|
|
|
حتى اللعب يمكن أن يحرم منه هذا الطفل
|
قليلة
جدًا هي المرات التي أدخل فيها إلى صميم
أحد المخيمات.
وهذه
المرة كانت الزيارة إلى مخيم برج
البراجنة في بيروت، الذي كان كغيره من
المناطق اللبنانية يعيش وطأة البرودة
القاسية في أيام العواصف الثلجية التي
تزور لبنان.. طرقات المخيم الضيقة جدا..
والمتعرجة.. والعديدة.. تجعلك تفكر في
ألف خاطرة وألف حكاية.
خارج
حدود الزمن
هنا..
يعيش أهل فلسطين الأصليون الذين هجّرهم
العدو الصهيوني، فألقت بهم الأقدار في
عوالم الإهمال والفقر وبساطة العيش
التي تجعلك تنسى فور دخولك أسوار المخيم
أنك تنتمي إلى حضارة القرن الحادي
والعشرين؛ فزمن المخيم وتاريخه لا
يشبهان زمن بقية العالم.
وكانت
المفاجأة لدى سؤالنا عن المعونات التي
تقدمها "منظمة الأونروا" إذ أجمع
الكثيرون أو بالأحرى الكل أنها لا تكاد
تذكر، ولكن على الرغم من ضآلتها فإنها
تفرِج كرب أشد الناس فقرا وحاجة.. كان
الوضع في المخيم مأسويا جدا، وكما عبر
أحد الذين التقينا بهم: نحن الآن في حكم
الأموات.. فماذا لو قطعت هذه المعونات
نهائيا!!.. حينها ربما يصبح الحق مع امرأة
أخرى شاركت في الحوار، فقالت في معرض
إبداء رأيها وموقفها: "حينها سنموت
أكثر وأكثر...".
مأساوية
الأوضاع
اللقاء
الأول في المخيم كان في منزل أبو كامل
العلمي أحد وجهاء المخيم الذي لم نستطع
التحدث إليه بسبب سوء وضعه الصحي.. كان
الرجل نائمًا بفعل المرض والتعب. فتحدثت
إلينا زوجته "أم كامل" مبدية أسفها
وحسرتها على الوضع الذي يعيش فيه سكان
المخيم.
أمل
كامل من "الكويكان" في الشمال
الفلسطيني قالت بأن أولادها تزوجوا،
وهي تعيش مع زوجها المريض بالسكري والذي
أصيب بأكثر من جلطة! وقالت: رغم بساطة
المساعدة التي تتلقاها هي وزوجها فإنها
تسد حاجة بسيطة، ويكفي أن تسد لنا زاوية
صغيرة من مصاريفنا واحتياجاتنا، كما
قالت.
وعندما
أخبرتها أن الأونروا قد توقفت كل
مساعداتها زاد الخبر من حسراتها، على
اعتبار أن عبئها وزوجها سيتحمله
أولادها المتزوجون الذين بالكاد
يستطيعون تأمين متطلبات عائلاتهم.
وقالت
أم كامل: إن المسكين من أبناء المخيمات
هو الذي يملك ولدًا ولا يملك مصدرًا
يساعده.. "حينها يكون عليه أن يشحذ من
الآخرين".. هكذا بكل بساطة، أهل الخير
قد يجودون عليه بما يساعده على إكمال
حياته.
وفي
زقاق ضيق آخر من أزقة المخيم ندخل إلى
غرفة عائشة محمود أحمد المصابة بعدة
أمراض أقعدتها طريحة الفراش، ولا معين
لها ولا مساعد إلا الله.. كلما حاولت
عائشة الكلام، غلبها البكاء.. فوضعها
يعز عليها.. فهي بحاجة إلى أدوية كثيرة
وفحوصات دورية لا تستطيع الأونروا
توفيرها لها. وحينما سألناها عن المنح
والمساعدات المالية أخبرتنا أنها
انقطعت منذ زمن.. لم يتبق إلا مساعدة "القضية"،
وهي عبارة عن منحة تقدر بعشرة دولارات
تأتي كل ثلاثة أشهر؛ أي أن المحتاجين
والبؤساء يتلقون ما قيمته ثلاثة
دولارات تقريبا كل شهر من "الأونروا".
وتعود عائشة إلى البكاء وإلى القول: "ليس
لي سوى الله".
ضعف
الرعاية الصحية
أما
الموظف الإداري في مستشفى حيفا "محمد
الشيخة"، وهو من أهل قرية "الكابري"؛
فإنه يزفر زفرة عميقة تدل على سخطه
الشديد من الأوضاع الصعبة والمجحفة
التي يعيشها كل سكان المخيمات.
أقول
له بأن تقديمات الأونروا من الممكن أن
تحتجب، فيخبرنا عن تراجعها المستمر..
فالمنح والمساعدات تقل كل فترة.. لا أحد
يأخذ مساعدة شهرية مالية.. حتى المعونات
الصحية والطبية باتت صعبة جدا
ومتعسرة.. والمريض مسموح له بأسبوعين
فقط في مستشفى حيفا، عليه أن يشفى
خلالهما أو يخرج بانتهائهما!
ويضحك
محمد لشدة ألمه قائلا: نحن مع بعض
المساعدات نكاد نموت كل يوم؛ فكيف إذن
إذا قطعت نهائيا؟! حينها سيموت الناس
أكثر.. وسنشهد ذلا أكثر.. الله يلطف..
مواطنة
فلسطينية أخرى سردت على مسامعنا بعضًا
من قصص المآسي والفقر والحياة الصعبة
التي يحياها أولئك الناس. فهناك عائلة
تحتاج إلى عملية زرع نخاع لولدها، لكن
أمام العجز المادي وعدم مساعدة
الكثيرين فإن الولد محكوم عليه بالموت.
وما
أكثر الذين ماتوا في سكوت؛ لأن الحاجة
خنقتهم، وما أحبوا أن يصرخوا أو
يستعطفوا، ولكن بكل الحالات فإنهم لو
طلبوا، ولو صرخوا، ولو ألحوا.. لما سمعوا
جوابا ولما وجدوا معينًا.
وقد
قال لنا موظف المستشفى في المخيم: كل
إنسان تجاوز الستين من العمر لا إعالة
طبية له، وعليه أن يدبر حاله!! أما عن
الأدوية والعلاجات فمشاكلها أكثر من
وجودها.. وبالتالي تبقى الأجواء موحية
بما قيل "نحن مع بعض المساعدات نعيش
كالأموات.. فكيف إذن حين توقفها؟..."
توقف
المدارس
تؤكد
"فاطمة دباجة" -من سكان المخيم-
أنها لا تتلقى أي إعانة أو مساعدة،
لكنها أردفت: "أهلي يأخذون قضية" (منحة
كل 3 أشهر قدرها 10 دولارات).
وتضيف:
صحيح أن المبلغ لا يفعل شيئا، لكن هناك
عائلات لشدة وضعها المأساوي فإنه يساعد
في سد بعض الاحتياجات. وتساءلت بدورها
عما إذا كانت خطة التقشف الآتية ستشمل
مدارس الأولاد.. فبالنسبة لسكان المخيم
تبقى مدارس الأونروا هي الحل الوحيد،
وفي حال توقفها فإن الأولاد سيكون
مصيرهم الشارع لا محالة.
اقرأ
معنا وتذكر فلسطين:
اقرأ
أيضًا:
**
كاتبة وإعلامية لبنانية -
جنوب لبنان
|