 |
|
المجتمع الإيراني يشهد تطورات مثيرة للجدل |
خلافا
لما عليه الحال في العديد من المجتمعات
الشرقية يشكو الكثير من الرجال في
المجتمع الإيراني من ظاهرة سيادة
المرأة -(زن سالاري) حسب التسمية الشائعة
بالفارسية- وتحكّم الزوجة في الحياة
الأسرية على نحو يجعل الزوج تابعاً
وخاضعاً لقراراتها في إدارة شؤون
الأسرة.
إن
ظاهرة "زن سالاري" موجودة في أوساط
دون أخرى داخل المجتمع الإيراني؛ أي هي
ليست طاغية، ولا تنطبق على كل نساء
إيران اللواتي يشكون ليل نهار من الظلم،
ومن تسلط الرجل، حتى وإن كان "زن ذليل"
بتعبيرهم (وتعني بالعربية الذليل
للمرأة)، ولكن تبرز هذه الظاهرة بوضوح
في الأوساط الحضرية الكبيرة، لا سيما في
مجتمع مدينة طهران التي يقطنها أكثر من
10 ملايين نسمة. وبوسع كل من يزور مناطق
العاصمة الشمالية التي تسود فيها أجواء
المجتمع المرفه أن يشاهد الحضور اللافت
للمرأة، وانقياد الرجل لها كما يحدث
عادة عند التسوق؛ حيث تكون المرأة هي
صاحبة القرار في الانتقاء والشراء،
فضلا عن استحواذها على ميزانية الزوج بل
وحتى محفظة نقوده!.
وكذلك
هو الحال عندما يهم المتزوجون الجدد في
البحث عن مسكن مستقل؛ إذ تكون الزوجة هي
التي "تفاوض" أصحاب مكاتب بيع
وتأجير العقارات، وتحديد مواصفات عش
الزوجية، وما على الزوج (المغلوب على
أمره) سوى القبول صاغراً لما تختاره (الخانم).
وعادة
ما تصر المرأة الإيرانية على أن يكون
العقار باسمها، وبالنسبة للرجال الذين
يملكون عقارات للإيجار فإن الزوجة هي
التي تقرر قيمة الإيجار، وحتى صيغة
التعاقد مع المستأجرين.
وبسبب
نزعة التسلط لدى المرأة الإيرانية؛ فإن
الزيجات التي يعقدها مهاجرون مقيمون في
إيران مع نساء هذا البلد كثيراً ما
تنتهي إلى الطلاق المبكر بطلب من الزوج
الذي لا يطيق "استبداد الخانم" في
داخل البيت، أو من الزوجة التي لا تتحمل
أن يكون زوجها "سي سيد"!!.
أما
الأزواج الإيرانيون فنادراً ما يبدون
تبرماً إزاء ظاهرة "سيادة المرأة" (زن
سالاري) إلا إذا كانوا يقيمون في
مجتمعات عشائرية تستهجن انقلاب الأدوار
داخل الأسرة، وتصف الرجل الذي يقبل بذلك
بأنه "زن ذليل".
ويقول
أحمد فائق -عربي مقيم في إيران- لـ"إسلام
أون لاين.نت": "تزوجت بفتاة إيرانية
بعد أن وقعت في حبها أثناء الدراسة
الجامعية في طهران، وفي الأيام الأولى
لشهر العسل فوجئت بها ذات مرة تطلب مني
أن أهيئ مائدة الطعام لانشغالها
بمتابعة برامج تلفزيونية، وحين قلت لها
إن واجبات المطبخ هي من اختصاص الزوجة،
أجابتني بحدة: وهل تظن أنك تزوجت جارية؟!".
ويضيف: "اعتمدت في البداية أسلوب
المسايرة، ولكن بعد أن رزقنا بطفل ازداد
تسلطها، وأخذت تصدر لي أوامر بشأن رعاية
الطفل الوليد وتنظيف المنزل، وتحاسبني
عن كل صغيرة وكبيرة في المصروف حتى
اضطررت لتهديدها بالطلاق ، وللأسف لم
يجد ذلك نفعا".
رأي
الزوجات
 |
|
الزوج الإيراني يشارك زوجته في تربية الأبناء |
وإذا
كان الأزواج الإيرانيون أو غيرهم لا
يستسيغون الانقياد للمرأة أو يقبلون
ذلك عن مضض.. فإن النسوة الإيرانيات يرين
في سيادة المرأة -أو زن سالاري- ظاهرة
إيجابية وحضارية، بل إنهن يعدنها من
عوامل النجاح والاستقرار في الحياة
الزوجية والأسرية.
تقول
السيدة "شبنم حيدري" -35 عاما- لـ"إسلام
أون لاين.نت": "في سنوات زواجي
الأولى كان زوجي يبدي امتعاضاً حين أطلب
منه -مثلا- غسل الأواني، وترتيب المنزل،
والاهتمام بالطفل، أو عندما أكلفه
بحمله عند الخروج للتسوق أو للنزهة،
ولكنه بمرور الزمن اعتاد على ذلك، وأصبح
يقوم بالمهام التي أوكلها إليه بكل
امتنان، حتى أنه لم يعد يتردد في توكيلي
إدارة ميزانية الأسرة، وتسليمي مرتبه
الشهري كاملا"، وتضيف: "إن المرأة
أكثر كفاءة من الرجل في تنظيم شؤون
الأسرة وترشيد اقتصادها، وكلما كان
الرجل منسجماً مع مزاج زوجته فإن
السعادة والهناء ستسودان أجواء البيت".
وتعتبر
"شبنم" استجابة الزوج لأوامر زوجته
دليلاً على الحب بما يدفعها لمبادلته
حباً أكبر!، وترفض توصيف زوجها بأنه "زن
ذليل" من قبل من تسميهم "المتمسكين
بتقاليد أيام زمان"، وتعترف بأن أهل
زوجها لا يشعرون بالرضا إزاء كون ابنهم
أصبح ممن تنبطق عليهم هذه الصفة، وتقول:
"لا يهمنا ما يقوله الآخرون؛ فنحن
نعيش في انسجام، والطاعة لا تعني أن
يكون المرء ذليلاً لمن يحب".
الجيل
الجديد من الفتيات
أما
فتيات الجيل الجديد من اللواتي لم يدخلن
القفص الذهبي بعد؛ فالكثير منهن يطمحن
لأن يكون فارس الأحلام "زن ذليل"
بامتياز! وتقول "شقايق" -وهي طالبة
مخطوبة لزميل لها في الجامعة-: "أشعر
بالسعادة؛ لأن خطيبي يحمل أفكارا عصرية
عن المرأة، ويستهجن توصيف الرجال
المطيعين لزوجاتهم بعبارات تهكمية من
قبيل زن ذليل، وقد اتفقت معه من الآن على
ألا يتخذ أي قرار بدون استشارتي، وأن
يقبل مشاركتي في كل الأمور التي تعتبر -تقليديا-
من اختصاصات الرجل"، وتضيف: "أتمنى
أن يبقى خطيبي على هذه الحال عند دخولنا
القفص الذهبي، وأعتقد أن ذلك سيكون
مفتاح الحياة الزوجية السعيدة".
وتشير
"شقايق" إلى أن صديقاتها اللواتي
لهن قوة شخصية واعتداد بالنفس يعشن حياة
سعيدة مع أزواجهن الذين لا يتوانون عن
القيام بأداء معظم المهام المنزلية عن
طيب خاطر، والمشكلة الوحيدة التي
تواجههن -كما تقول- هي من قبل أم الزوج.
علم
الاجتماع
 |
|
المرأة الإيرانية مازالت تطمح في المزيد من المشاركة في المجال العام |
ويرى
أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة
طهران محمد مير سليمي أن ظاهرة "زن
سالاري" اقترن ظهورها بتسرب مظاهر
التغريب إلى المجتمع الإيراني في أواسط
القرن المنصرم، ويشير إلى أثر سياسات
الشاه رضا خان آنذاك حين فرض السفور على
المرأة، وطرح قضية مساواتها مع الرجل في
كل المجالات بما في ذلك قوانين الأحوال
الشخصية، فيما أخذت وسائل إعلامه تنتقد
ظاهرة "مرد سالاري" (سيادة الرجل)،
وتدعو إلى مكافحتها بوصفها من مظاهر
التخلف في المجتمعات الشرقية.
وهناك
من يرى أن الظاهرة تمتد إلى تاريخ موغل
في القدم؛ حيث كان لنساء البلاطات
الملكية نفوذ كبير في توجيه سياسات
الحاكمين بما ترك أثرا على نظرة المجتمع
الإيراني للمرأة.
ويعرب
الباحث مير سليمي عن اعتقاده أن استمرار
الظاهرة حتى يومنا هذا ناجم عن تأثر
الأجيال الشابة -لا سيما الفتيات- بما
يفد من الغرب من أفكار وتقاليد عن
استقلالية المرأة، ونمط الحياة الأسرية
التي تتقاطع في كثير من الأحيان مع
الأعراف الشرقية.
وفي
السنوات الأخيرة أسهمت موجة الانفتاح،
وما أتت به من مظاهر الحداثة في تكريس
موقعية المرأة الإيرانية على مختلف
الأصعدة، وبدأت الجمعيات النسوية
بإصدار العديد من المجلات والصحف التي
تروج لأفكار هي أقرب ما تكون لمفاهيم
"الأنثوية – الفينيزيم"، ووصل
الأمر إلى حد المطالبة بالمساواة بين
المرأة والرجل في الدية والإرث وطرح
مفهوم جديد لـ"القيمومة – القوامة"،
وهو ما أثار موجة واسعة من الانتقادات
في أوساط المحافظين الذين أخذوا
يناشدون القضاء التدخل لإغلاق هذه
المطبوعات.
استغاثة
الرجال
وفي
خطوة موازية في الاتجاه المعاكس أخذت
تنطلق أصوات رجالية تطالب بـ"رفع
الحيف" الواقع على الرجل الإيراني من
قبل المرأة، وذلك كرد فعل لتمدد ظاهرة
سيادة المرأة، وفي هذا السياق بادر
مؤخرًا عدد من الصحفيين الإيرانيين
المطالبين بالمساواة مع المرأة إلى
إصدار مجلة متخصصة في "الدفاع عن حقوق
الرجل" تحمل اسم "مرد وزندكي -
الرجل والحياة".
وبحسب
ما جاء في افتتاحية العدد الأول من هذه
المجلة (26-1-2003) فإن الهدف من إصدارها هو
مواكبة تطور الحياة العصرية وموجات
العولمة التي جلبت للمجتمع الإيراني
الكثير من مظاهر الحداثة الغربية ومنها
"الأنثوية".
وقال
رئيس التحرير أبو الفضل كلانكي: "إن
هنالك العديد من المجلات الإيرانية
التي تخصص للنساء، وتنبري للدفاع عن
حقوق المرأة فيما تخلو الساحة
الإعلامية من إصدار يعالج مشاكل الرجل
الإيراني، وما يتعرض له من ظلم حين
يقترن بزوجة متجبرة".
وأكد
كلانكي أن مجلته تطمح إلى تحقيق
المساواة بين الرجل والمرأة كي لا يشكو
الرجال من ظاهرة "سيادة المرأة"
والنساء من "سيادة الرجل"، وقال:
"إن السيادة في داخل الأسرة يجب أن
تكون متساوية بين الرجل والمرأة، وألا
يتسلط أحدهما على الآخر".
واستعرضت
المجلة في عدد من مواضيعها بلهجة ساخرة
استئساد المرأة الإيرانية على الرجل،
واضطرار الأخير إلى ممارسة مهام ربة
البيت بدلا عن "الخانم" حتى وإن لم
تكن موظفة.
على
أن هذه الخطوة لم تفُتّ في عضد المرأة
الإيرانية؛ إذ كثفت عدد من الناشطات
جهودهن لتعزيز مكانة المرأة، وتوسيع
دائرة حضورها في مجالات السياسة
والإدارة، وأعلنت مؤخراً الصحفية
الإيرانية "فريبا داودي" اعتزامها
تأسيس تنظيم سياسي جديد يحمل اسم "حزب
النساء" يكون الترشيح لعضويته حكرًا
على الجنس الناعم، وأكدت أنها تخطط لأن
يكون هذا الحزب قوة منافسة في المشهد
السياسي الإيراني إلى جانب التيارين
الإصلاحي والمحافظ.
كما
ذكرت مجلة "زن روز" (المرأة اليوم)
في عددها الصادر بتاريخ 1-2-2003 أن النائبة
جميلة كديور ستصدر قريباً صحيفة يومية
خاصة بالنساء على غرار صحيفة "زن" (المرأة)
التي كانت تديرها ابنة الرئيس السابق
فائزة رفسنجاني، وأغلقت من قبل السلطة
القضائية إثر مطالبة الصحيفة بمساواة
الرجل والمرأة في الإرث، وإطلاقها
دعوات جريئة من قبيل السماح للفتيات
بقيادة الدراجات الهوائية والنارية في
شوارع العاصمة، ودخول ملاعب كرة القدم
وغير ذلك.
وما
تطمح إليه المراة الإيرانية هو أن تحقق
حضورا في الحياة السياسية وإدارة
مؤسسات الدولة ينسجم مع قوة حضورها في
الحياة الاجتماعية، وتفيد أحدث إحصائية
صادرة عن "مركز تنمية المشاركة
النسوية" الذي تديره مساعدة رئيس
الجمهورية "زهراء شجاعي" أنه حتى
عام 2002 بلغ عدد اللواتي يتولين منصب
مدير عام في وزرات الحكومة ألف و168 امرأة
من مجموع 39 ألفا و716، ويعد هذا الرقم
مرتفعا نسبيا بالمقارنة مع ما كان عليه
الحال في سنوات سابقة.
ومن
السابق لأوانه التكهن بما ستكون عليه
أوضاع الدولة الإيرانية فيما لو حدث وإن
انتقلت إليها ظاهرة "زن سالاري"!.
اقرأ
أيضا :
**
مراسل موقع إسلام أون لاين. نت بإيران
|