|
ما
سوف أسطره الآن لا يمت للخيال والتأليف
والمبالغة بصلة؛ إنها رواية صادقة
لموقف واقعي حقيقي لا زيف ولا تزيين ولا
مبالغة فيه، ما حدث وما كان من الوضوح
وقوة التأثير بما يكفي أن يضمن لي أنك
ستقرأ هذه الأسطر إلى نهايتها، بما يضمن
أن أمسك بلب وقلب القارئ إلى آخر كلمة
وحتى آخر حرف.
التوقيت:
ليلة الحادي عشر من محرم، بعد يوم طويل
طويل، وصيام كان صعبًا أسأل الله أن
يتقبله.
المكان:
بيت عادي كآلاف وملايين البيوت في
القاهرة (العاصمة بسكانها).
الحالة:
المرض، الصداع النصفي، آثار آلام ما بعد
عملية جراحية صغيرة.
كانت
هذه حالتي بعد إفطار يوم عاشوراء،
التعب، الإنهاك والرغبة الشديدة لنيل
قسط من الراحة، وسرعان ما لبى الجميع
طلبي، أطفئوا الأنوار وهدأت الأصوات
وسرعان ما غادرت هذه الدنيا إلى مكان
وزمان آخر.
الرحلة
المكان:
شاليه (فيلا) مؤسس بالفرش الحديث تشم فيه
راحة الذوق الأمريكي، واسع مريح، ولكن..
كل الحوائط والأبواب من... زجاج.
الموقع
الجغرافي: على شاطئ البحر المتوسط في...
جنوب لبنان.
الزمان:
ربما الآن، الأمس، غدًا.. لا أجد فرقًا،
ما بعد الساعة التاسعة مساءً.
الظلام
يعم المكان لا ضوء بالخارج، فحتى القمر
منزوٍ يستحي الخروج في مثل هذه الليلة
الداكنة السوداء.
الأشخاص:
وفود صحفية من شتى الدول، جاءت في مهمة
عمل.
كنت
أنا ضمن أحد هذه الوفود التي أخذ كل منها
يتعرف على الآخر. ما لبثت أن وجدت "ضالتي"
ها هي يا للفرصة إنها فاطمة بري مراسلة
تلفزيون المنار.
فجاءت
دون إنذار، أو صفارات أو تحذير بدأ كل
شيء في التحول، السماء أنارت وكأننا في
وضح النهار.. السبب .. القنابل المضيئة
بدأت الطائرات تسقط أطنانًا من القنابل
التي حولت سكون الليل إلى ما يشبه ضجيج
حفلات عمرو دياب.. دخان، أنوار تضيء
وتختفي.
الكل
تحول فجأة من جراء الخوف، الهلع، الجزع
والرعب إلى ما يشبه الأصنام، لا حراك،
لا كلام ولا حتى همس، الكل مترقب.. حتى..
أين كيف ستنزل القذيفة القادمة على
اليمين، الشمال، على بعد أمتار، أم.. فوق
الرأس.
وقعت
القنبلة الأولى ولكنها لم تنفجر.. الكل
رآها تقع في البحر على بعد أمتار، لم يكن
يفصل بين الفيلا والبحر سوى عدة أمتار
من الرمال.
كنت
واقفة مع مجموعة من النساء مستندات
الظهر إلى الحائط الزجاجي للفيلا.
بجواري على اليمين فاطمة وعلى اليسار
أخريات لا أعرفهن. بدأ الخوف والرعب يدب
أكثر فأكثر، بدأت الأطراف تشل والأذهان
تتوقف عن التفكير، الأرجل لم تعد تحمل
الجسد الفزع، المرتعد، بدأنا تدريجيًا (كالتصوير
البطيء) في الجلوس أرضًا.
وفجأة..
كسر جزء من الزجاج المستندات عليه
بواسطة زجاجة من العطر الرجالي التي وقعت
على يساري. وسرعان ما تبعتها علبة
نحاسية – كسرت فجوة مستديرة من الزجاج
على اليمين ما بيني وبين فاطمة والعلبة
عليها رسومات – من هول الذهول لم أستطع
التركيز ماكدونالد – كنتاكي.. الله أعلم.
لم
تمر ثانية حتى امتدت يد طويلة قذرة عن
يساري وأخرى عن يميني مخترقتين من خلال
فجوة الزجاج، وأخذتا تحيطان بي،
وتعبثان بجسدي.
أخذت
أقاوم أحاول الاستدارة لرؤية هذا..
الوحش.. (البشري).. دون جدوى أحاول
الإفلات، أحاول الهرب أحاول فقع عينه،
أحاول إبعاد يده.. دون جدوى فقد تم
تقييدي. لم أصغ، لم يسمع مني صوت.. خفت أن
يخرج الصوت أن يحل البلاء على الجميع.
الأيدي
تعبث أكثر فأكثر.. بدأت أذهل، أفقد الوعي
بدأت الصور تتلاشى، الأحاسيس تتوقف،
الأعين لم تعد ترى شيئًا والأذن لم تعد
تسمع شيئًا. شيء واحد أخذ يملأ مخيلتي،
أخذ يسيطر علي.. بدأت أرى شيئًا فشيئًا
كل صور التعذيب على مر التاريخ..
المسيحيين على يد الرومان، سيدنا بلال،
عمار، ياسر، .. وسمية ها هي أول شهيدة وها
أنا.. ألحق بها.
وقعت
صريعة مقتولة.. خرجت الروح.. رأيتها
كسحابة بيضاء صافية كصفاء قطرات الندى
على وريقات الفل في صباح جديد. ولكنها
بالرغم من صفائها ما زالت مرتعدة، فزعة.
أما
الجسد.. أخذت فاطمة تدنو منه، تلملم
بقايا الملابس لتواري سوءته، تحنو
عليه، تحيطه بذراعيها وتبلل ذهول الوجه
بدموعها الصادقة.
*
أخذت الروح ترفرف في المكان.. تسأل بأي
ذنب قتلت.. ولكن من تسأل.. الكل صنم.. لا
حراك.. وكأن الروح منزوعة وما هي بمنزوعة..
وجدت من كان في الدنيا ولي أمرها.. سألته..
رأيت ما حدث لي.. أجاب نعم، "من هذه
الفجوة" ولم تفعل شيئًا؟.. ولم تنتقم؟".
*
بدأت شفتاه في إيجاد تبريرات لا معنى
لها، "إنهم اعتقدوا أننا إرهابيون..
قد ربطوا بيننا وبين المتطرفين".
أحست
الروح أنه لا فائدة، لا جدوى من الكلام
أشاحت بوجهها، أدارت ظهرها.. وسمعت من
الخلف.. ولكن سوف أنتقم.. سوف أنتقم.. ثم
انزوت الروح بعيدًا بعيدًا بعيدًا.
اقرأ
أيضًا:
**
رئيسة القسم الاجتماعي بموقع إسلام أون لاين.نت
|