 |
|
العيد
الذي كان |
للعيد
بهجته وحلاوته التي تكمن في فرحة وسعادة
الأطفال الذين ينتظرون قدومه لحظة
بلحظة، ويرتدون ملابسهم الجديدة، وقد
ارتسمت البسمة على وجوههم الصغيرة وسط
ذويهم وأحبتهم. فالمتنزهات تمتلئ
بضحكاتهم، والسماء تتلألأ بألعابهم
النارية، والأسواق تملأها ألعابهم
الصغيرة الملونة بكل الألوان. هكذا
يحتفل أطفال العالم الإسلامي بعيد
الأضحى.. إلا أطفال فلسطين المحتلة لا
يجدون في قلوبهم الصغيرة متسعا للفرحة
حتى في أيام العيد.
يأتي
العيد هذا العام وفلسطين حزينة، ومدنها
سجينة، وعيون أطفالها يملؤها الرعب
والخوف، والفرحة والبسمة عن وجوههم
مسروقة ومقتولة.. ويأتي في ظل أوضاع
اقتصادية سيئة وأوضاع نفسية أشد سوءا،
فهناك آلاف من الأطفال استشهدوا
وجُرحوا، ومئات من المعاقين والسجناء
وأيضا هناك كثير من الأطفال لا يجدون
مكانا للسكن بعد أن هدمت قوات الاحتلال
الإسرائيلية منازلهم.
هموم
كثيرة أصبحت تقع على كاهل كل طفل
فلسطيني؛ لتجعله يكبر قبل أوانه،
ولتسلبه طفولته وحقه بالعيش كباقي
أطفال العالم، وممارسة حياته الطبيعية
في اللعب والتعليم. فالاحتلال
الإسرائيلي لم يترك وسيلة إلا
واستعملها لقمعهم وإرهابهم وتحويل
حياتهم إلى جحيم. فكيف يمكن للطفل زياد
أبو بركة -البالغ من العمر 14 عاما من
منطقة بني سهيلة في غزة- أن يخرج من بيته
للعب مع أصدقائه بعدما سرقت قنبلة جنود
الاحتلال عينيه الاثنتين وذراعه
اليمنى؟ وكيف يمكن للطفل سمير -12 عاما من
مدينة رفح- أن يشعر بفرحة العيد ولم يمض
على استشهاد والدته سوى أربعة أشهر؟
وكيف يمكن للطفلة نرمين أحمد أيضا أن
تفرح بقدوم العيد ولم يتمكن أهلها من
شراء ملابس العيد لها ولأخواتها؟
هكذا
أصبح العيد بالنسبة للأطفال
الفلسطينيين يوما كباقي الأيام السوداء
التي أصبحوا يعيشونها بسبب الاحتلال
الإسرائيلي.
التوجه
إلى المقابر بدلا من المتنزهات
عندما
ترى الأطفال الفلسطينيين يستيقظون من
نومهم باكرا في يوم العيد تعتقد للوهلة
الأولى أنهم يستعجلون للخروج من
منازلهم إلى المتنزهات ولشراء الألعاب
أو لزيارة أقاربهم، لكن الحقيقة غير ذلك!
فمنهم من يذهب إلى بيوت العزاء التي يتم
فتحها في أول أيام العيد، ومنهم من
يتوجه إلى مقابر الشهداء التي تزايد
عددها لكثرتهم. وترى أطفالا في مختلف
الأعمار وقد وفدوا إلى المقابر مع
آبائهم أو أقاربهم. فمنهم من جاء لزيارة
والده أو والداته أو أخيه أو أخته أو
صديقه. وعندما تنظر في عيونهم ترى فيها
هموم الدنيا ومآسيها، وترى وجوها غاضبة
وشفاها ترتجف وهي تقرأ الفاتحة،
وأعصابا ممزقة وقلوبا مجروحة.. عندها
تدرك حجم المعاناة التي بات يعيشها
هؤلاء الأطفال.
فأحمد
صديق الشهيد سامر طبنجة -12 عاما من مدينة
نابلس الذي استشهد عندما كان يلعب مع
شقيقه في ساحة منزلهما- يذهب في كل عيد
لزيارة قبر صديقه ليضع على قبره الورود
الحمراء. وكذلك الأمر بالنسبة لمعاذ
السركجي 14 عاما ابن الشهيد يوسف السركجي
الذي تم اغتياله من قبل الجيش
الإسرائيلي، حيث رفض شراء ملابس العيد
ويقول إنه لن يخرج من المنزل يوم العيد
إلا لزيارة قبر والده.
سياسة
الإغلاق وملابس العيد
ربما
يكون أهم شيء في العيد بالنسبة للأطفال
هو ارتداء الملابس الجديدة والحصول على
المال لشراء الألعاب والحلويات والتنزه.
ولكن عندما يُحرم الأطفال من ذلك كله
فكيف سيكون العيد في عيونهم جميلا؟ وكيف
سيشعرون بالفرحة والسعادة فيه؟ ففي
الوقت الذي ينعم فيه أطفال العالم
الإسلامي بالحصول على الملابس الجديدة
والألعاب، ويتمتع بعضهم بالسفر إلى
بلدان أجنبية لقضاء عطلة العيد مع
ذويهم، يعاني أطفال فلسطين من الحرمان،
إذ إن كثيرا من العائلات الفلسطينية لم
تتمكن من شراء ملابس العيد لأطفالها
بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة الناتجة
عن سياسة الإغلاق والحصار التي تتبعها
حكومة شارون والهادفة إلى تركيع
الفلسطينيين وإذلالهم.
رامي
طفل لم يتجاوز 9 أعوام كان يتنقل بين
السيارات يلاحق الناس في محاولة منه
لإقناعهم بشراء ورقة مكتوب عليها سورة
الكرسي مقابل شيكل واحد (أي جنيه مصري
واحد). هكذا يُمضي رامي نهاره بعد أن ترك
مدرسته منذ عام؛ لأن والده الذي كان
يعمل في إسرائيل أصبح عاطلا عن العمل.
يقول رامي بحسرة وألم -كما يبد واضحا على
وجهه- إنه يعطي كل ما يحصل عليه لوالده
حتى يتمكن من شراء الطعام لهم.. وإنه
وإخوته لم يتمكنوا هذا العيد من شراء
ملابس جديدة.
كذلك
الأمر بالنسبة لمحمد سماعنة -15 عاما-
الذي عمد خلال الأسبوعين الأخيرين من
يناير الماضي إلى العمل في أحد محلات
بيع الملابس حتى يتمكن من شراء ملابس
العيد. أما بثينة الراشد التي ترعى 7
أطفال فتقول إنها اضطرت في هذا العام
لشراء ملابس العيد لأطفالها من البسطات
والأكشاك المنتشرة في شوارع المدن
لكونها تبيع بسعر منخفض.
المقاليع
بدلا من الدمى
كانت
سماء المدن الفلسطينية في الليالي التي
تسبق العيد تتلألأ بالقنابل الضوئية
التي أطلقها الجيش الإسرائيلي محدثا
الرعب والخوف بين الأطفال، بعد أن كانت
في السابق تتلألأ بالألعاب النارية
التي يطلقها هؤلاء الأطفال فرحا وسعادة.
لكن جنود الاحتلال الإسرائيلي لا
يتركون للأطفال الفلسطينيين فرصة
للفرحة ولا مجالا للعب الذي حُرموا منه
بسبب منع التجوال المتواصل على مدنهم
وقراهم دون مراعاة لقرب حلول العيد.
فالدبابات تجوب شوارع المدن منذ ساعات
الصباح في خطوة استفزازية لتبدأ لعبة
"القط والفار" مع الأطفال
الفلسطينيين الذين كانوا منهمكين، بدلا
من الاحتفال بالعيد، بصناعة المقاليع
وبتجميع الحجارة وتكسيرها لملاحقة هذه
الدبابات؛ الأمر الذي أدى إلى إصابة
العشرات منهم بدلا من توجهم إلى
المتنزهات وأماكن اللعب واللهو كباقي
أطفال العالم.
ومن
لم يلعب من الأطفال الفلسطينيين لعبة
"القط والفار" مع الدبابات
الإسرائيلية، كان يلعب مع أصدقائه لعبة
الجيش والعرب التي اعتاد أطفال فلسطين
لعبها منذ انطلاقة انتفاضة الأقصى
المباركة، حيث يعمد هؤلاء الأطفال إلى
شراء الرشاشات البلاستيكية وإلى تجميع
الحجارة والانقسام في مجموعتين، مجموعة
تشكل المقاومين الفلسطينيين وأخرى
تتقمص شخصية جنود الاحتلال.
ويعتقد
كثير من الإخصائيين النفسيين أن هذه
الألعاب التي يمارسها الأطفال
الفلسطينيون هي تعبير وانعكاس لمشاعر
الغضب والرعب والخوف المختزلة في
نفوسهم نتيجة الممارسات الإسرائيلية
البشعة والجرائم الوحشية التي
يشاهدونها.
يمر
مرور الكرام
تقول
ميس السركجي زوجة الشهيد يوسف السركجي:
أتمنى أن يمر هذا العيد بسرعة، فقلبي
يتقطع حزنا وألما على أطفالي الذين لم
يشعروا بالفرحة؛ بسبب وفاة والدهم،
خاصة طفلتي الصغيرة صفاء التي كانت
متعلقة بوالدها كثيرا والتي كانت تمضي
مثل هذا اليوم بصحبته. ولا يستطيع الطفل
جمال في هذا اليوم أن ينسى صديقه الشهيد
وائل قطاوي من مخيم بلاطة الذي اعتاد
على تمضية يوم العيد برفقته.
هكذا
يقضي أطفال فلسطين أيام العيد بعد أن
سرق الاحتلال الإسرائيلي الفرحة من
قلوبهم والبسمة من شفاههم.
اقرأ
أيضًا:
** صحفية
فلسطينية - مكتب النجاح للصحافة.
|