|
متى ظهر التعليم الأجنبي؟
أولى محاولات النهضة للّحاق بالغرب
وتدارك ذلك الفوات الحضاري اتجهت إلى
التعليم مع محمد علي باشا (1770-1849م) في
مصر، وكان فد ابتعث مجموعة من الأفراد
إلى الدول الأوروبية، واستقدم عددًا من
العلماء الأوروبيين للمشاركة في بناء
الدولة الحديثة عن طريق التعليم، فعرفت
مصر في عهده الطريق إلى النظام الغربي
الحديث في التعليم، وأُنشئ العديد من
المدارس التي تعلم العلوم الغربية
الحديثة، وخاصة تلك الدراسات ذات
الطابع التطبيقي مثل الهندسة والعلوم
العسكرية.
ومع نزوع محمد علي إلى تحديث التعليم
أبقى على التعليم الديني السائد كما هو،
وذلك ما أحدث شرخًا ثقافيًّا في المجتمع
العربي، اتسع مع السنين بين خريجي
التعليم الديني الذين يمثلون الموروث،
ويعادون التعليم الحديث؛ لأنه مرتبط
بالاستعمار والصليبية العقدية، وبين
خريجي التعليم الحديث الذين نظروا إلى
الموروث على أنه مرادف للتخلف.
وكان القرن التاسع عشر الميلادي قد شهد
افتتاح مدارس التعليم الأجنبي على أيدي
الإرساليات الدينية وقتها، وكان كلٌّ
منها يتبع لحماية دولة أجنبية، وكانت
كثيرًا ما تستلهم مناهجها وخططها من
القنصليات الموجودة داخل الدولة
العثمانية، أو من البلدان الأجنبية
نفسها.
واستمرت هذه الظاهرة بالانتشار حتى
الوقت الحالي؛ لتصير ظاهرة معممة في
العالم العربي؛ ففي الكويت مثلاً طغى
التعليم الأجنبي حتى ليكاد الناس
ينصرفون كلية عن التعليم الحكومي، ومصر
تشهد الآن 9 أشكال من التعليم (الإنجليزي
– الفرنسي – الألماني...).
ماذا نعني بالتعليم الأجنبي؟
وقبل أن نخوض في تفسير ظاهرة "التعليم الأجنبي" ودراستها، من المهم أن نحدد ماذا نعني بالتعليم الأجنبي؟ التعليم الأجنبي بمعناه العام يطلق على ذلك التعليم الذي يقابل التعليم المحلي (أهلي - حكومي)، ويقوم على تدريس مناهج أجنبية، لكننا معنيون هنا بشكل خاص بالتعليم الأجنبي الذي يخص المدارس الأجنبية في دولنا العربية، وإن كان هنالك تداخل بين المدارس الخاصة التي تتبنى مناهج غربية من دون مراعاة خصوصية المجتمعات العربية والإسلامية، أو حتى الحكومية في بعض الدول التي تَمَلّكها توجه غربي، لكن الوضع مع تلك المدارس يختلف -بقليل أو كثير- مع المدارس الأجنبية تحديدًا التي تمثل دولَها ثقافةً ولغةً ومناهجَ.
كيف نفسر هذه الظاهرة؟
يحلو لكثير من الإسلاميين وبعض
القوميين أن يصوروا "التعليم الأجنبي"
على أنه كلَّه شرور، والهدف منه "تغريب
المجتمع" والأمة، ومع الإسلاميين
يأخذ بُعدًا عقديًّا وهو "الإبعاد عن
الدين الإسلامي"، أو بتعبير أحدهم:
"سلخ الأمة من دينها".. والذي يحول
دون فهم ظاهرة "التعليم الأجنبي"
من قبل هؤلاء وأمثالهم أمور عدة؛
فكتابات كثيرة محكومة بعقلية تآمرية
وتنطلق من الربط بين التعليم الأجنبي و"الاستعمار"
و"التبشير" و"الاستشراق" و"الغزو
الثقافي"… إلى آخر هذا القاموس الذي
تدور مفرداته حول تصور العلاقة مع الآخر
/ الغرب علاقة "صراع" وتوجس، وعدم
الفصل بين السياسي والمعرفي بخصوص هذه
العلاقة.
ثم إن الإسلاميين الذين يلحون على البعد
العقدي التبشيري في التعليم الأجنبي
يمتلكون تصورًا ساذجًا عن واقع التعليم
الأجنبي وتطوراته ومراحله وأبعاده،
ويقفون به عند مرحلة البداية في القرن
التاسع عشر حينما بدأ بالإرساليات
التبشيرية، واللافت للنظر أن بعض
الكتابات -أو كثيرًا منها- تتعامل
بسذاجة شديدة في معالجة هذا الموضوع؛ إذ
تقوم على الإنشائية التهويلية من
الأمر، والوصف والإحصاءات غير الدقيقة،
وتُحوّل القضية إلى "صراع عقدي"
أساسًا، حتى لَيُخَيّل إلينا أن
المسألة نصرانية ضد إسلام! وتُدلّل لذلك
بأقوال مجموعة من النصارى وكأنها
بيانات رئاسية لمعركة قادمة ("سنفعل"،
"سنغير"…).
واللافت
أن هذه المقولات تتكرر في عدد من
الكتابات السنية والشيعية، وللقائلين
أنفسهم أحيانًا، ثم إنها على سذاجتها
ولامنطقيتها وبعدها عن الواقع تسيء
إلينا في الوقت الذي يظن هؤلاء الكتّاب
أنهم يحسنون صنعًا؛ إذ تجعلنا في موضع
"المفعول به" دائمًا، وكأننا
مسلوبو الإرادة تمامًا، ثم هي تُغفل أن
هؤلاء المتكلمين -إن صحت الأقوال- ليسوا
في موضع القرار، ولا يملكون من السلطات
ما يغيرون به العالم كما يصورهم هؤلاء
الكتّاب!
وبعضٌ
آخر يخلط بين التعليم العام، والتعليم
الديني / الشرعي، ويضعه في مقابلة
التعليم الأجنبي حين يعالج هذا الموضوع!
صحيح أن التعليم الأجنبي بدأ
بالإرساليات المسيحية، لكن لم يكن
الهدف هو تنصير المسلمين كما قد يبدو؛
فقد استمر التعليم الأجنبي ومدارسه
والإرساليات مع أنه لم يُسَجَّل وجود
ظاهرة تنصير في العالم العربي منذ إنشاء
تلك المدارس. وإنما كان الهدف في مرحلة
الاستعمار الاتصال بالوسط المسيحي
العربي لأسباب سياسية، وإن أخذت غطاء
دينيًّا، ولعلنا نذكر أن التدخلات
السياسية من المستعمِرين في الدولة
العثمانية كان من وسائلها حمايةُ
الرَّعايا من الأرثوذكس والكاثوليك
والبروتستانت.
ذلك الاتصال بالوسط المسيحي -وإن دخل
تلك المدارس بعضٌ من المسلمين- كان يهدف
إلى خلق نخبة متغربة تدين بالولاء
للمستعمِر بحكم الانتماء الديني، أو
الثقافي بالنسبة لغير المسيحيين، تحكم
باسمه وترعى مصالحه.
لكن النظر إلى التعليم الأجنبي يختلف
باختلاف المرحلة؛ فهو الآن يأخذ بُعدًا
آخر؛ فهو الآن يأتي في سياق تدافع القيم
المحلية والغربية (على اختلافها)، حتى
أصبحنا نعيش بصورة مجتمعَيْن تحت سقف
واحد سياسيًّا واجتماعيًّا
واقتصاديًّا وفكريًّا وثقافيًّا،
وأصبحت هناك ازدواجية في المعايير
والقيم. لكن هذا لا يعني الحكم على
التعليم الأجنبي بالرفض أو القبول قبل
دراسته ومعرفة سلبياته وإيجابياته، وإن
كان خيارا الرفض والقبول يحتويان على
سلبيات وإيجابيات.
لماذا الإقبال على التعليم الأجنبي؟
لكن قبل الحديث عن السلبيات
والإيجابيات لا بد من طرح تساؤل مهم،
وهو: لماذا هذا الإقبال الواسع على
التعليم الأجنبي؟ والإجابة على التساؤل
ربما تختلف باختلاف الناس، لكن المتأمل
لهذا الإقبال كظاهرة يخرج بمجموعة من
الأسباب، أبرزها:
1-
ربط التعليم
بسوق العمل (أي بالاقتصاد)، وهو من سمات
النظام الرأسمالي.
2-
عقدة الانبهار
بـ"الأجنبي" التي لا تزال سائدة في
مجتمعاتنا، وفي سوق العمل خاصة؛ بحيث
يُتاح له من الفرص ما لا يتاح للحاصل على
تعليم الحكومي.
3-
وقد يكون
الإقبال عند بعض الفئات من الناس نوعًا
من التمايز الاجتماعي، وإعلان الانتماء
إلى طبقة اجتماعية ثرية.
4-
تطور الوسائل
التعليمية والتقنيات الحديثة.
5-
تطور الإدارة
التعليمية، والعناية الكبيرة
بالتعليم، وقلة عدد الطلاب.
6-
اعتماد
الأساليب التربوية الحديثة في العملية
التعليمية.
7-
وقد يكون
الإقبال عند بعض الفئات لونًا من الهروب
من المجتمع وثقله، ومحاولة للاندماج في
الآخر الذي يمثل الحداثة، والحرية،
والتقدم.
8-
لكن يبقى
الأهم من تلك الأسباب -ربما-؛ ذلك
الإيمان بفشل التعليم الحكومي ودونيته،
ومن ثَمَّ ينشأ الحرص على تعليم أفضل،
وناجح، ويعود فشل التعليم الحكومي إلى
أزمة المناهج، والإدارة، والسياسات
التعليمية، والحالة الاقتصادية؛ وهو ما
أدى إلى فشلٍ في خلق تصور صحيح عن ضرورة
المعرفة وأهميتها، والفشل في تحقيق
التنمية، وعدم تلبية مطالب سوق العمل،
وهذا بدوره أدى إلى فشل في النهوض من
التخلف على مستوى التفكير والتصورات،
وعلى مستوى الأسرة وبناء المجتمع، وعلى
مستوى السلوكيات وغياب ثقافة الحقوق
والواجبات. أي أن الحكومات فشلت في بناء
الإنسان الذي له حقوق مقابل الواجبات،
وصنعت الإنسان المقموع، المضطهد، مسلوب
الحقوق.
إيجابيات وسلبيات
يبالغ بعضهم؛ فيرى أن التعليم الأجنبي
يعني دخول أطراف خارجية في العملية
التعليمية؛ وهو ما يعني تعريض أمن الأمة
للخطر، من خلال -حسب تصوره- "الغزو
الفكري". وهذا يعود إلى إشكالية
العلاقة مع الآخر، وإلى إشكالية تصوره
لمجموعة من المفاهيم مثل الثقافة،
والتعليم، والأمن القومي، ومن ثم
إشكالية مفهوم "الغزو الثقافي"
الذي غالبًا ما يُستخدم بشكل سلبي
لتسويغ الممانعة التي يبديها
التقليديون ضد التحديث والتطور، ويغدو
مفهوم "الغزو الفكري" في المجال
الثقافي والتعليمي معادِلاً لمفهوم "البدعة"
في المجال الديني الذي استُخدم ضد
محاولات التجديد.
والمتأمل في التعليم الأجنبي يجد أن له
إيجابيات كما أن له سلبيات، وحديث
الإيجابيات والسلبيات من شأنه أن يعود
بنا وبولي الأمر إلى إشكالية
الإيجابيات والسلبيات في مرحلة
الاختيار بين التعليم الأجنبي والتعليم
الحكومي، والموازنة بين ما لكلٍّ وما
عليه، وهذه الموازنة قضية اجتهادية
يقدّرها كل ولي أمر، وأصحاب الشأن من
التربويين والاجتماعيين، ومن ثم نحن
نستغرب كثيرًا تلك الفتاوى التي صدرت عن
بعض الشيوخ بتحريم الالتحاق بالمدارس
الأجنبية، وهذه الفتاوى لم تبنَ على
تصور سليم اللهم إلا إن كانت تخص
المدارس التبشيرية فقط.
ويمكن
إجمال ما يُوَجَّه إلى التعليم الأجنبي
من سلبيات في مستويات متعددة:
فعلى
المستوى العقدي والديني: يميل كثير من
الإسلاميين إلى تعميمات وتهويمات لا
تمتّ إلى الواقع بكثير صلة، وتستصحب
تصورًا مسبقًا عن المدارس الأجنبية؛
فتصور أن التعليم الأجنبي "يروّض فكر
الطالب لتشرّب العقيدة النصرانية"،
وأنه "اتباع سنن أهل الكتاب،
وتوليهم، ومحبتهم؛ ما يعني خلع ولاية
الإيمان"!!
ولعل ما تقدم كافٍ في رد هذه التصورات
السطحية عن التعليم، والواقع يناقضها،
كما أنه من المهم هنا أن نقرر حقيقة أن
دول الغرب دول علمانية في نظمها
وتعليمها ورؤيتها للعالم والحياة،
وليست قائمة على أساس ديني نصراني.
لكن من المهم القول بأن إحدى سلبيات
التعليم الأجنبي الحقيقية: تهميش الدين
في مناهجه، أو لنقل غيابه؛ لأنه تعليم
مدني لا يقوم على أساس ديني، وهذا
التهميش للدين دخل بعض المناهج
الحكومية في دول إسلامية. وهذا من شأنه
أن يضاعف مسؤولية الأسرة والمسجد في
ترميم هذا النقص والقصور.
وعلى المستوى الأخلاقي: يورد بعضهم أن
التعليم الأجنبي يؤدي إلى التخلق
بأخلاق لا تناسب ديننا وثقافتنا؛ نتيجة
اختلاف المنظومة القيمية بين الغرب
والإسلام، ولعل أبرزها قيم "الفردية"
وضعف "الغيرية"، والنظرة إلى مفهوم
حقوق الإنسان الغربي الذي لا يراعي
مرجعية الدين. لكن نظرة فاحصة لواقع
التعليم الأجنبي تقرر أن الطالب في
المقابل يكتسب قيمًا إيجابية غير
متوفرة في محيطه أو في التعليم الحكومي
المليء بالسلبيات المختلفة، وأهمها
مفهوم حقوق الإنسان نفسه، ومن شأن الوسط
الاجتماعي والديني أن يضبط هذا المفهوم
بما يتناسب مع خصوصيتنا الدينية، وكذلك
قيم الجد والعمل والنظام، والاحترام،
والتعبير عن الرأي، ومهارات التفكير
والنقد، والبعد عن التلقين وغيرها.
وعلى
المستوى الثقافي والفكري: يحتج بعضهم
بأن كثيرًا من الانحرافات الفكرية
المناهضة لهوية الأمة قامت بفعل
المتغربين، وبعضهم كان خريج تلك
المدارس الأجنبية، وكذلك النخبة
الحاكمة وأولاد الملوك والأمراء.
لكن
الواقع يشهد بوجود أناس تخرجوا في
المدارس الأجنبية، وحافظوا على هويتهم
ومسلَّماتهم، كما أن البحث في أسباب
نشأة تلك المذاهب الفكرية المناهضة
يكشف عن وجود استعدادات ذاتية، وعوامل
أخرى، وليست المدرسة الأجنبية هي
المسئول الوحيد، كما أن كثيرًا من
المتغربين لم يدرسوا في مدارس أجنبية في
مراحل التعليم الأساسي على الأقل.
ومما
يورَد هنا أن المناهج التعليمية من
شأنها ألا تناسب خصوصية مجتمعاتنا؛ فهي
خلاصة خبرة أجنبية تعالج هموم ومشاكل
وتطلعات مجتمع غريب عن مجتمعنا؛ ما
سيجعل الطالب يشعر بالاغتراب، أو أن
تكون هواجسه غربية، وهذا مقلق في مرحلة
التعليم الأساسي لا شك، ويمكن أن
يُتَلافى هذا برقابة حكومية على
المناهج ويُدْرَج ذلك ضمن الاتفاقيات
التي تتم بين الدولة المحلية والدول
المسئولة عن المدارس الأجنبية. مع العلم
بأن التعليم الحكومي يهمش الواقع
ومشاكله وإنْ بأقدار مختلفة، وهو ما
يعكس أحد جوانب أزمة مناهجنا التعليمية.
وعلى
المستوى الاجتماعي: من شأن التعليم
الأجنبي أن يرسِّخ مفهوم الطبقية في
المجتمع، ويساهم في خلق فوارق بين تعليم
غني وتعليم فقير، وهي المشكلة التي
تتمثل في الفرق بين التعليم الأجنبي
والتعليم الحكومي، وهذه المشكلة موجودة
أيضاً في التعليم الخاص نفسه، وكذلك في
التعليم العالي الحكومي، وهي مشكلة
اجتماعية وليست تعليمية بالأساس.
وإضافة
إلى ما سبق كله وهو داخل في البناء
الحضاري ككل يوجَّه إلى التعليم
الأجنبي أنه يؤدي إلى ضعف الانتماء
للدين والهوية، وتنميط الشخصية بالنمط
الغربي، وإرساء قيم الاستهلاك
والاغتراب، والتبعية للآخر. لكن هذه
المظاهر وإن كانت موجودة بحدود متفاوتة
في المدارس الأجنبية فإننا نشهدها
كظاهرة اجتماعية على مستوى الأمة ككل،
والواقع يشهد ضعفًا عامًا في الانتماء
حتى في التعليم الحكومي لأسباب مختلفة
تزداد حدة في مرحلة تدافع القيم
والثقافات في مواجهة تنميط العولمة (بأشكالها
المختلفة: الثقافية والاقتصادية
والسياسية).
ويأتي
من أهم تلك الأسباب النظام السياسي
العام في العالم العربي والإسلامي،
والنظام الاجتماعي، والحالة
الاقتصادية، فمَن لا يملك قوت يومه في
بلده، ولا يملك أدنى مشاركة في القرار
كيف سيشعر بالانتماء؟ وقضية الهجرة
التي تعني فيما تعني البحث عن وطن بديل
ليست مقصورة على التعليم الأجنبي فقط.
والذين يتحدثون عن سلبيات التعليم
الأجنبي يصورونه على أنه السبب الأساسي
–إن لم يكن الوحيد- في مصائب وهزائم
الأمة
إنه
من المهم أن نعي أن التعليم جزء من
منظومة فكرية، وسياسية، واجتماعية
لحضارة ما، والضعف حينما يدبّ فيها يشمل
الجوانب كلها معًا، ثم إن الحديث عن
السلبيات يفترض أن المدارس هي فقط
الموجه والمربي، ويغفلون دور الأسرة،
والمجتمع، والإعلام والمسجد، وغيرها من
وسائل التنشئة الاجتماعية التي تحمل
مسؤولية الحفاظ على الهوية والانتماء
والدين واللغة.
ومن المهم في هذا السياق التذكير بأن
كثيرًا من الدساتير العربية تنص على أن
الدولة مسئولة عن التعليم، وتشرف عليه
لضمان المساواة وتوفير الحد الأدنى من
أسس التثقيف والتنشئة الاجتماعية،
وخاصة في التعليم الأساسي وإن كان هذا
الأمر يثير عددًا من الإشكاليات،
أبرزها حدود هذه الرقابة، ومدى
فاعليتها بالنسبة للمدارس الأجنبية،
وخاصة لمواد التاريخ واللغة العربية
والدين التي تشكل مكمن الخطر في التعليم
الأجنبي، والإشكالية الأهم هي معضلة
التعليم والطالب بين تسييس الدولة،
وتغريب المدارس الأجنبية.
تعلُّم اللغة الأجنبية
ومما يتصل بالتعليم الأجنبي تَعلُّم
اللغات؛ فبعض الكتَّاب –وخصوصًا من
الإسلاميين والقوميين- ينظر إلى ثنائية
اللغة للناشئة على أنه "خطر داهم
لكيانها وهويتها"، ويدعم هذه النظرة
بمقولة: "الطفل الذي يتلقى دروسًا في
لغة ثانية قبل أن يتقن لغته الأم لن
يتقدم في هذه أو تلك". وبعضٌ آخر يريد
أن يمارس نوعًا من الوصاية على الناشئة؛
فيقول: "إن اللغات الأوروبية تجعل
التلاميذ قادرين على الاتصال المباشر
بالفكر الأوروبي؛ فيكونون مستعدين
للتأثر"!
وهذه المواقف تعكس خللاً في نظرتنا إلى
اللغات، وعلاقتها بالفكر والعملية
التعليمية. فهذه المقولات تحتكم إلى أن
اللغة الأجنبية نقيض للغة الأم،
وبالتالي تنشأ حالة صراع هوية، ما يؤدي
إلى الاغتراب! أو أن امتلاك اللغة
الأجنبية يعني امتلاك وسيلة للاتصال
بالفكر الغربي وهذا خطر!! وهذا يعكس حالة
وصاية على العقل، وهو يتكئ على مفهوم
شائع للتعليم (وهو الذي يكرسه التعليم
الديني والحكومي) الذي يعتمد على
التلقين، بينما يقوم التعليم الأجنبي
أساسًا على الحرية والبحث وإكساب
مهارات التفكير والنقد ؛ نظرًا لأنه لا
يرى أن العملية التعليمية هي مجرد نقل
مطلقات لا تقبل الجدل، أو التفكير، كما
هو شأن التعليميْن الديني والحكومي.
والخلل
الثاني الذي يعكس تلك النظرة السطحية
للغة الأجنبية، هو علاقة اللغة
بالتكوين العقلي والنظر إلى الوجود،
وهذا يُنظر إليه -وفق علاقة الريبة
والوصاية والتوجس من الآخر/الأجنبي-على
أنه سلبية تسوغ الانصراف عن تعلُّم
اللغة الأجنبية للناشئة على الأقل. في
حين أن تلك العلاقة هي حالة إيجابية
تقتضي ضرورة تعلُّم اللغات؛ لأنها
تساهم في اتساع الأفق، وتنظيم التفكير،
وزيادة الثروة اللغوية، كما أن
الدراسات تثبت قدرة الناشئة على اكتساب
أكثر من لغة، وقد أكدتها بعض التجارب.
الخلاصة
ينبغي
أن يُنظر إلى العملية التعليمية على
أنها جزء من منظومة المجتمع ككل، وأن
الاختيار بين تعليم وآخر قائمٌ على
إشكالية معقدة، وهي الاختيار بين تعليم
حديث فيه بعض السلبيات التي قد تؤثر في
الهوية والثقافة واللغة، وبين تعليم
متخلف مليء بالسلبيات ولا يواكب العصر،
ومع ذلك فهو يتواءم مع الخصوصية
الثقافية والدينية.
واختيار التعليم الأجنبي قد يعكس رغبة
جدية في النهضة، ومواكبة العصر،
والخلوص من حالة التخلف. وهذا يؤدي
غالبًا إلى التضحية بالسلبيات الموجودة
في التعليم الأجنبي، لكن من المهم في
هذه الحالة التأكيد على تعاظم دور وسائل
التنشئة الاجتماعية الأخرى لترمم ما
يحدث من خلل، وتسهم في معالجة ما قد ينشأ
من سلبيات، ونعني بشكل خاص التربيةَ
الأسرية، ودور المسجد، والمحيط
الاجتماعي.
ومن المهم أن نفرق بين التعليم
والاندماج بالآخر؛ فالتعليم ضرورة
معرفية، وهو عمل علمي، أما الاندماج فهو
سلوك ثقافي ينخرط في التبعية للآخر،
والتخلي عن الهوية.
|