English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

بين الناس

أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط


"ثقافة المقاطعة".. في مواجهة "الاستعمار الجديد"

2003/04/20

** معتز الخطيب 

أحد الملصقات الأكثر إنتشارا بين طلاب العالم العربي

في البدء كانت المقاطعة -ولا تزال- هي المقاطعة. قد يكون أناس مَلّوا ذكرها وتكرارها، وسئموا القول بنفعها بعد كل هذا الذي يجري من مآسٍ، وخصوصًا مع عودة "الاستخراب" (سموه: استعمارًا!) من جديد إلى منطقتنا. وقد يرى إخوتنا المالُّون أو اليائسون فيما يجري معطى جديدًا من شأنه أن يصرفنا عن "الأسطوانة المشروخة" (المقاطعة)؛ فالذي نقاطعه صار بيننا بنفسه لا بمنتجاته، لكن هذا المعطى نفسه نراه مناسبة لتجدد الحديث عن المقاطعة، وترسيخ الوعي بها.. لماذا؟ وكيف؟ (أي إضافة معان جديدة وابتكار وسائل لتحقيقها).

سلوك يومي.. وفعل إرادي مستمر

وإذا كانت بعض الوسائل الاحتجاجية (كالمظاهرات) أخذت شكل "هَبّات" جماهيرية -سواء كانت عفوية أم منظمة- انفجر شعورها من مستواه النفسي المكبوت إلى مستوى فعل التظاهر الذي ما يلبث أن يقف حين يفرغ التوتر الذي يدفعه ويحركه؛ فإن المقاطعة تجاوزت هذه الممارسات "التنفيسية" (نؤكد على أهمية البحث عن سبل لفاعلية التظاهر) بفعل عوامل عديدة؛ منها: المجموعات النشطة في مجال المقاطعة في الواقعين الحقيقي والافتراضي (الإنترنت)، والكتابات الكثيرة عن المقاطعة من فئات وتخصصات متنوعة، بل أيضًا بفعل كتابات تثبيطية لا تفتأ تردد أن المقاطعة غير مجدية؛ فكانت تقوي من صلابة الإصرار على المقاطعة كرد فعلٍ وتحدٍّ أمام المثبّطين، هذا فضلا عن الفتاوى الدينية.

والأهم أننا في المقاطعة أمام سلوك يومي في كل مجالات الحياة، وأمام مبدأ يسري على كل جدول حياتنا من مشاهدات إلى مأكولات ومسموعات وغير ذلك.

إذن ما جعل منها "فعلا" وليس رد فعل، "مستمرًّا" وليس موقفًا انفعاليًّا، "إراديًّا" وليس عفويًّا.. هو تلك الوسائل والقنوات التي أرست "ثقافة المقاطعة" بما هي سلوك يومي. وبتجاوز رد الفعل، والعفوية، والانفعالية تحولت المقاطعة من هَبة إلى سلوك.

نتائج ملموسة باستمرار

ومما يقوي العزيمة على الاستمرار أنه كان لها نتائج ملموسة؛ فقد استطاعت المقاطعة التأثير بقوة في الاقتصاد، وحسبنا مثال واحد، وهو أن ماكدونالدز العالمية للوجبات الجاهزة أعلنت أن خسائرها في العام بلغت 433 مليون دولار، وأنها تنوي إغلاق ما يقارب 721 مطعمًا نتيجة الهبوط الحاد في المبيعات الذي وصل إلى 50% في الربع الأخير من 2002. (مجلة "المجلة" اللندنية ع/1204/2003).

إستراتيجية لمقاومة المستعمر

وعودًا على بدء يبدو من المهم التساؤل: كيف تكون الأحداث الحالية وعودة "الاستعمار" مناسبة لتجدد الحديث عن "المقاطعة"؟ وما جدواها؟

الاستعمار الجديد يهدف إلى فرض إرادته على منطقتنا، وتطويع نفوسنا لمصالحه بتعديل ثقافاتنا (التي تفرخ الإرهاب = تعارض مصالحه)، والعبث بتشكيلاتنا الاجتماعية من خلال إعادة صياغة شخصيتنا بما يتوافق مع نموذجه الذي يبشر به؛ باعتباره النموذج الذي تجب محاكاته وتقليده، وأنه منتهى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان، أي إنسان.

وأمام هذه التحديات تتحول المقاطعة من أداة للتأثير باقتصاد الغير إلى إستراتيجية للمقاومة والحفاظ على الهوية والخصوصية، وأداة مهمة للممانعة ضد الاستجابة لإكراهات المستعمر الجديد، والحيلولة دون تحقيق أهدافه وغاياته بالحفاظ على قيمة "المقاومة" بما هي ممارسة إيجابية لضمان استمرار وبقاء ثقافتنا أمام النموذج الغازي.

البعد الديني والثقافي.. في الصدارة

وإذا كنا قد أكدنا في مقال سابق (للمقاطعة وجوه أخرى) على الأبعاد المتعددة للمقاطعة بوصفها عملاً ثقافيًّا ودينيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا؛ فإننا هنا نؤكد أكثر على البعدين الديني والثقافي، بحسب المرحلة الجديدة التي دخلناها، ونحن هنا نمارس عملا جهاديًّا يتصل اتصالا وثيقًا بعقيدة الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين والظالمين، كما أنها ممارسة "تحرير" (لكن ليس على طريقة السيد بوش الاستعمارية) للنفس من التعلق بالظالم والتبعية لثقافة الظلم، وتحرير النفس أساس للتحرر من الاستعمار والاستكبار.

المقاطعة.. إبطال سحر النموذج

الاستعمار الجديد يريد تغيير سلوكنا عن طريق تغيير ما بأنفسنا من مفاهيم وتصورات (مثلا: استعمار العراق: تحرير!!) وبإغرائنا بنموذجه الباهر الذي يسعى إلى تعميمه وفرضه، وهنا يكون التوحد معه ومحاكاته والاندماج مع مفرزاته نوعًا من توهم الالتحاق بذلك النموذج المثالي المزعوم، وهنا تكون "المقاطعة" إستراتيجية لإزالة "سحر" النموذج الغربي، والأمريكي تحديدًا، وإزاحته عن المركز الذي وضعناه نحن فيه. والتحرر من هذا السحر شرط أساسي للإبداع المنفصل عن التقليد والمحاكاة.

إن هذه الرؤية تجعلنا ندرك بعمق كيف أننا نقاطع الهامبورجر -مثلا- لأنه يجسد الطريقة التي تستحوذ بها الولايات المتحدة على حياة الأشخاص العاديين في بقية أنحاء العالم، وتضيق المساحة المتاحة لثقافاتهم الخاصة؛ فالهامبورجر خطير، ليس لأنه يمثل الهيمنة الثقافية فحسب، وإنما لأنه منتج يرغب فيه الآخرون، ويعتبرونه شيئًا متفوقًا وحديثًا. وهنا لا بد من القول: إن ابتكار بديل لكوكاكولا أو الهامبورجر تحت أي مسمى آخر هو تغيير في الشعارات فقط، يتعامل مع المقاطعة على أساس "الربح والخسارة" فقط أي على أساس اقتصادي.

منهج حياة!

إننا ندعو ونمارس المقاطعة بما هي:

- حرية فردية في الاختيارات اليومية بعيدًا عن قهر السوق، وهي بهذا أداة راشدة للتعامل "الحر" مع النظام العالمي الرأسمالي الذي اخترق الحدود ويمارس قهره على اختياراتنا الشخصية.

- ممارسة أخلاقية تستلهم القيم الإسلامية؛ فحين نقاطع بعض السلع الاستهلاكية نمارس فعلا إيجابيًّا؛ إذ نمارس قيمة "الزهد"، ونتجنب "الترف" (متعة الاستهلاك التي تعتبر قيمة غربية)، وهي مفاهيم إسلامية أصيلة.

- فعل حضاري يعي تميزه وخصوصيته أمام نقيضه الغربي والأمريكي تحديدًا.

- منهج حياة يحفظ كياننا من الأخلاط والتشوهات التي تغزوه وتمارس العبث في مفاهيمه وسلوكياته (نظام الأكل والشرب؛ الفيديو كليب... التي تعكس رؤية للذات والآخر ونمط الحياة).

هذه المفاهيم تشرح بدقة معنى قولنا سابقًا: إن المقاطعة ليست ردَّ فعل عدوانيًّا، أو حتى مجرد "عقوبة"، بل هي عملية "إصلاحية بنَّاءة".

فالمقاطعة بهذه المعاني والممارسات هي فعل شعبي وليس حكوميًّا، فعلنا نحن وليس الآخرين، وبهذا نعود للفاعلية، ونتجاوز عجز أنظمتنا الحالية عن التعامل مع هذه التحديات التي نواجهها.

وهي بوصفها فعلا اجتماعيًّا -لا فرديًّا- يتساوى الجميع (رجل، امرأة، طفل) أمام المسؤولية والفاعلية في ضمان استمرارها ونماء ثقافتها (أي المقاطعة)، سواء على مستوى الأسرة والمجتمع أم على المستوى العالمي.

توجه عالمي

لوحظ في الفترة الأخيرة انفلات المقاطعة من ثقافة محلية (عربية أو إسلامية) إلى توجه عالمي بسبب مناهضة ممارسات أمريكا وسياساتها الخارجية؛ فقد نشطت دعوات المقاطعة في دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا في ظل الحرب العدوانية الاستعمارية على العراق، بل وصل الأمر بمجموعة من الاختصاصين الألمان في علم الألسنية إلى مقاطعة المفردات الأنجلوساكسونية الشائعة في ألمانيا، واستبدال مفردات فرنسية بها بسبب الموقف من الحرب؛ الأمر الذي يذكرنا بمقاطعة الممارسات السلبية التي تخلط الجمل العربية بكلمات إنجليزية من دون مبرر والتي أفسدت لغتنا العربية، فضلا عن أنها تختزن مع بعض الناس نوعًا من التفاخر والتباهي بهذا، نتيجة سحر النموذج الذي تحدثنا عن ضرورة إبطاله.

هذه التحركات الدولية تستوجب الالتفات إليها، والبحث عن إيجاد قنوات تواصل وتفاعل معها لتكوين حركة عالمية للمقاطعة.

مسؤوليات مجتمعية

أثبتت ثقافة المقاطعة فاعليتها على المستوى المحلي، ولزيادة تلك الفاعلية وضمان استمراريتها يمكن اقتراح الوسائل التالية، سواء على مستوى العائلة أم المجتمع:

- زيادة اللجان الوطنية من المجتمع المدني للإشراف على سير المقاطعة وترشيدها.

- التواصل بين الجماعات العاملة على بثّ ثقافة المقاطعة والتنسيق بينها، وتداول الأنشطة والفعاليات والتحليلات، سواء على المستوى المحلي أم القومي.

- تكثيف القنوات الاتصالية مع الجماهير من خلال "الإنترنت، الصحف، الفعاليات الشعبية، والأنشطة الطلابية في المدارس والجامعات، وتجمعات الحي والعائلة والأصدقاء"، والإجابة على الأسئلة والاستفسارات عبر الإنترنت أو البريد أو غير ذلك.

- بث ثقافة المقاطعة من خلال العديد من الوسائل الصحفية والإعلامية والفنية (الرسوم والأغاني...)، ومن المهم التركيز في ذلك كله على كون المقاطعة فعلا وليس رد فعل.

- تكوين لجنة من استشاريين وخبراء في المقاطعة لمتابعتها، ووضع الدراسات حولها، وتقديم الحلول والاستشارات للجماعات الناشطة.

- إنشاء صندوق لدعم أولئك العاملين في الشركات موضوع المقاطعة لعدم إلحاق الضرر بهم.

مسؤوليات أسرية

أما على مستوى الأسرة فيمكن اقتراح الوسائل التالية:

- إدراج ثقافة المقاطعة ضمن عملية بناء وعي الأطفال من خلال شرح معانيها لهم: ماذا نعني "بالمقاطعة"؟ ولماذا نقاطع؟ وكيف نقاطع؟ وكيف نمارس ثقافة المقاطعة؟ ولا بد من استثمار هذه الظروف الحالية لبث الوعي لدى الأطفال بما يجري، وماذا نفعل؟

- الإثابة على المقاطعة عندما يثبت الطفل قدرته على الاستغناء عن منتجات كان قد اعتاد عليها.

- يمكن أن يشارك الأطفال أنفسهم في نشر ثقافة المقاطعة بين الأصدقاء وتوزيع القوائم والسلع المقاطعة مثلا، وشرح مفهوم المقاطعة بين أصدقائهم وإجراء حوارات بينهم ومناقشات.

- ابتكار وسائل إنتاجية (كالصناعات الصغيرة) في المنزل للاستغناء عن بعض السلع الاستهلاكية.

- ممارسة الدعوة للمقاطعة، وشرح معانيها، وترسيخ مفاهيمها في نطاق الأسرة الممتدة.

اقرأ أيضًا:


** كاتب وباحث سوري


أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع