|
|
|
لا يجد من يسكن آلامه بعد توقف الخدمات الصحية
|
جاء
تشكيل هيئة الأمم المتحدة لإغاثة
وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"
ليواكب الحدث الفريد في ذلك الوقت، ألا
وهو خروج مصطلح "لاجئ" إلى الوجود؛
فقد نتج عن قيام إسرائيل عام 48 نزوح ما
يربو على نصف مليون فلسطيني عن مدنهم
وقراهم إلى مدن أخرى داخل فلسطين أو
خارجها على السواء.
وكان
الصليب الأحمر الدولي هو الذي يقوم
بالإشراف العام على أوضاع هؤلاء
اللاجئين حتى عام 1951 واستلام وكالة
الغوث لتشغيل اللاجئين "الأونروا"
مسؤولية هذه المخيمات؛ فقامت بتحسين
الأوضاع الاقتصادية لهذه المخيمات، فقد
كانت المشكلة الأساسية هي الحد من ظاهرة
المجاعة التي كانت منتشرة بشكل كبير في
المخيمات، فعمدت في البداية إلى تقديم
المواد الغذائية التي تكفي الناس للعيش
حتى تم وقف المجاعات وإنعاش الناس.
وفي
المرحلة الثانية قامت الوكالة بالعناية
بالأمور الأخرى وتقديم الخدمات اليومية
مثل الصحة والتعليم وتشغيل اللاجئين من
خلال المشاريع التي بدأتها في عام 1955،
عند قيامها ببناء الوحدات السكنية
الإسمنتية واستغنائها عن الخيام، ورغم
أن الأوضاع لم تكن الأحسن فإنها كانت
مقبولة، فقد وفرت لكل أسرة غرفة واحدة،
وسمحت لمن يقتدر الزيادة على البناء
فيما بعد.
تراجع
الخدمات
واصلت
الوكالة خدماتها التي كانت تكفي إلى حد
ما احتياجات جميع أبناء المخيمات، ولكن
الوضع في هذه الأيام اختلف كثيرًا،
فبالرغم من الأوضاع الاقتصادية السيئة
التي يعيشها أبناء المخيمات وما خلفته
الاحتياجات المتواصلة لهذه المخيمات من
فقر وبطالة وتدمير للبنية التحتية لهذه
المخيمات، فإن الوكالة قامت مع بداية
انتفاضة الأقصى بتقليص خدماتها بشكل
ملحوظ استكمالاً لما بدأته في
الثمانينيات.
فمع
بداية الثمانينيات قامت الوكالة بتقليص
خدمتها من خلال تقليص الميزانية، وبدأ
مستوى هذا التقليص يرتفع بشكل كبير في
التسعينيات، ففي عام 1993 وصلت نسبة
التقليصات إلى أكثر من 35%؛ وهو ما يشير
بشكل ملحوظ إلى أن هذه التقليصات ذات
أبعاد سياسية.
ولم
تتوقف هذه التقليصات إلى هذا الحد، فمع
انطلاقة انتفاضة الأقصى وفي العام 2001
قلصت الوكالة من حجم ميزانيتها، حيث
بلغت نسبة العجز في الميزانية إلى 1000%،
حيث وصل العجز إلى 20 مليون دولار.
هذه
الأرقام وبالمقارنة مع الحقائق التي
تقول بأن المخيمات الفلسطينية كانت
أكثر الشرائح الفلسطينية تضررًا خلال
هذه الانتفاضة، توضح الكارثة التي
تتهدد هذه المخيمات. ففي دراسة أعدها
مركز الميزان بعنوان "الانتفاضة خلال
عامين في أرقام" تبين التوزيع النسبي
للشهداء حسب التجمعات السكنية، أوضح أن
8.93% من مجموع الشهداء هم من المخيمات،
بالإضافة إلى أن 58.9% من أصحاب المنازل
التي دمّرها الاحتلال خلال انتفاضة
الأقصى هم من اللاجئين.
هذه
الدراسة تظهر حجم المأساة التي يعيشها
أهالي المخيمات وخاصة في عام 2003؛ حيث
أعلن الناطق باسم الأونروا "رينيه
أكوارون" أن وكالة غوث وتشغيل
اللاجئين لفلسطينيين تحتاج إلى 7.39
ملايين دولار للجزء الأول من العام 2003،
وأنها لم تحصل حتى اليوم إلا على مبلغ
زهيد بقيمة 10 آلاف دولار.
مسلسل
التنازلات
ومع
تضاؤل الأمل بعودة اللاجئين إلى
أراضيهم المغتصبة بدأت المعونات
المقدمة لهم من الأونروا "تتقدم
وبالتقليص"، أي أنها استمرت، لكن في
كل مرة كانت تتقلص، فموظف الوكالة كان
يأخذ من المساعدات المقدمة للاجئين،
ولكن بعد فترة توقف الموظف عن نيل
الخدمات وبات كل من له علاقة بالوكالة
لا ينال حظه من المساعدات، سواء أكان
موظفًا أو مدرسًا في مدارس الوكالة حتى
مراسل مكتب الوكالة في المخيمات انضم
إلى قائمة المحرومين.
ومع
اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 أصبحت
الأونروا تتململ من الاستمرار في تقديم
المساعدة، خاصة مع تزايد عدد اللاجئين
إلى أضعاف ما كان عليه؛ فالأسرة التي
كانت مكونة من 5 أفراد عام 48 تضاعفت
بصورة طبيعية لتصبح 5 أسر، وهكذا شعرت
الأونروا بالضغط، وراحت تقلص من
خدماتها الطبية والتعليمية والتموينية.
ومع
كل يوم يمر على اللاجئين الفلسطينيين
تزداد حاجتهم إلى الخدمات الصحية
والتعليمية والتموينية بصورة كبيرة إلا
أن وكالة الأونروا كانت تسير في الاتجاه
المعاكس، وباتت تتدخل في خصوصيات
الأسرة اللاجئة، حيث طالبت أولياء
الأمور بدفع جزء بسيط كقسط لطلبة
المدارس، مع العلم بأن التعليم حتى
نهاية المرحلة الأساسية مجاني مع توفير
كل المستلزمات المدرسية، صحيح أن
المبلغ كان صغيرًا إلا أنه كان يلقي
بظله على الآباء وخاصة العاطلين منهم
على العمل.
وعلى
الصعيد الصحي لا يوجد في مخيم بلاطة
كغيره من المخيمات سوى عيادة صحية واحدة
"لنحو 20 ألف لاجئ، وتقع في السهل
الشرقي لمدينة نابلس على مساحة تبلغ
كيلومترًا مربعًا" تفتح أبوابها 6
ساعات فقط في اليوم، وطبعًا غير قادرة
على معالجة كل الأمراض، ولهذا أبرمت
الأونروا معاهدة اتفاق مع مستشفى
الاتحاد في المدينة على تخصيص 8 أَسرّة
لأهالي المخيمات الفلسطينية الأربعة في
المدينة على أن يكون العلاج بالمجان،
وبعد مدة ليست بالطويلة بات على اللاجئ
دفع 25% من قيمة العلاج.
لكن
الأمور أخذت بالتراجع بصورة متسارعة
جدًّا، فقد طالبت الوكالة من لجان
الخدمات في المخيم بتحديد أسر معينة
تستحق المساعدة -كأنها لا تدرك أن
الجميع يستحقونها- وبات هنالك تصنيف
جديد للمجتمع اللاجئ، وظهرت عائلات
تُكنى "بحملة بطاقة الشؤون" حيث
يقوم رب العائلة بتقديم طلب لمكتب
الوكالة يشرح به وضعه، وبعدها يقوم
موظفو الأونروا بزيارة بيت الطالب
للمساعدة وإجراء تحقيق معه عن أوضاعه
ومصدر دخله، وإن كان أحد أبنائه فوق سن 18
يمنع من نيل شرف الحصول على البطاقة
وغيرها الكثير من الحجج؛ وهو ما يسبب
حالة من الإرهاق النفسي الكبير للاجئين
حيث باتوا يتسولون ويشحذون ليبقوا
أحياء.
أثار
سلبية
وجه
السيد بيتر هانسن المفوض العام لوكالة
"الأونروا" تحذيرًا شديدًا من أن
الأنشطة الطارئة التي تمارسها الأونروا
في الضفة الغربية وغزة سوف تنفد مواردها
بل وستتوقف في أواخر شهر آذار/مارس2003،
بما في ذلك تغذية 1,1 مليون شخص، ما لم تصل
على الفور التبرعات من المجتمع الدولي،
لكن لا حياة لمن تنادي.
وكانت
الأونروا في كانون الأول/ديسمبر 2002 قد
طلبت من المجتمع الدولي تقديم 94 مليون
دولار أمريكي لمساندة برامجها الطارئة
في الأراضي خلال الشهور الستة الأولى من
عام 2003.
ويشير
محمود حرب مسؤول العلاقات العامة في
لجنة خدمات مخيم بلاطة إلى أن غياب
المعونات من الأونروا أدى إلى ما يلي:
1.
اضطرت الأونروا بالفعل إلى تخفيض حجم
المؤن المخصصة لـ 120.000 أسرة لاجئة في
غزة، في حين تم الاستغناء عن 1.600 من
موظفي الطوارئ في الضفة الغربية، كما
توقفت المدفوعات المخصصة لإسعاف
اللاجئين.
2.
سيتم إلغاء العمليات الإنسانية
الضرورية، بما في ذلك إعادة تسكين
اللاجئين الذين شردتهم القوات العسكرية
الإسرائيلية في الوقت الذي تتصاعد فيه
عمليات الهدم، فقد أوقفت الأونروا منذ
1-4-2003 إعادة أعمار وترميم المنازل التي
هدمتها إسرائيل في المخيم، كما أن
الوكالة لم توافق على بناء أي منزل يعود
لمقاوم فلسطيني سواء استشهاديا أو
معتقلا أو مطاردًا.
ووضعت
الوكالة قيودًا تعجيزية في محاولة منها
للتملص من الاستمرار في واجباتها،
فالمستأجر والمنزل الذي يقطنه شخص واحد
والمحال التجارية الملحقة به وأهالي
المقاومين جميع هؤلاء محرومون من
المساعدة.
كما
أنه لن يكون من الممكن الاستمرار في
تقديم إمدادات الطعام والمخيمات
والأموال للمشردين ما لم تصل المعونات.
3.
وقف العمل في برنامج الطوارئ لتشغيل
عمال وموظفين من مخيمات اللاجئين في
مراكز تابعة للوكالة مثل العيادات
الطبية والمدارس والمراكز النسوية
والشبابية.
وكانت
وكالة الأونروا قد بدأت في تنفيذه منذ
بداية الانتفاضة، وتوقف العمل في
البرنامج يعني حرمان أكثر من 220 ألف
عائلة، أي مليون فلسطيني، من الحصول على
مساعدات غذائية منتظمة شهريًا تقدمها
وكالة الغوث للفئات الأكثر عوزًا في
المجتمع الفلسطيني.
ويقول
حرب بأن الوكالة قد أوقفت بالفعل 70% من
العمال في البرنامج ومتوقع حتى 30-6-2003 أن
ينتهي العمل بالبرنامج بصورة كلية.
ويشير
حرب إلى أن نسبة البطالة في المخيم
تجاوزت 75%، خاصة أن معظم سكان المخيم
كانوا يعتمدون على العمل في إسرائيل قد
اندلاع الانتفاضة.
4.
على المستوى الصحي سيؤثر قرار التقليص
على عمليات تطعيم مئات الآلاف من
الأطفال والرضع والبرامج النفسية،
وكذلك وجود أكثر من 320 مصابًا بحاجة إلى
علاج، هذا بالإضافة إلى أن الأونروا قد
تعلق اتفاقها مع المستشفيات الحكومية.
كما
أن المستشفى الوحيد للوكالة موجود في
مدينة قلقيلية، وهذا يعني أن المرأة
الحامل على سبيل المثال ستضطر للسفر إلى
المدينة لتضع مولودها وهذا مستحيل في ظل
الظروف الراهنة.
كما
أن المساعدات التي تقدمها الوكالة لذوي
الاحتياجات الخاصة من سماعات لفاقدي
السمع والنظارات الطبية والعكازات،
بالإضافة إلى عمليات الجراحية قد تتوقف.
وعلى
صعيد المياه، فإن الأونروا قد تتوقف عن
استكمال تمديد شبكات مياه الشرب، وهذا
قد يتسبب بتلوثها بسبب مياه المجاري،
خاصة أن شبكات التصريف في المخيم شبه
مدمرة بسبب الاجتياحات العسكرية
المتكررة للمخيم.
وقرار
وقف العمل بالبرنامج الطارئ يعني أن
معظم عمال النظافة في المخيم سيتوقفون
عن العمل، وهذا يؤدي إلى تراكم النفايات
في أزقة وشوارع المخيم؛ وهو ما ينتج عنه
ظهور الأمراض والأوبئة المعدية.
5.
على صعيد التعليم: فإن توقف المساعدات
يعني حرمان نحو 2500 طالب وطالبة من حقهم
في التعليم، هذا بالإضافة إلى أن توقف
المساعدة أو تقليصها يعني التوقف التام
عن بناء غرف صفية للتخفيف من الاكتظاظ
الهائل الذي تعاني منه مدراس المخيم
الخمس.
ويبدو
أن قطاع التعليم من أكثر القطاعات
تأثرًا بتوقف المساعدات:
أ.
كانت المدارس التابعة للوكالة تقدم
لطلبتها القرطاسية مجانًا، والآن توقفت
عن تقديمها، كما أن الكتب المدرسية
تتأخر في الوصول في بداية كل سنة دراسية
حتى شهور من بدء الدوام.
ب.
المرافق الصحية: تعاني مدارس الوكالة من
نقص شديد حاد في المرافق الصحية؛ فعلى
سبيل المثال لا يوجد سوى 8 حمامات في
المدرسة الإعدادية للبنات والتي تضم
نحو 1800 للدوام الصباحي فقط.
ت.
الغرف الصفية: فالمدرسة الابتدائية
آيلة للسقوط، خاصة أن عمرها يزيد على 40
عامًا، وتعاني من اكتظاظ شديد في صفوفها.
ث.
جمع أقساط مدرسية من الطلبة، وهذا الأمر
لم يكن موجودًا في المدارس التابعة
للأونروا من قبل، حيث كان الدفع
اختياريا لمن هو قادر عليه، الآن الضغط
الكبير الذي تعرض له القطاع التعليمي في
مخيمات اللاجئين حدا بها لإلزام الطلبة
بدفع مبلغ مالي معين.
ج.
إلغاء جميع المنح التعليمية المقدمة
للمتفوقين من طلبة المخيم.
حجة
العراق.. مستهلكة
يقول
محمود حرب بأن وقف المساعدات أو تقليصها
بحجة إعادة إعمار العراق هي مستهلكة؛
لأن الأونروا كررت ذات الحجة بعد حرب
الشيشان وأفغانستان وغيرها من الحوادث
على الصعيد العالمي.
ويشير
حرب إلى أنه كلاجئ يشعر تمامًا بما يصيب
أي لاجئ آخر في العالم، لكن وكالة
الأونروا تتشبث بأي حدث لكي تقلص من
خدماتها.
وأضاف
أن جملة المصادر المحدودة "limited
sources" باتت دارجة على لسان مندوب
الوكالة الذي كان يأتي لزيارة المخيم؛
لأن الدول المانحة في رأيه قد قلصت من
الأموال التي كانت تقدمها للوكالة، وهي
الآن مشغولة بأحداث جديدة على الصعيد
الدولي.
ولم
ينف حرب أن هناك تدخلاً
واضحًا من دول غربية في سياسة الوكالة
خاصة الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث
بات عمل الوكالة في الآونة الأخيرة تطغى
عليه الناحية السياسية أكثر من
الإنسانية.
اقرأ
معنا وتذكر فلسطين:
اقرأ
أيضًا:
**
صحفي فلسطيني/ مكتب النجاح (نابلس)
|