|
لرمضان
على الدنيا إطلالةٌ تضفي عليها بهاءً
وتعطي للأيام طعمًا خاصًا وتمنح القلب
سرورًا وحبورًا، ولكل بلد من بلاد
المسلمين طقوس خاصة لاستقبال الشهر
الفضيل تختلف من بلد إلى آخر ومن مدينة
إلى مدينة، ولرمضان عند العراقيين
خصوصية تتناسب ومقام الشهر الفضيل
وتختلف من محافظة إلى أخرى في بعض
حيثياتها وتفاصيلها.
أهم
معلم من معالم الخصوصية يتجسد في مائدة
الإفطار حيث تتفنن ربة البيت العراقية
وهي في الأعم الأغلب ربة بيت محترفة؛
فالعراق بلد نفطي، وفي البلدان النفطية
لا تحتاج المرأة للعمل؛ إذ لا يوجد دافع
اقتصادي يدفعها للعمل -طبعاً هذا في
عراق ما قبل الحربين- ومع اجتماع الأسرة
المتكامل على مائدة الإفطار بشكل يومي
وهذا غير متاح في غير رمضان، تتفنن ربة
البيت في تزيين المائدة بالزلاطات قبل
كل شيء، وعندنا منها أنواع أشهرها (الجاجيك)،
وهي عبارة عن سلاطة الخيار بالثوم
واللبن. يأتي بعد ذلك العصير أو باللفظ
العراقي (الشربت)، وهو في الأغلب عصير
الزبيب أو التمر هندي، وشُربة العدس
تكاد تكون سمة مميزة للمائدة في معظم
أنحاء العراق، وبها يبدأ العراقيون
إفطارهم بعد التمر وشربة الماء وقبل
الصلاة. ولا بد من تواجد المشويات خلال
الشهر الفضيل حتى في البيوت الفقيرة على
الأقل مرة واحدة في الأسبوع، وهو ما
يحصل عليه الفقير حتمًا بسبب كثرة عمل
الخير خلال الأيام الفضيلة.
ويفضل
العراقيون من المشويات وباللهجة
البغدادية (الكباب والتكه والسمك
المزكوف)، ومع ذلك كله وقبله (الطرشي)
الذي يستهلك العراقيون منه كميات كبيرة
خلال رمضان، وقد تحصل أحيانًا أزمة (طرشي)
بسبب الزحام عليه، وتأتي بعد ذلك مختلف
المأكولات تسلسلاً ومن أشهرها (الكبة
الموصلية والدولمة والهريسة والباكله
ودهن وخبز العروك… ومن مثل ذلك ألوان من
المقلي والمحشي والمشوي). وتختم المائدة
بالحلويات، ومن أهمها (الكاستر
والمحلبي والزلابية والبقلاوة وزنود
الست والملفوف… إلخ)، وللاختصار يمكن
أن تصف المائدة العراقية باللوحة
الفنية متعددة الألوان لكثرة الأصناف
المختلفة التي تحتويها المائدة.
لعب
وتزاور وتراحم
وفي
رمضان تنشط الحركة الاقتصادية لتزايد
الاستهلاك من جهة ولقرب موعد العيد من
جهة أخرى، وحيث تتحرك دائرة من دوائر
الاقتصاد والعمل تتحرك معها بقية
الدوائر. وفي رمضان تنشط الحركة
الاجتماعية فتتزاور الأسر بعد الإفطار
وبعد صلاة التراويح في "تعليلات"
رمضانية يمتد بعضها إلى صلاة الفجر أو
وقت السحور، وتكثر دعوات الإفطار بين
الأقارب والأصدقاء وتمتد في المساجد
موائد الخير والبر وينشط أهل الخير
وتكثر الصدقات.
وللأطفال
حظٌ في رمضان كما للكبار حيث يحتفل
الأهل بالطفل الذي يكمل يومًا كاملاً من
الصوم، خصوصا إذا كان ذلك لأول مرة؛ حيث
ينهال عليه الثناء من كل مكان وتكاد لا
تمر (تعلوله) دون أن يذكر فيها ويثنى
عليه وهو الأمر الذي يشد من أزره ويدفعه
للمواصلة.
لأطفال
العراق في رمضان ألعاب تمارس بعد
الإفطار فيحمل الأطفال الشموع في علب (المعجون)
بعد أن تثقب من الأسفل، ويدورون في
الشوارع، ويرددون بعض الأغاني
التراثية، ومن أشهرها على الإطلاق (الميجنه)،
والتي يبدأ موعدها على الأغلب بعد منتصف
رمضان ويدور خلالها الأطفال على أهل
المحلة (الدربونة) الذين يحمّلون أكياس
الأطفال بما يملكون من حلويات العيد
والكرزات والنقود أحياناً تعبيرًا عن
صلة الرحم المتميزة التي يعرف بها
العراقيون حتى قالوا في أمثالهم (الجار
قبل الدار).
ومن
معالم رمضان الخالدة في الأذهان قرع
الطبول في وقت السحور حيث ما زالت تلك
العادة جارية رغم تبدل الزمن وتوفر
مكبرات الصوت في المساجد؛ حيث يدور
الطبال على الأحياء مناديًا الناس
للقيام للسحور، وهو في الأغلب (طبال بن
طبال)؛ إذ إنها من المهن المتوارثة عند
البغداديين على الأخص، وتعداد السوالف
الرمضانية عصيٌ على الإحصاء لتعدد
التقاليد وتنوعها بتنوع المشارب
والأماكن العراقية وهي سمة من سمات
التعددية العراقية.
رمضان
تحت الحرب
لعل
القليل الذي ذكرته من التقاليد
الرمضانية يعد من الذكريات العراقية
فهي مظاهرٌ وظواهر ضاعت معالمها
بالتدريج منذ عقدين من الزمن بسبب الظرف
غير الطبيعي الذي نعيشه نحن العراقيين؛
فمع إطلالة الحرب العراقية الإيرانية
ضاعت كل معالم البهجة في حياة العراقيين
بما جلبته تلك الحرب من ويلات وكوارث
على مناحي الحياة المختلفة، فلم يعد
للسرور طريق إلى نفوسنا بعد أن غاب
الآباء والأبناء والإخوة والأزواج في
مطحنة الحرب؛ حيث لم نكن نعرف حينها ما
معنى الحرب ولا لماذا نحارب؟! وحين رجع
الشباب العراقي من الحرب بصناديق خشبية
أدركنا حينها معنى الحرب فغابت عن
حياتنا من لحظتها معالم البهجة وبشائر
السرور ومع استمرار الحرب استمر تسرب
الفرح من قلوبنا.
بالرغم
من أن تلك الأيام كانت عصيبة على كل
مناحي الحياة العراقية ومنها
الاقتصادية، فإن الوضع المعيش للفرد لم
يتدهور إلى حد التأزم، لكن الوضع النفسي
والمزاج العام هو الذي كان يمر بأقسى
وأصعب ظروفه، فكان رمضان يمر علينا
عابساً شاحباً يفقد معه العراقي الرغبة
في الابتهاج، وكيف لنا أن نبتهج
وأحبابنا يسحقون تحت عجلة الحرب فبدأت
المظاهر الرمضانية تنحسر مع طول أمد
الحرب وعدم وضوح الرؤية وفقدان الأمل في
المخرج.
وغابت
اللوحة الفنية
وحين
انتهت الحرب كنا بحاجة إلى ساعات من
التفكير حتى نصدق ذلك فلم نعد نتصور
حياتنا اليومية دون حرب وتصريح ناطق
عسكري وهجوم وهجوم مضاد... إلخ، ولم
نتنفس الصعداء ولم ننتشِ بعبير السلام
بعد حتى داهمتنا الحرب من جديد من حيث لا
نحتسب، فلم يكن على البال ولا على
الخاطر غزو الكويت الجارة الشقيقة
المساندة لنا في حربنا الأولى.. تفاجأنا
بالبضائع والسيارات والسلع الكويتية
تغزو أسواقنا، وحين سألنا قالوا لنا
إنها غنائم الحرب، كنا حينها نعرف وندرك
تماما معنى الحرب بحكم تجربة السنين
الثماني العجاف، ولكن مع من ولماذا
ولحساب من هذه المرة؟! هذا ما لم نكن
نعرفه.
والحرب
الجديدة كانت في مواجهة حلف أمريكي لا
يستسيغ العقل ولا يصدق المنطق أن نواجه
لوحدنا مثله، ولم ندرك حجم المصيبة
والمأزق الذي وضعنا فيه إلا حين بدأت
الغارات الجوية؛ فتحول العراق في أقل من
أسبوع إلى بلد فقير بلا ماء ولا كهرباء
ولا هاتف ولا مواصلات، وعدنا إلى زمن
الاحتطاب، فما تركنا في الحي شجرة إلا
وحولناها إلى طعام لنيران مواقد
التدفئة والطبخ.
وبدأ
فصل الحصار الذي لم نكترث له حين سمعنا
به؛ لأننا لم نكن نعرف معناه، وكما يقول
الإخوة المصريون "اللي ما يعرفك
يجهلك"، وما أن تبدت على حياتنا
تداعياته حتى عرفناه جوعاً وخوفاً
ونقصاً في الأموال والأنفس والثمرات؛
فبعد أن كان رمضان يزورنا وعندنا
الطعام، لكننا لا نجد الشهية صار يزورنا
ونحن لا نملك لا الطعام ولا الشهية له.
وغابت
مع الحصار مظاهر المائدة الرمضانية
التي وصفناها باللوحة الفنية، فبات
السعيد فينا من عنده منه لونٌ واحد دون
أن يمد إلى الناس يد العوز والفاقة،
وغابت في هذا الخضم المظاهر الرمضانية،
وتولدت فينا أمراض اجتماعية بسبب الفقر
(وكاد الفقر أن يكون كفرا)، وكان صلى
الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ
بك من الكفر والفقر"، فجعل الفقر قرين
الكفر فبسببه تقطعت الأرحام ولم يعد
الجيران يتزاورون وباتت العلاقة بين
الآباء والأبناء وبين الإخوة والأخوات
والصحب والجيران تحكمها المصالح
المادية والعلائق الدنيوية.
وما
يزيد الطين بلّه غياب مَعلم واضح
للمستقبل في هذا الخضم وترقب ضربة
عسكرية بين الفينة والأخرى، ولن ينسى
العراقيون يوم ضربت بلادهم -لأجل عيون
عشيقة كلينتون- ورمضان يزورنا اليوم
ونحن نترقب ضربة جديدة تأهبت حكومتنا
لها بإخلاء المواقع الحساسة. أما البشر
فليس لهم إلا الله فيما هو قادم من أيام
لا يبدو في بشائرها معالم انفراج لأزمة
يجمع العراقيون على أنه ليس لها إلا
الله، ولنا أن نتوجه إليه في هذه
النفحات الرمضانية، ونسأله أن يجعل لنا
من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا.
اقرأ
أيضًا:
*
مساهمة من الكاتب والصحفي العراقي محمد
صادق أمين

|