من السلطة الأبوية على
بناتهم، على نحو يضطرهن أحيانا لإعلان
العصيان والهروب من بيت الأسرة؛ فقد سجلت
خلال السنوات الأخيرة مئات من حالات هروب
فتيات مسلمات من بيوت عائلاتهن".
وتأسف
الناشطة المسلمة للأوضاع القائمة التي تجعل
غالبية أولياء الأمور يمنحون الأولوية
لمتطلبات العرف على حساب مقتضيات الشرع؛
"وهو ما يجعل مهمة الأخذ برأي الشيخ
الزنداني -كما تقول السيدة إنعام- متعذرة
بالمعنى الاجتماعي الواسع، في حين لا ترى هي
مانعا أبدا أن يدخل ابنها الشاب أو ابنتها
الشابة في صلة من نوع زواج فريند على شرط
الاتفاق المسبق على تأجيل إنجاب الأطفال إلى
مراحل لاحقة، عندما يتمكن الزوجان من إيجاد
سكن يجمعهما".
تابع
في نفس الملف:
إقرأ
أيضا:
|