English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

أب وأم

أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط


رمضان في مدينة الطالبات

2002/12/03

** عبير صلاح الدين

كانت الساعة تقترب من الثانية ظهرًا عندما بدأت الطالبات في العودة من جامعة القاهرة التي لا تبعد كثيرًا عن مدينة الطالبات بميدان الجيزة. الباب الحديدي الكبير للمدينة كان مفتوحًا على مصراعيه لأن الطالبات يتوافدن بشكل أكثر من أي يوم عادي، ففي أيام رمضان تعود أغلب الطالبات ما بين الثانية إلى الثالثة والنصف ظهرًا استعدادا للإفطار.

حوالي سبعة آلاف طالبة يقطن المدينة، يتدفقن جميعًا خلال هذا التوقيت وكأنهن في ماراثون للعدو أو المشي، وعندما تصل الواحدة إلى الباب الثاني الكبير أيضًا عليها أن تبرز بطاقة دخول المدينة، ولا يسمح بدخول أي فتاة لا تحمل هذه البطاقة، وبين البابين الأول والثاني تقع قاعة (وكما يسمونها استراحة الزائرين) فلا يسمح بدخول الزائرين إلى داخل المدينة، بل تخرج الفتاة إلى الاستراحة للجلوس مع زائريها لبعض الوقت بعد أخذ موافقة مديرة المدينة.

أما أنا فكان معي تصريح بالدخول من نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون التعليم والطلاب الدكتور حامد طاهر، فسمح لي الضباط والعسكر بالدخول بعد تدوين اسمي في سجل الزائرين الذي بدا أنه لم تدون به أسماء منذ زمن طويل.

مبان كثيرة متشابهة إلى حد كبير، تشبه مباني المستشفيات التي تتكون من غرف متقابلة عبر ممرات طويلة يخدمها حمام أو حمامان، ومطبخ واحد لصنع الشاي والقهوة والمأكولات الخفيفة في كل طابق من طوابق المبني، أما المطعم الرئيسي فيقع في مبنى خاص، وفي كل مبنى قاعة للطعام تمتلئ بالطالبات في شهر رمضان حيث لا يستوعب المطعم الرئيسي كل العدد في نفس لحظة الإفطار، بينما في الأيام العادية حيث تختلف مواعيد الطعام من مجموعة إلى أخرى يمكن للمطعم الرئيسي أن يفي بالخدمة بمفرده.

حياة جديدة علمتنا الكثير

دعتني شيماء عبد الفتاح وحنان زكريا بالسنة الأولى بكلية الطب لزيارة غرفتهما بالطابق الثالث بالمبني العاشر المخصص لكلية الطب، فكل مبنى مخصص لبنات كلية معينة في سنة دراسية معينة، ويسمح للطالبة باختيار من تعيش معها بالغرفة بأسبقية الحجز.

قالت حنان: أنا وشيماء من قرية قريبة من القاهرة، أما أحلام وهناء فمن محافظتين أخريين، المدينة الجامعية أفضل مما حكته لي إحدى قريباتي التي كانت طالبة بالجامعة منذ ثلاثة أعوام وكانت تعيش بالمدينة أيضًا، النظام والنظافة أفضل مما حكته لي، وما كنا سنجد مكانًا أفضل بنفس النقود البسيطة التي ندفعها، وكذلك مستوى ما يقدمونه لنا من طعام، فهو ليس سيئا أبدا وكمياته وافية.

لم أتعجب مما تقول حنان فملابسها وطريقة حديثها تجعلني أفهم لماذا ترى تلك الغرفة ذات الأربعة الأسِرّة: سريران أرضيان وآخران علويان، والمكاتب الصغيرة والدواليب الصغيرة المتواضعة -كأنها قصر.

أما شيماء فكانت تعد بعض الأطعمة التي تفضل تناولها في رمضان كما تفعل الكثيرات في نفس الطابق، فتقول: في رمضان نحب أن نصنع بعض الأصناف غير التقليدية، المختلفة عن التي نأكلها طوال العام، وبعض الحلوى نشتريها جاهزة من المطاعم القريبة، أما السحور فطعام المدينة يكفي، فهناك الزبادي والفول والأرز باللبن وغيرها بما يكفي وجبة السحور.

وتأخذ حنان الكلمة مرة أخرى قائلة: الحياة في المدينة علمتنا أشياء كثيرة، فكل إنسان يتحمل مسئولية نفسه، يغسل ملابسه، يوقظ نفسه، يذهب لتناول الطعام، الالتزام بمواعيد المدينة، حيث إنه غير مسموح بالدخول إلى المدينة أو الخروج منها بعد الثامنة مساء، ومن التاسعة حتى الحادية عشرة مساء يجب أن تكون كل فتاة في غرفتها، وهو وقت مرور المشرفة للاطمئنان على وجود كل طالبة في غرفتها، وبعد المرور والتمام يمكن لأي واحدة أن تتجول في الطرق أو المكتبة أو في الحديقة حسبما تريد حتى الواحدة مساءً، ثم يغلق كل مبنى على من فيه حتى الصباح.

والجميل أيضًا أن كل واحدة تحب زميلاتها بالغرفة، فإذا قامت لعمل شاي تسألهن عن رغبتهن في الشرب معها، وإذا أحضرت إحدانا طعامًا من بيتها نتناوله جميعًا.

وتعلق شيماء: أكثر لحظات الفرح في المدينة عندما أحصل على تصريح للخروج يوم الخميس للسفر لقريتي وزيارة أهلي، التصريح يتضمن المدة التي سأقضيها خارج المدينة ورقم الهاتف الذي سأكون متواجدة فيه، فالعودة بعد موعد التصريح فيها غرامات وإنذارات وتهديدات كثيرة لا يحمد عقباها.

دعاء أمي ورائحة أبي

عندما اقتربت لحظات الإفطار كان الجميع في حركة سريعة، الكل يستعد بإعداد الطعام والمشروبات والحلوى، بعضها من وجبة المدينة وبعضها من صنع أيديهن.. حتى حانت اللحظة، وانطلق أذان المغرب لتهدأ الطرقات ويجلس الجميع لتناول الإفطار، وفي أكثر من مكان تتكون مجموعات من الطالبات لأداء الصلاة فرادى وجماعات، في الممرات خارج الغرف، وفي الغرف الواسعة نسبيًا وفي (مصلى) موجود بأحد المباني، لكن لا يتسع للجميع.

في غرفة أخرى (زوجية) صغيرة الحجم جدًا تكفي بالكاد لاثنتين: سرير أرضي، وآخر علوي، ومكتبان صغيران، استقبلتني ريهام ومنى من كلية التجارة في السنة الثالثة. قالت ريهام: كان الأمر صعبًا في البداية في العام الأول حيث لم نعتد أن نترك أسرتنا، أيضًا كان نظام الدراسة مختلفا عما كان في المرحلة الثانوية، كنت تائهة، بكيت كثيرًا في بداية العام الدراسي، بعدها عرفت أن الجميع يمر بنفس المرحلة، وشيئا فشيئا تأقلمت على المكان وعلى الزميلات، وساعدتني الأستاذة (مها) المشرفة، فهي مثل الأم تماما تشعر بنا وتستمع إلينا، كلما أحسست بضيق أذهب إليها وأحكي لها عما أشعر به، تسمعني وتنصحني وترشدني.

وتلتقط الحديث منى وهي تمسك بدمية على هيئة (دب) من الفراء: الغربة علمتني أشياء كثيرة، عرفت كيف أعامل الناس من بيئات مختلفة، ففي قاعات المحاضرات والحياة الجامعية العادية لا يُعرف الناس على حقيقتهم، فالزميلة التي تعيش معك في نفس الغرفة وتعتبر كاتمة أسرارك، هي غير تلك التي ترينها في الجامعة تجلس بجوارك، فالعشرة تظهر معادن الناس: الأناني والمنطوي على نفسه، الكريم والبخيل، وصاحب الأخلاق الطيبة والأخلاق السيئة، الكل هنا يظهر على حقيقته، أشعر أن عمري قد زاد عشرين عاما من كثرة ما عرفت عن أحوال الناس، الآن يمكنني أن أسافر في بعثة خارج بلدي إن جاءتني الفرصة وسأعرف كيف أعيش في الغربة بمفردي، وأعرف كيف أتصرف في ميزانيتي الخاصة وأحدد أولويات إنفاقي.

تبتسم منى قائلة: كنت أتضايق عندما يجلس والدي بجانبي وأنا أذاكر دروسي في المرحلة الثانوية، وكنت أقول في نفسي: هل أنا صغيرة ليجلس بجانبي يراقبني؟ ثم أكملت بصوت حزين: الآن أشتاق لأن أشم رائحة أبي.

هنا تقول ريهام: أنا ومنى يجمعنا هدف واحد هو: المذاكرة والنجاح، وهذا يجعلنا لا نضيع وقتًا فيما لا طائل منه، ونحن متفاهمتان جدًا، وهذا يخفف عنا إحساسنا بافتقاد دفء العائلة، لكن رغم ذلك أحيانًا أشعر أني وحيدة، وأبكي وأتذكر دعاء أمي عندما كانت تؤانسني وأنا أذاكر دروسي، وأشتاق لدعائها، حتى إنني كثيرًا ما أسمع دعاءها حولي بالغرفة يشجعني ويدفعني لتحقيق النجاح الذي ابتعدت عنها من أجله.

أسرار البنات

بعد صلاة القيام كانت بعض الطالبات يجلسن في حديقة المدينة (حدائق متناثرة حول المباني) اقتربت من بعضهن، قالت لي أسماء بالسنة الثانية بكلية الآداب: نحب أن نجلس في الحديقة بدلا من الغرف الضيقة ونتجمع مع زميلاتنا من الطوابق والمباني الأخرى، نسمع من بعضنا نوادر الأساتذة في الكليات المختلفة ومشكلة إحدى البنات… أحيانًا تكون هناك استشارات عاطفية، وأحيانًا آتي معي بالكاسيت الصغير وأستمع إلى بعض الأغاني، فالكاسيت الكبير ممنوع في المدينة، مسموح فقط بـ"الوكمان" لأنه مما يستخدم في تسجيل المحاضرات، وهناك طالبات لا نراهن إلا نادرًا مثل طالبات الهندسة والطب، فهن مشغولات طوال الوقت بالمذاكرة، الله يعينهن، وفي وقت فراغهن يقمن بغسيل الملابس وملاءات الأسرّة الخاصة بكل واحدة فقط.

هنا تقول هالة بكلية الآداب أيضًا: رمضان فرصة للسهر أكثر من المواعيد المعتادة، وهناك الكثير من الندوات بعد الإفطار لكن ليس في كل الأيام، ندوات ثقافية ودينية واجتماعات مع عمداء الكليات، وأيضًا مسابقات على مستوى كل مبنى وتصفيات لاختيار أنظف مبنى، وأحسن مبنى في المسابقة الدينية، والجوائز جيدة: ساعات وأشياء أخرى نحتاجها.

حياة المدينة ليست غربة فقط، لكن أيضًا علاقات من محافظات كثيرة نعرف من كل محافظة أو قرية صديقة، لنعرف عاداتهم وتقاليدهم وما يشتهرون به.

أما الغريب الذي اكتشفته بالفعل ولم أكن أصدقه قبل أن آتي للمدينة فهو صدق الأمثال الشعبية المصرية التي تقال على أهل كل محافظة أو مدينة من المدن المصرية، والتي ترمز إلى أهم ما يميزهم (!!).

الاستذكار على السلم

أميرة طالبة بكلية الحقوق في السنة الرابعة، كانت في طريقها للمكتبة مع كتاب ضخم من كتب القانون، استقبلنا (الفانوس) الملون الكبير الذي وضع على باب المكتبة أول أيام رمضان، كان هناك الكثيرات، لكنك لا تسمع أحدا، قالت أميرة بصوت هامس: عندما أكون في حاجة لتركيز آتي هنا، فالغرفة بها ثلاثة غيري يعشقن الثرثرة، وعندما يكون الجو باردًا أترك الغرفة وأجلس على السلم، ولا أكون وحدي، فالكثيرات يجلسن على سلالم طابقهن أثناء الليل هروبًا من الثرثرة داخل الغرف، وعندما كنا في السنة الأولى كانت طالبات السنة الثالثة يأتين إلى مبنى المستجدات ويشرحن لهن طريقة المذاكرة وبعض الأجزاء من المواد الصعبة، هذا تقليد في المدينة مع طالبات كل كلية، لكن كل هذا لا يعوضني عن تدليل أمي عندما كانت تراني أذاكر دروسي وتجلب لي كوبًا من العصير أو الشاي.. هنا كل شيء تصنعينه بنفسك، حتى محاسبة ومراقبة النفس.

اقرأ أيضًا:

**  صحفية مصرية


أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع