|
مجتمع
يفقد حاضره ومستقبله، هذه هي التسمية
المختصرة والواضحة لهروب الأبناء من
منزل الأسرة، واللجوء إلى الشارع..
لأبسط الأسباب!!
فقد
لا يعدو الأمر اختلافا بين الأب وابنه
يمكن تسويته بالحوار، لكن الوضع يتطور
إلى الضرب، وقد ترغب الابنة أو الابن في
الخروج من المنزل والسهر حتى وقت متأخر،
وبدلا من الحوار تأتي الأوامر والنواهي
والتهديدات، ويحدث الرعب؛ فالهروب إلى
حيث لا عنوان ولا أسرة..
وهروب
الشباب والفتيات من منزل الأسرة ليس
أمرًا جديدًا تمامًا، ولكنه بعد الندرة
أصبح ظاهرة تهدد المجتمع بالانهيار بين
آباء يرفضون الحوار، وأبناء يعيشون
حالة انبهار أعمى بكل ما هو أمريكي
وأوروبي.
ولعل
الدراسة التي أجريت في مركز البحوث
الاجتماعية والجنائية بمصر تؤكد أن
الأمر أخطر من أن يتم تأجيله أو تجاهله؛
حيث تؤكد الدراسة أن حوالي 64% من الشباب
في مصر تتراوح أعمارهم ما بين 15 و22 سنة،
وأن نسبة 55% منهم يهربون أيامًا وشهورًا
في أماكن لا يعلمها أحد.. وعندما يعودون
يرفضون تمامًا الإجابة عن سؤال "أين
كنت؟"؛ لأنهم يعتبرون الأمر شأنا
خاصا بهم، وفي سبيل ذلك يتعرضون لكل
أنواع القسوة.
سمات
مشتركة
ولا
يصعب على الشخص العادي التعرف على هؤلاء
الشباب؛ فثمة صفات (شكلية) مشتركة تجمع
بين أغلبهم، ولعل مقاهي وسط البلد
الشهيرة بالقاهرة هي الأماكن التي
أصبحت مجتمعهم الخاص بقيمه التي تشكلت
عبر لجوئهم إليها، أما ملابسهم فهي في
الغالب بنطلونات جينز رسمت عليها أعلام
أمريكية، وتم تمزيقها من على الركبة،
ووضعت عليها "بادجات" باسم من
يرتديها أو الحروف الأولى منه. أما
الفتاة فترتدي بنطلونًا قصيرًا (برمودا)،
وتضع أساور في مفصل قدمها وخواتم في
أصابع رجلها!
ويفضل
بعض الشباب من هؤلاء أن يحلقوا شعرهم
تمامًا، والآخرون يتركونه ليتدلى أسفل
الكتف، وجميعهم يحملون حقائب منتفخة
خلف ظهورهم.
سبب
الهروب
وللإجابة
على سؤال: لماذا يهرب الأبناء؟ أكدت "أروى"
-21 سنة، طالبة بكلية الآداب قسم لغات
شرقية، جامعة القاهرة- على أن الأهل هم
سبب هروب الأبناء؛ فالأهل -في رأيها- لهم
عادات غريبة متمسكون بها، وهناك
محاولات كثيرة لإقناعهم باختلاف العصر
الذي يعيشون فيه، لكن كل المحاولات تضيع
سدى.
وتضيف:
عندما أطلب من أبي أن أخرج مع أصدقائي أو
أبيت معهم يرفض دون ذكر السبب، لهذا
قررت أن أفعل ما يرضيني أنا، وليس ما
يسمح به أبي، وخرجت من دائرة العيب
والأوامر.. وهربت من البيت لأيام، ولما
عدت للمنزل قام أبي بضربي بقسوة (علقة
سخنة) كي يعرف أين كنت ولكني تحملت ولم
أقل عن مكان هروبي، وبعد ذلك أصبح الأمر
عاديا بالنسبة لوالدي، وتركني أفعل ما
أريد!!
وترجع
"جاسمين" -طالبة الجامعة الأمريكية-
أسباب هروب الشباب من منازلهم إلى عدم
اكتراث الآباء بشؤون أولادهم.. وتحكي
تجربتها في هذا الأمر؛ حيث تقول: أبي
دائم السفر، وأنا أعيش مع أمي التي تعمل
في وظيفة مرموقة، ووقتها كله تقضيه في
عملها حتى وهي في المنزل تغلق عليها
حجرتها وتكمل عملها.. أما أنا فكنت أحصل
على كل ما أريد دون رقيب، إلى أن جاء أبي
وحاول أن يضع قيودًا من جديد على البيت؛
وهو ما سبّب لي ضيقًا شديدًا.
وتضيف:
في هذه الأثناء عرض عليّ أحد أصدقائي
الذهاب للساحل الشمالي كي نقضي وقتا
ممتعا، ونصحني بالهروب التدريجي كي
يتعود والدي على هذا، وهربت أول مرة
لثلاثة أيام، والمرة الثانية لأسبوع،
والثالثة لشهر، وبدأ أبي يفقد السيطرة
عليّ، وأصبح لا يملك سوى التهديد بالضرب
أو تزويجي من أي شخص يطرق بابه، ولكنها
تهديدات لا تنفذ.
قسوة
الآباء
بينما
يؤكد تامر حسني -22 عامًا، طالب في كلية
الإعلام- أن قسوة الأب هي التي دفعته إلى
الهروب من المنزل؛ فقد تحول البيت إلى
ثكنة عسكرية، وتحول هو إلى جندي في
الجيش. ويدلل على ذلك بقوله: لقد كان أبي
يشم فمي ويراجع نظافتي الشخصية ويحدد لي
موعد الخروج والعودة، وكان الضرب
والإهانة هما أقصر الطرق لتوصيل
أفكارنا إلى بعض، لهذا كان قرار الهروب
أمرًا حتميًا للتخلص من تلك القسوة
المستمرة، أما أمي فعندما أحتاج إلى
أموال لكي أشتري البانجو والعقاقير
المخدرة أذهب إليها في أوقات عدم تواجد
أبي في المنزل.
ويتفق
أمير محمد -20 عامًا، طالب في كلية الخدمة
الاجتماعية- مع سابقه في أن الأب هو
السبب في هذه الظاهرة، ويحكي عن تجربته
فيقول: كان أبي يضربني ويحبسني في
الشرفة وأنا عندي ست سنوات، لا يفرق بين
شتاء أو صيف.. عندما كبرت وجدته يهددني
بالطرد من المنزل إذا تأخرت في العودة
عن الساعة الحادية عشرة مساء، وعندما
تأخرت ذات مرة نفذ تهديده دون تفاهم،
ومن يومها وأنا لا أذهب إلى البيت إلا كل
سنة مرة وتركت دراستي وضاعت حياتي.
الهاربات
العشر
أما
عن كيف يقضي الشباب الهارب وقته بعيدًا
عن المنزل؛ فتؤكد "ناريمان" -طالبة
في الثانوية التجارية-: أنا هاربة من
أهلي منذ عام تقريبًا.. واستأجرت شقة
أعيش فيها بالاشتراك مع 10 فتيات هربن من
منازلهن فرارًا من الرقابة الخانقة
للأهل.
وهذه
الصحبة تساعدنا على قضاء وقت لطيف؛ حيث
نذهب إلى العمل طوال اليوم، ثم نتجمع في
الشقة حوالي الساعة العاشرة مساء، ثم
نخرج لنبدأ السهرة وتكون في أي مقهى
نشرب الشيشة حتى منتصف الليل، ثم نبدأ
في المشي حتى الساعة الواحدة، ثم نتوجه
إلى أي صالة ديسكو لنقضي بقية السهرة،
ثم نعود إلى الشقة حوالي الساعة الرابعة
صباحًا، وإذا كان لدينا عمل في الصباح
ننام، وإذا لم يكن عندنا عمل في وقت مبكر
نعمل حفلة "روك" (رقص) حتى الصباح.
عودة
روح الأسرة
وتعليقا
على ممارسات هؤلاء الشباب الذين اتخذوا
من الهرب وسيلة للتحرر من قيود الأسرة
يؤكد الأستاذ الدكتور سيد صبحي أستاذ
علم النفس بجامعة عين شمس أن هذه
ظاهرة خطيرة، وتهدد بانهيار المجتمع،
خاصة بعد تكرارها في الفترة الأخيرة..
ويعود جزء كبير من هذه الظاهرة إلى
الأسرة التي أصبحت عاملا أكثر طردًا
وليس جذبًا. ويضيف: "لا بد أن تقوم
الأسرة بدورها المقدس.. فلا بد أن يقوم
الأب بدور المتابعة، والأم لا تخفي عن
الأب أي مواقف أو أسرار تخص أبناءه".
ويطالب
صبحي بضرورة عودة روح الأسرة كي نحمي
أولادنا من المخاطر التي تعترض طريقهم؛
فالقسوة لم تعد تجدي.. فنحن نرى أن أغلب
الحالات مريضة نفسيًا وتنتقم من والدها
أو والدتها في نفسها.. تفعل كل ما كانت
منهية عنه تخرج وتسهر وتشرب وكأنهم
يقولون: ها نحن نفعل ما نريد.. فنحن في
حاجة للنظر لما نؤسسه في أبنائنا؛ لأنهم
ضحايا وليسوا جناة.
بينما
يشير الأستاذ الدكتور أحمد المجدوب
أستاذ علم الاجتماع إلى أن الروابط
الأسرية اختفت؛ فلم تعد هناك مائدة تجمع
شمل الأسرة، ولم يعد هناك وقت كي ينظر كل
طرف في عين الطرف الآخر كي يعرف هل هو
مسرور أم مهموم.. فهذه الظاهرة نتاج
لانشغال الأب والأم بجمع النقود،
ونسيان رعاية الأبناء.
ويضيف:
وفي الوقت ذاته نجد الأبناء بمفردهم مع
القنوات الفضائية والإنترنت، ويرون
ماذا يفعل الغرب، منبهرين بهم، ولا
يعرفون ماذا وراء ما يشاهدونه؛ فيصبحون
أسرى لما تقدمه لهم الآلة الإعلامية
الغربية دون تصحيح، ومن هنا تأتي الحاجة
ملحة لعودة الآباء إلى البيت كي يُخرجوا
جيلا صالحًا يعرف ما له وما عليه.
اقرأ
أيضًا:
**
صحفية مصرية
|