|
قد
تقابلني نظرات الدهشة تجاه حزني العميق
على الجدة ذات الأعوام الأربعة
والثمانين، تلك العجوز التي كان مجمل
حركتها طوال سنين مضت هي عدة أمتار
تتحركها بأقدام متثاقلة في شقتها
المتواضعة، مستندة إلى ابنتها التي
كرّست حياتها لرعايتها، أو لأحد من
أبنائها أو أحفادها، ولكن رغم ذلك أكاد
أقسم أنها كانت تُشِع حركة ودفئًا في
حياة كثيرين ممن ربّتهم واعتنت بهم،
كانت تمثل ملجأ وحصنًا، وهي الضعيفة
الواهنة.
حينما
أذكرها!!
كان
مشهدًا معتادًا ومطلبًا دائمًا لأي منا
إذا ما أهمه همّ أو ألَمَّ به مصاب أو
حتى ألحّت عليه حاجة أن يأتي إليها
طالبًا دعاءها، مستمعًا لعذب حديثها
الذي يبعث الطمأنينة في القلب والسكينة
في النفس، رغم أنها لا تملك أيًّا من
مقدرات الفعل.. كان طقسًا مقدسًا لديها
إذا ما استمعت للأذان يرفع ذلك الدعاءُ
المتسلسلُ المترابطُ كسلاسل الذهب
وخيوط النور لجميع أبنائها وأحفادها،
وقراءة الفاتحة لموتاها.. أذكرها وهي
تعدد الأسماء وتخشى أن تنسى أحدًا، ثم
تخرج من حيرتها بقولها: "ولجميع أموات
المسلمين".
حين
أتذكرها يتداعى في عقلي ويملأ روحي صور
كوب الحليب الدافئ في الصباح.. كوب الشاي
بالنعناع الأخضر في العصر.. الطعام
الشهي الذي تضاهي رائحته المسك والعنبر..
دفء ليالي الشتاء بجانب أريكتها وجوار
فراشها.. فاكهة الصيف التي كنا نتناولها
معها.. جلستي معها في شرفة منزلها وهي
تراقب الرائحين والغادين؛ فقد كانت
نافذتها الوحيدة على العالم الذي حُرمت
من مخالطته بعد أن أقعدتها آلام المفاصل..
صوت عبد الباسط والحصري ورفعت في إذاعة
القرآن الكريم..
كان
لها مع المقرئين قصة، وكانت ألغازها
المفضلة حينما يسألها أحد أبنائها "من
يتلو يا أمي؟" فتجيب على الفور باسم
القارئ ويكون دائمًا صحيحًا.. حتى حينما
كانت على فراشها بالمستشفى في مرضها
الأخير لم تغالب غيبوبتها إلا مرات
قليلة، من بينها تلك التي أجابت فيها
خالي حينما سألها عن المقرئ الذي يتلو
القرآن (وكان المسجل إلى جوار وسادتها)
فأجابته على الفور: عبد الباسط.
كنت
أراها قيمة كبيرة رغم استكانتها..
وأقدِّر صبرها على ما تعرضت له من ظلم
على يد أبناء الزوج الكبار الذين جاروا
على صغارها في الرعاية والحقوق.. صبرت
وما لانت حتى تنشئ الصغار كبارًا رجالاً
ونساء.. تزرع الخير والحنان، وتصنع
مناخًا يأمن فيه الأحفاد.
حينما
ألقاها
كان
لقاء الاقتراب بجدتي بعد جلستها على
أريكتها.. بعد عناء السنين وهدأة النفس..
جئت إليها أجالسها.. طامعة في الثواب،
ربما.. هاربة من مشاحنات إخوتي، ربما..
باحثة عن ساعات أطول للقراءة والكتابة،
ربما.. لا أدري. المهم أننا التقينا..
نعم، الأقربون وذوو الأرحام أيضًا
يلتقون.. نحن نظن أننا نعرف بعضنا تمامًا..
إخوة.. أزواجًا.. آباء وأبناء.. أجدادًا
وأحفادًا، لكن الأمر ليس كذلك تمامًا..
فهناك لقاء آخر يقدره الله تعالى؛ حيث
يصبح كل طرف أقدر على رؤية ما في الآخر..
على ملامسة جانب ربما يلمحه الآخرون،
بينما يحفظه هو في ذهنه وقلبه، ويؤثر
فيه إلى أقصى حد وإلى أبعد عمق.
وهكذا
كنت مع جدتي؛ فكنت أسارع إلى حقيبتي
الصغيرة أعدها لأقيم معها إذا ما سافرت
عائلتي إلى المصيف أو للمبيت إذا ما
دعوا إلى إحدى الأمسيات، ولا أجد في ذلك
أي قدر من الملل أو الوحشة، وبدت
لحكاياتها وطريقتها في الحديث
وإشاراتها وإيماءاتها أبعاد كثيرة حتى
حفظت خريطة وجهها وملامحها.. وتراكمت
الإيحاءات حتى كتبت عنها ولها.. ما زلت
أشعر بدموعها التي تساقطت على يدي وأنا
أقرأ لها ما كتبت تأثرًا وفرحًا.. هكذا
تنسج العلاقات حتى يصبح من حولنا جزءًا
منا..
وحتى
حينما تباعدت المسافات وزادت
الانشغالات بالعمل والحركة يمينًا
ويسارًا.. كانت زياراتي لها مصدرًا
للسعادة والإحساس بالأمان.. وهي
تستقبلني باشة متهللة رغم تقصيري..
وتتساءل بفطرتها التي كانت تبهرني: لا
أدري لماذا أفتقدك بشدة وأسأل عنك أكثر
من أي منهم؟!! فأبتسم لها معلنة عن فرحتي
واعتزازي بما تقول بينما أحتفظ
بالإجابة التي أعرفها جيدًا لنفسي.
فارقتني
ولكن..
مرّت
الأيام كعادتها ليأتيني صوتها في
الهاتف وأنا على سفر في البلد البعيد
تشتكي لي آلامها وقد تعثرت لتقع في
غرفتها وهي تحاول النهوض من سريرها..
تتسارع الأحداث وأعود لأجدها قد نُقلت
إلى المستشفى لترقد في مرضها الأخير وقد
التف الجميع حولها.. داعين الله لها..
يقرر الطبيب إجراء عملية جراحية..
الجميع يتشكك.. يساوره القلق فحالتها
الصحية لا تتحمل مشاق هذه الجراحة..
تتحسن حالتها.. تطلب رؤيتي فأوافيها..
يتقرر موعد الجراحة.. وبينما يعود القلق
لأهلها تنسحب في هدوء واستكانة كعادتها..
تسلم روحها لبارئها.. بعد أن ظلت علامات
احتضارها قبل ذلك بأيام؛ إذ تشير بيديها
وتردد عبارات نضرة لم نستوضحها وقتها..
وهي في ذلك لا تفتر عن ذكر الله رغم
غيبوبتها..
ماتت
جدتي.. قبّلت جبينها.. جمعت قواي.. وقفت
على غسلها.. وحينما تأخرت سيارة نقل
الموتى بعض الشيء شعرت بأن ربي قد أراد
لي أن أبقى معها قليلاً للاستئناس
والدعاء، فقد تغفر لي سابق تقصيري..
واريناها الثرى.. وتذكرت دموع أشرف
الخلق صلى الله عليه وسلم حينما سأله
صحابته رضوان الله عليهم جميعًا عن سر
حزنه ودموعه على فاطمة بنت أسد (زوجة أبي
طالب راعية رسول الله في طفولته وصباه)،
وقد كفنها في قميصه ونزل إلى قبرها،
فأجابهم: هي أمي بعد أمي.
البعض
يقول حزنًا: جميعنا إلى التراب،
والنسيان مصيرنا.. والخيوط التي تربط
الأحياء بالأموات واهنة واهية، فما
تلبث حوادث الزمان أن تنسينا ويتساوى
الجميع لدينا.. أزعجني الكلام.. فلا
أظنني أنساها.. أقصد أنها ربما تتحول إلى
أشياء أخرى أكثر حضورًا من مجرد الذكرى..
إلى الدعاء دبر كل صلاة.. إلى دموع
تتساقط، وأنا أنشد الرحمة لها في بضع
آيات من القرآن.. إلى مزيد من البر لأمي
التي حزنت لفراق حبيبتها.. إلى مجاهدة في
الحفاظ على صلة رحمي وسط ضجيج عالمنا
وصخبه.. إلى اقتراب أكثر من معنى الموت؛
الحقيقة الوحيدة التي نعرفها ولا
ندركها.. إلى معانٍ وقيم كثيرة كنت
أقرؤها وسأظل في كتاب وجهها..
حاولت
جاهدة أن أتذكر إذا ما كنت قد ابتعت
لجدتي زهورًا من قبل أو لا.. فلم أفلح..
وتمنيت أن تتقبل هذه السطور مني.. زهرة
على قبرها.. وأن يتقبل الله مني دعائي
لها.. وأن يلحقنا بها في الصالحين.
اقرأ
أيضًا:
**
محررة صفحة ثقافة وفن بالموقع
|