|
العنوسة
ظاهرة اجتماعية باتت تؤرق الشباب ذكورا
وإناثا الذين قد يتعرضون لها اختياريًّا أو
إجباريًّا، بل باتت في بعض الدول العربية
كذاك الطاعون الذي لا يترك أخضر ولا يابسا،
والمغرب من بين تلك الدول، ولا نخفي حقيقة إذا
قلنا إن ذلك نتيجة ما كسبت أيدي الناس بشكل
عام.
غير
أنه عندما لوح مؤخرا الشيخ عبد المجيد
الزنداني العالم والمفكر اليمني بحل
شرعي للعنوسة وتيسير الزواج، وذلك من خلال
خلق صلة زواجية جديدة تحت اسم "زواج فريند"
(Zawaj friend) بدلاً من نظام "جيرل فريند" (Girl
friend) و (Boy friend)الموجود في الغرب، ويمكن للشاب
والشابة من خلال هذه الصلة الزواجية الجديدة
أن يرتبطا بعقد زواج شرعي، دون أن يمتلكا
بيتًا يأويان إليه؛ إذ يُكتفى في البداية بأن
يعود كل منهما إلى منزل أبويه بعد اللقاء.
بين
مؤيد ومعارض
وبالرغم
من أن بعض الشباب ما زال متحيرا بشأن هذا
النوع من الزواج وخائفا من تبعاته فإن بعضهم
وجدها فرصة ذهبية لمعانقة الحياة الزوجية
بتلك الطريقة؛ فهذا الشاب مراد العوني -ممثل
المهندسين الخواص بالقنيطرة- يحكي عن تجربته
مع هذا النوع من الزواج؛ فيقول: "كانت تجربة
ناجحة والحمد لله؛ لأنها قائمة على حسن النية
ودوام العلاقة، حتى بعد أن تتيسر الظروف فهو
ليس مرتبطا بالظروف المادية فقط، ولكنها كانت
مانعا مؤقتا". ويضيف قائلا: "كما أني لا
أدعو كل شاب يعاني من ظروف مادية أن يتزوج
بطريقة زواج فريند، ولكن هناك أسبابا لا بد أن
تتوفر في كل مقبل على هذه الخطوة، ومن أهمها
روح المسئولية، وأنا أركز على هذه المسألة؛
لأنها قد تكون سببا في إفشال العلاقة أو
إنجاحها".
وهذه
النقطة هي ما كانت مثار تخوف كثير من الشابات،
منهن "رباب النقلي" من مصر التي تعتقد
"أن هذا النوع من الزواج ليس أكثر من ضحك
على الفتيات؟" وأخرى -هي إبتسام صالح عوقل من
الكويت- ترى أنه "لا يؤدي إلى النتائج
المرجوة من الزواج الشرعي، وأقصد هنا
الاستقرار وعمارة الأرض، وإنما يهدف إلى
إسكات شهوة في الطرفين كلما أرادا الاجتماع،
وكأن الأمر زواج المتعة الذي حرمه الرسول صلى
الله عليه وسلم...".
مفهوم
العنوسة
 |
|
هل زواج فريند يساعد في حل مشكلة العنوسة؟ |
العانس
في اللغة هي المرأة التي طال مكثها في بيت
أهلها ولم تتزوج قط، وأيضا يصح أن يقال للرجل:
إنه عانس، ولكن المفهوم السائد يرى أن العانس
هي امرأة.
وفي
المعنى الشعبي: العانس هو شخص ذو عيب خِلقي أو
خُلقي يجعله حبيس الجدران. وفي بعض اللهجات
الدارجة كالمغربية وغيرها يقال للفتاة
العانس "بايْرة"، وهي مشتقة من الكلمة
العربية "بارت الأرض"؛ أي فسدت ولم تعد
صالحة للزراعة.
وهناك
محدد آخر لتعريف العنوسة يختلف حسب المحيط،
ويتعلق الأمر بالسن؛ فالفتاة في القرية
المغربية إذا تجاوزت سن العشرين تعد في نظر
أهلها عانسا أو على عتبة العنوسة، وبالتالي
وجب تصريفها بأي شكل، ولو على حساب أمور تعد
أساسية في الحياة الزوجية. وهذا ما أكدته لنا
السيدة "مليكة" التي تزوجت في هذه الفترة
الحرجة بغير إرادتها: "لم أكن أفكر في
الزواج، وليست لي رغبة فيه، لكن حدث ذات يوم
أن فاجأني والدي بعريس، وكان قد تعاقد مع
والديه، ولما استفسرت عن الأمر، أجابني: ليس
عندنا بنات بايرين (أي عوانس)، وكانت سني
حينها 16 سنة، وتم تزويجي إياه، وأنجبت منه 4
أطفال، وعمري الآن 23 سنة".
أما
مجتمعات المدينة المغربية فتحدد الثلاثين
فما فوق سنا للعنوسة؛ نظراً إلى خصوصية فتاة
المدينة المتعلقة بالدراسة والوظيفة..
وأحيانا ترفض آنسات تجاوز سنهن 30 سنة الزواج
عن رغبة ودون إكراه، ويحصل أن تجد زوجا بعد
هذه السن، وخصوصا إذا كانت مقبولة خلقا وخلقة
وجاها كما هو حال "مريم" التي كانت
رغبتها الأولى هي استكمال التعليم بالخارج،
ولم تكن تكترث لسنها التي تتقدم لتجعلها رقما
من الأرقام المخيفة للعنوسة: رغبتي استكمال
دراستي بفرنسا، أما الزواج فهو نصيب، والحمد
لله تزوجت هناك بفرنسي، ولنا ابن في الطريق
وأنا الآن أشتغل ونتعاون معا".
أسباب
العنوسة
إن
نسبة العنوسة في المغرب في تزايد مستمر؛ بحيث
لم تتجاوز عقود الزواج في الرباط خلال عام 2001
حسب مصادر رسمية مطلعة "8569 عقدا، في حين
بلغت حالات الطلاق 2721 حالة، وشكل الطلاق
الخلعي النسبة الكبرى من الحالات، بينما احتل
الطلاق الرجعي المرتبة الثانية، فيما تبقى
نسب حالات الطلاق قبل البناء والطلاق المكمل
للثلاث متدنية.
كما
أن عدد حالات الزواج والطلاق لا يشهد تغييرا
كبيرا بين سنة وأخرى كما يتضح من الجدول
التالي:
|
عام
2001
|
عام
2000
|
|
|
8569
عقدا
|
7950
عقدا
|
عقود
زواج
|
|
2721
|
2382
|
طلاق
|
فنسبة ضعيفة في زيادة عقود الزواج كهذه تحمل
في طياتها عدة أسئلة عن أسباب العزوف عن
الزواج، ومن ثم تزايد العنوسة سنة عن سنة بشكل
كبير.. من يتحمل مسئولية الوضع؟ هل هي سياسة
الدولة التي لم تستجب لحاجات شبابها، أم هي
التقاليد والعادات، أم هي أسباب ذاتية تتعلق
بالفتاة والشاب دون إكراهات خارجية؟
الأسرة
والمجتمع
إن
ما يعيشه المجتمع المغربي من استفحال لظاهرة
العري الفاحش والزنا وغيرها من الظواهر
الاجتماعية السلبية دفعت الشباب المغربي إلى
العزوف عن الزواج بما يشكله من مسئولية إلى
الزنا، وهذا ما أشار إليه الأستاذ الباحث
"المصطفى الناصري" -مراسل جريدة "التجديد"
المغربية-: "ومن الأدلة على استفحال الأمر،
وانفراط العقد، وتفاقم الحالة الأخلاقية.. ما
أضحى ينتشر بين ذكور وإناث بلادنا من علاقات
بلا حدود، وخدنيَّة ترتب عليها فشو الزنا
والفاحشة بشكل خطير".
وفي
سياق آخر غير تفشي ظاهرة الانحراف الخلقي
هناك مطرقة أخرى تؤجج من استفحال العنوسة،
وهي الوضع الاقتصادي المغربي الهش وانتشار
البطالة.
يقول
الشاب "ميلود .ف": "معي دبلوم الدراسات
العليا في العلوم الحيوانية، مرت علي سنوات
البطالة كأنها سحابة لا تنقشع، اضطررت رغم
مؤهلي العلمي أن أشتغل بائع فاكهة جوالا، كان
أملي أن أبني أسرة وأتزوج وأنجب وأعلم
أولادي؛ فتقدمت لفتاة عفيفة وميسورة كانت قد
جمعتني بها زمالة الدراسة، لكن الصدمة كانت
قاسية حينما ردني أبوها معللا ذلك: "بيع
الفاكهة رغم شهادتك العليا لا يخول لك أن تفتح
بيتا لابنتي، نحن آسفون ليس لدينا بنات
للزواج بالشهادات العلمية".
غلاء
المهور
كما
أن ظاهرة المغالاة في المهور وتكاليف الزواج
كانت ولا تزال من أهم الأسباب الحائلة دون
لجوء الشباب إليه؛ فبعض الأسر تتعامل مع زواج
بناتهن وكأنه بيع وشراء، وبالتالي تكون نقطة
المهر هي مربط الفرس الذي إما أن يكتمل الزواج
بسببه أو ينتهي، وغالب الأسر الميسورة في
المغرب لا تفكر في كفاءة الزوج الخلقية بقدر
ما يهمها دخله ومركزه ووظيفته. وهذه الظاهرة
يترتب عليها ما يزيد في تعميق وتجذير ظاهرة
العنوسة والطلاق؛ فهو من ناحية الفتاة قد
تُكره على الزواج ممن لا ترغبه زوجا لها،
وبالتالي قد يترتب على ذلك الطلاق.
انتشار
التعليم
يعد
انتشار التعليم في صفوف الفتيات بالمغرب
وارتفاع نسبة اللائي حصلن على مؤهلات عليا -إلى
جانب أنه مؤشر إيجابي لمحاربة الأمية- فإنه من
أهم أسباب رفضهن الزواج المبكر، واعتبار
الزواج مانعًا لتحقيق طموحاتهن في الحياة
العامة، وخصوصا في غياب تجارب ناجحة ممكنة
للجمع بين الدراسة والزواج، ويتعللن بأن
كثيرا من الشباب أصبح يفضل الفتاة الموظفة
التي تعينه على القيام بأعباء الحياة إلى
جانب أن إكمال الدراسة يجعل الفتاة واعية
ومدركة لحقوقها وواجباتها.
لكن
مرور الزمن لا يتوقف، وتتناسى كثير من
الفتيات المتعلمات أن قطار الزواج قد يفوتهن
رغم الكفاءات والشهادات، وهذا ما صرحت به
إحدى الطالبات "ليلى" من اللواتي نجحن في
التوفيق بين الدراسة والزواج: العمل أو
الدراسة لا يقف عائقا أمام الزواج المبكر
للفتاة، وأنصح كل طالبة عندما تتهيأ لها فرصة
الزواج وهي ما زالت طالبة ألا تتردد، بل تتزوج
وتكمل دراستها.
حلول
واقتراحات
يرى
الأستاذ الباحث المغربي "مصطفى الناصري"
أن مشكلة العنوسة "لا تكمن بالضرورة في
غلاء المعيشة والبطالة ومشكلة السكن، وإنما
يتعلق الأمر بالدرجة الأولى بهذه الفوضى
الجنسية، وهذه الإباحية المقيتة التي اجتاحت
بلادنا، حيث نال الكل بغيته من الشهوات من غير
حاجة إلى مهر وتكاليف حياة، أو حمل وإرضاع
ورعاية الأطفال...".
وهناك
جانب في غاية الأهمية -كما تشير إليه الدكتورة
سلوى فقير، اختصاصية في أمراض الغدد
التناسلية والعقم والسكري- حيث يجب على وسائل
الإعلام القيام بالتوعية الشاملة عن
المشاكل التي تتسبب في تراجع الشباب والفتيات
عن الزواج مثل الزواج العرفي والعلاقات غير
المشروعة.
وأخيرا
تبقى فكرة الشيخ الزنداني فكرة تستحق الدراسة
والتأمل، في محاولة للبحث عن مخرج للشباب
والشابات من سرداب العنوسة المظلم.
تابع
في نفس الملف:
إقرأ
أيضا:
|