|
أماه..
قلبي يا عنوان آلامي
عجزت
أن أنظم فيك بعض أشعاري
سجد
الفؤاد لحكم الخالق الباري
عزاؤنا
فيك أن رسول الله قد سبقك
لموعد
الحق عند رحيم رحمن
وأسأل
الله أن ينزلك منزلة
تحيين
فيها حياة الخلد في جنان
وتسكني
في رحاب خير الخلق كلهم
فنعم
منزلة في جنات عدنان
نامي
قريرة العين يا ريحانة العرب
يا
نور صوت الحق في مصر وفي الشام...
إهداء
إلى روح ريحانة الشعر الإسلامي: أ/ علية
الجعار
علمني
أبي أن الناس صنفان: أناس تعيش لتموت،
وأناس تعيش ولا تموت؛ لأنها حتى بعد
موتها تظل تنبض بالحياة في قلوب كل من
يعرفونها. وهكذا كانت هذه السيدة
الفاضلة، عرفتها منذ طفولتي فكانت
قصائدها تتلاحم مع كتاباتي المتواضعة
لكي ترسم لنا ملحمة الأمل من أجل أمتنا
الذبيحة.
وتمر
السنون.. والسنون، وهأنذا أكبر، وتجمعني
بها جراح الوطن المحتل، فنشارك سويًّا
في عدد من المؤتمرات العربية.
كانت
المرة الأولى التي رأيت فيها هذه السيدة
الرمز في كل شيء، في منتدى المثقف
العربي الذي يقيمه السفير اليمني بمصر،
وقد وجه إليّ السفير اليمني دعوة
للحضور، فذهبت ووجدت خليطًا من كبار
الشعراء تجمعهم مختلف الأطر الفكرية
والأيدلوجية، وحدث ما لا يحمد عقباه في
هذا اللقاء، فقد حدثت مشادة كلامية بين
الجمهور تعقيبًا على الموجودين
بالمنصة، وكادت الندوة تفشل لولا
تدخلها الرباني، فأمسكت بجهاز
الميكرفون، وقالت: صلوا على رسول الله -عليه
أفضل الصلاة والسلام- ورددتها أكثر من
مرة، وردد وراءها الجمهور، فأخرجت
بتصرفها الحكيم المنتدى من مأزق كاد
يؤدي به إلى الفشل. ولم تمر أيام حتى
دعيت إلى المشاركة في مؤتمر لدعم
الانتفاضة يعقده اتحاد الأطباء العرب،
وشاءت الأقدار أن أجلس بجوارها.
أنا
أعرفها جيدًا كما يعرف التلاميذ شيخهم،
ولكنها لا تعرفني، فأنا بالنسبة لها
برعم صغير، وهي هرم يمثل أمامي حضارة
الأمتين العربية والإسلامية، استمعت
إلى كلمتها بعمق، وما إن قدموني وبدأت
ألقي قصائدي حتى وجدتها تربت على كتفي،
وقالت: "الله.. الله عليك يا بنتي،
ربنا يوفقك..." كانت كلماتها بالنسبة
لي كماء منهمر تكرمت به سماء الرحمن على
أرض عطشى ليرويها فتنبت وتزدهر، انتهى
المؤتمر، وطلبت مني وسائل الاتصال بي،
وأهدتني أحد دواوينها، فكان ذلك دفعة لي
على طريق الاستمرار.
خلال
عامي الانتفاضة السابقين التقينا في
أكثر من مناسبة، كان أهمها على الإطلاق
بالنسبة لي مؤتمر بمحافظة الإسكندرية
شارك فيه العديد من النخب السياسية
والفكرية والأدبية بمصر، وفي هذا اليوم
وجدت شاعرتنا العظيمة تقدمني على نفسها..
رفضت، ولكنها أصرّت على أن ألقي الشعر
قبلها، فقلت ما لديّ، فإذا بالجمهور
يطلب مني أن أستمر، ولكني اعتذرت لضيق
الوقت، وحتى أتيح الفرصة لأستاذتي،
المهم، ألقت هذه الأترجة عددًا من
القصائد ألهبت حماس الناس، ولكنهم
للأسف الشديد طالبوني أن ألقي، فقلت لهم:
لقد كان ختامنا مع شعر أستاذتي الحاجة
علية الجعار.. وإذا كان عطر المسك هو
الختام، فلن يضاهيه عطر إذا جاء بعده،
فصفق الجميع، وانتهى اللقاء على خير.
يوم
يسطره العطاء
وذات
مرة دق جرس هاتفي وإذا بصوتها الحاني
يسأل عني وعن أخباري وأخبار أهلي في
وطني الحبيب، وأنا كعادتي معها أبشرها
بالخير، وبأننا سوف نلتقي يومًا ما على
أرض الرباط الطاهرة لنصلي سويًّا في
المسجد الأقصى المبارك، فترد ضاحكة: "معقولة
يا زينات يا بنتي، أنا خلاص، أيامي
معدودة"، وكأنها كانت على موعد مع
الأقدار.
وفاجأتني
في ذلك اليوم بأنها تريد أحد دواويني
لكي تعرضه في مزاد؛ لأنها ترى أنه قد
أصبح لي جمهور وعلي إقبال، المهم، قلت
لها: أنا لا أفهم في هذه الأمور، فردت
مسرعة: كل ما عليك أن تعطيني عشر نسخ من
أحد دواوينك، وإن شاء الله سوف نصل
بالمزاد إلى مبلغ كبير، فقد نحصّل مليون
جنيه ويبقى حظك حلو.. فضحكت عن آخري،
وقلت لها: "مليون جنيه، ليش، هي الناس
هبلة..." فامتزج صوتها مع صوتي، نضحك
سويًّا، فقالت لي: أنا اعتدت أن أقيم مثل
هذه المزادات في مدينة الإسكندرية، حيث
يوجد بها عدد كبير من رجال الأعمال، وهم
على استعداد لعمل أي شيء لدعم الانتفاضة.
فانبسطت أساريري بكلماتها وقلت لها: إذن
سوف يكون هذا المبلغ للانتفاضة إن شاء
الله، فعلا صوتها ضاحكًا مرة أخرى،
وقالت: طبعًا هيكون للانتفاضة رضيتِ أم
أبيتِ.
وتسامرنا في الحديث بعدها حول أحوال أهلنا في فلسطين وأفغانستان، والوضع المتردي للعرب والمسلمين. هذه هي الحاجة علية الجعار، الشاعرة والإنسانة والأديبة والأستاذة وريحانة الشعر الإسلامي كما لقبها الأدباء العرب والمسلمون، وهي ترسم أبياتا من الشعر حول نفسها فتقول:
أنا
ريحانة يعلو جبيني في حمى ديني
وفي
ظل من الإسلام رب الناس يحييني
ونور
الحق يرويني وخير الناس يهديني
أنا
ريحانة تسمو على كل الريـاحين
على
آفاق أيامي شموس الأمن والإيمان
وقلبي
عامر بالحب والإخلاص للرحمن
وأنّى
سرت يكون رداء بالتقي مزدان
أنا
في جنة التوحيد أحيا في سنا ديني
أنا
من أمة الإسلام لي شأني ولي قدري
وعمري
مثمر بالعزم والإيثار والخير
لم
تألُ جهدًا في عطائها من أجل تضميد جراح
الأمة، فقد سافرت عدة مرات للبوسنة،
وشاركت في لجان الإغاثة الإنسانية التي
كانت هناك، ومسحت بيدها الكريمة دموع
أخواتنا وأمهاتنا الثكلى هناك من أجل
مساندتهم وتضميد آهاتهم الإنسانية، كما
ذهبت للعراق في سنوات الحصار من أجل دعم
ومساندة الشعب العراقي الشقيق في
محنته، ولم يتوقف جهادها من أجل دعم
القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني،
بل إنها كانت تتحرك في كل أنحاء الدنيا
من أجل نشر الحق والخير والعدل، كان
سلاحها هو القلم والكلمة الصادقة
الطاهرة النقية التي ستبقي بيننا أبد
الدهر.
سليلة
بيت القرآن
سألتني
عن نفسي وعن والدي فأخبرتها بأنني شبيهة
بأبي في كل شيء، حتى إنهم يقولون عني
إنني بنت أبيها، ورغم رحيله عني منذ
طفولتي، فإن كلماته لي ما زالت محفورة
في ذاكرتي. فسرحت بعيونها إلى بعيد
وكأنها تستعيد ذكرياتها من الزمان
البعيد، فقالت: كان لوالدي دور كبير،
فقد ولدت في مدينة طنطا 1935 وهي مدينة
صغيرة، ولكنها كبيرة في قلبي ونفسي،
وحفظت القرآن الكريم منذ طفولتي، وكان
والدي من علماء الأزهر الشريف، وكان
أيضًا شاعرًا ويهتم بالأدب واقتناء
أمهات الكتب، وكان له أثر كبير في حياتي
الأدبية والاجتماعية أيضًا، فقد تعلمت
معنى العطاء من خلاله، وقد زرع في نفسي
معنى الأمة الإسلامية وأهمية الانتماء
لهذه الأمة العظيمة، والذود بالنفس
والمال في سبيل رفعة هذه الأمة، بل
والاعتزاز بها.
تخرجت
في كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1960،
وعملت بالصحافة، ثم تم تعييني في
التليفزيون المصري إلى أن وصلت الآن
لدرجة مدير عام للشئون القانونية، كتبت
العديد من الأعمال الفنية للتليفزيون
المصري، وألفت عددًا من الدواوين منها
"ابنة الإسلام" في الستينيات، و"على
أعتاب الرضا"، و"مهاجرون بلا أنصار"...
إلخ من الأعمال الأدبية والفنية، والتي
أسأل الله عز وجل أن يتقبلها مني.
وكان
لقاء الوداع
وما
إن حدثت الهجمة الأنجلو أمريكية على
أهلنا في العراق الشقيق حتى هرعنا
مسرعين ننظم المؤتمرات والفاعليات لدعم
أهلنا في العراق، واتصلت بها كعادتي
معها لكي أدعوها للمشاركة في مؤتمر لدعم
الشعبين الفلسطيني والعراقي، يقيمه
اتحاد المحامين العرب، فكنت أسمع جرس
الهاتف دون أن يرد أحد، فحدثني قلبي أن
أطلبها على هاتفها الجوال، ففعلت فرد
علي صوت رجل، ترددت برهة، ولكني ألقيت
السلام، وسألته: هل هذا رقم الأستاذة
علية الجعار؟ فأجاب: نعم. وأين هي؟ مريضة
بالمستشفى.
انقبض
قلبي وسألت مسرعة: وكيف هي، وهل يمكن أن
أطمئن عليها، فرد مرحبًا، ويمكن أن
تزوريها أيضًا. انشغلت في المؤتمر، ولم
أذهب لزيارتها إلا بعد يومين، وكم كنت
أتألم لتأخري عنها. وصلت للمستشفى،
وأخذت معي "علا" صديقتي فلم أكد
أتمالك نفسي إذ رأيتها في حالة متأخرة،
دخلت غرفتها والأجهزة الطبية تحيط بها
من كل جانب، وهي تضع إلى جوارها راديو
صغيرا، وأمامها تليفزيون، يا إلهي..
الأدوية والأجهزة الطبية معلقة بيديها،
بينما أذنها تتابع الأخبار. ما إن رأتني
حتى اهتزت من سريرها مرحبة، وتحركت
شفتاها: زينـات.. وفي صمت الكلمات
قالت: "شوفتي العراق؟" حدثتني
بعيونها، وسألت عن أخباري وعن أهلي في
الوطن الأسير، فأجبتها من أعماق
شراييني بأننا سننتصر، وسوف أعود في يوم
ما لأهلي ولداري، وسوف أدعوها لنصلي
سويًّا في المسجد الأقصى، قبّلت رأسها
ومسحت بيدي على جبهتها، ودعوت الله لها..
وودعتها الوداع الأخير، وحدثت نفسي.. هل
سيكون لنا بعد هذا اللقاء.. لقـاء؟
هل
سنصلي سويًّا هنا.. على أعتاب مسجدنا..
وتسعد أمي وأهلي برؤية الأحبة معي؟ هل
سوف ترحل وتتركني وحدي هنا؟ لأحيا غريبة
وحيدة في هذا الزمان؟
لكن
قلبي حدث نفسي بأن رحيل الأحبة حق علينا..
وسوف يكون اللقاء هناك في أرض الخلود..
فإن غاب عنا الأحبة يومًا فسوف يكون
اللقاء الأكيد في جنة الخلد.
هذه المواقع عبارة عن أخبار
متنوعة عنها:
هذا الموقع يتناول عرض
هام حول حياتها وأهم أعمالها:
**
كاتبة فلسطينية.
|