|
أثناء
الاحتفال بالحادي عشر من سبتمبر دار في
الولايات المتحدة جدل حول علاقة
الأحداث التي شهدها الطلبة وعايشوها
على مدار عام وأسلوب التدريس في المدارس..
وصل
النقاش بين المتخصصين إلى حد أنهم بدءوا
يتساءلون: ما هو دور المدرسة في ظل
الأحداث الجارية؟ هل من المفترض أن
يقتصر دورها على مد التلاميذ
بالمعلومات الضرورية لفهم الواقع
وتشابكاته
المختلفة؟ أم الهدف لا بد أن يتركز حول
مهمة تشكيل عقلية التلاميذ
بأيديولوجيات
معينة. وفيما يلي عرض لهذا الجدال
الواقع من خلال مقالتين نُشرتا على
بوابة "MSN" على شبكة الإنترنت.
المقال
الأول: هراء اسمه الوطنية
في
مقالة الكاتب Eric
Liu وتحت عنوان:
"الحادي
عشر من سبتمبر يعود للمدرسة.. الوطنية
والهراء في تدريس التربية الوطنية"
يدور
الكلام حول الهدف الأساسي من العملية
التعليمية: هل هو أن نعلمهم كيف يفكرون؟
أم أن نعلمهم كيف يكونون؟ ويرى الكاتب
أن الهدف الذي ينبغي أن نسعى لترسيخه هو
أن نعلمهم كيف يكونون، وليس كيف يفكرون.
فالأسواق تعج بالموسوعات التي تقوم
بمهمة إرساء الحقائق وشرحها. أما مهمة
المدارس فعليها أن تتركز وتتمحور حول
مهمة "بناء الشخصية المتفاعلة في
الأدوار الاجتماعية المختلفة، الشخصية
التي تعرف وتدرك كيف تتخذ قرارًا
سياسيًّا صائبًا، شخصية عندها القدرة
على أن تسأل السؤال الصحيح عندما يثبت
التفكير المنطقي فشله كما حدث مع الحادي
عشر من سبتمبر. الهدف هو توريث
الأيديولوجية السائدة".
مفهوم
خاطئ
"لا
شك أن هناك طريقتين متنافستين لتدريس 11-9،
وربما كان هذا التضاد ظاهريا؛ فهؤلاء
الذي انطلقوا يغذون الأبناء بالتعاطف
نحو كل من اسمه "أسامة".. أو هؤلاء
الذين سعوا إلى المبالغة في تعظيم كلمات
رؤساء الولايات المتحدة.. كلاهما لا شك
بداخله عدم ثقة بعقول الأبناء وأهليتهم
لاستيعاب الحدث بطريقتهم، فقد اعتقدوا
أنهم
أوانٍ
فارغة يملئونها بما يشاءون.. وإن كان
عامل رعب الأبناء هو ما حفز كلا
الجانبين على الإسراع بملء هذا الوعاء،
وتلوين تلك الصفحة البيضاء قبل أن يخط
عليها أحد لونًا آخر يزيد الأمر
تعقيدًا، ولا شك أن هناك مفهومًا
مشتركًا بين الطريقتين، وهو أن المدارس
تتواجد لتعليم الأطفال كيف يفكرون، ذلك
المفهوم الخاطئ تماما".
"إن
نظرتنا لجيل اليوم هي التي يجب أن
ينالها التطور والتغيير، فهم مخلوقات
في تطور دائم ومستمر يحيون في حياة
متغيرة يشعرون بداخلها بالتمدد
والانكماش.. إن نظرتهم للدعاية والإعلان
ربما كانت أعمق وأكثر عملية.. إنهم
يعلمون جيدا أننا ندرك اعتقادهم الراسخ
في كون عصر المعلومات والمتع لا يوجد به
حقيقة مطلقة، ولا يوجد به ما لا يلبسه
الزيف إلا القليل.. فما هو أصليٌّ نادر
في حياتهم، وبالتالي فإنهم قادرون على
إعادة النظر في كل فعل".
"كيف
نعلم؟" قبل "ماذا نعلم؟"
"ذلك
يعنى أخذ رؤية مختلفة عن كيفية تدريس 11
سبتمبر فهي لحظة نادرة للتعلم. إذن كيف
نعلم 11/9
مسألة
ربما كانت أكثر أهمية من ماذا نعلم؟ وهو
ما يجعلنا نعيد النظر في خطط الدروس
القائمة إما على الكره وإما على الحب؛
فبدلا من استكشافات مجردة من نوع "كيف
يشعر الأطفال؟" -وهو ما من شأنه تعظيم
الزيف، وتشجيع حالة اللافعل.. بل وطرح
مزيد من الأسئلة الديمقراطية والإجابات
سابقة التجهيز، ومزيد من الاختلاق
لمواضيع هلامية، وقليل من التعليم- لندع
الطلبة يقيسون موازين العدل الخاصة
بهم، عندما يجب على أحدهم أن يمثل
النائب العام، وآخر الصحفي الرئيسي،
وآخر المعتقل غير المعروف في تمرين
أمريكي مصغر.. فلندعهم يمثلون كيف كان
يمكن لمجتمعات أخرى حرة وديمقراطية أو
غيرها أن ترد على مثل هذا الهجوم".
"فلنسمح
لهم بالبحث عن المسببات، وإعادة تقييم
الأحداث، واكتشاف الاختلاف بين الأسباب
والأعذار. فلندعهم يتخيلون كيف كان من
الممكن أن يختلف رد فعلنا لـ 11/9
لو
علمنا بالحدث قبله بأربع وعشرين ساعة.
ولننظر إلى المجتمعات المصغرة التي يتم
إقامتها في المدارس كمجتمع داخل
المجتمع يمارس الأطفال فيه التجارة
والقضاء والمشروعات الصغيرة من خلال
نماذج مصغرة للمحاكم ومنافذ الإعلام
وغيرها من المؤسسات.. إن ما يجنيه
الأطفال من اللعب في هذه النماذج من
الألعاب الجماعية يحدث من النتائج ما هو
أعظم من مئات الكتب لتعليم الأطفال عن
الحياة في أمريكا".
11
سبتمبر هولوكوست جديد
"إن
اعتبار التدريس مهارة في الإقناع هو
السبب في فقد المنهج والمقرر لهدفه
وتأثيره، التعليم لا ينبغي أن يجعل
الأطفال
يتأرجحون
بين رأي هذا وذاك، بل ينبغي أن يعدهم
ليعيشوا كمواطنين، أن يعلموا كيف
يعملون كناخبين، وزعماء وجيران. ولم تكن
أفضل طريقة لعمل ذلك -بعد حدث ما مثل
سبتمبر- أن نتمرن على المبالغة وإحداث
حروب الثقافة، بل أن ندفع أبناءنا
لممارسة الحياة بل وإعادة صياغتها
وتشكيلها والعيش في العالم الذي أهداه
لنا سبتمبر الماضي في اليوم الحادي عشر
منه".
وينتهي
كلام
الكاتب
الأمريكي الذي يجعل من الحادي عشر من
سبتمبر حدثًا هولوكوستيا يحتاج في
دراسته لتعلم فن مواجهة التاريخ،
وإعادة قراءته لصياغة مستقبل وحاضر
مختلفين في ضوء الأحداث.
المقال
الثاني
:
الحاجة
إلى المعلومات
أما
وجهة النظر الأخرى فيدافع عنها "تميم
الأنصاري" -الذي
يبدو
من اسمه أنه عربي أو ينتمي إلى أصول
عربية- من خلال مقالة صادرة بتاريخ 17-9-2002،
وسماها: "الحادي عشر من سبتمبر وما
بعدها: ماذا نعلم أبناءنا؟" يعترف
الكاتب بأن إيجاد التفسيرات الصحية لما
يدور حولنا من هجمات إرهابية وحشود
عسكرية هنا وهناك ليس سهلا مع الآباء
والمربين، وقد شهدت الساحة التعليمية
حتى على الإنترنت عددًا من التفسيرات
الضالة، منها أن ذلك نذير بنهاية
العالم، وأنها تحقيق لنبوءة ”Nastradamus” (الفلكي
الفرنسي الذي عاش في القرن السادس عشر،
والذي تنبأ بانهيار العالم بطائرتين)،
وهذا لا يعني شيئًا سوى أن علينا أن نعيد
الأمور لنصابها.. الآباء والأطفال الكل
يحتاج في مواقف مثل تلك أن يتم مده
بالمعلومات الصحيحة الموثوق بها".
"غالبية
من اهتم بتأثير الحدث على الأبناء فكر
وركز على مجال الصحة النفسية، ولكن هناك
حاجة فكرية معلوماتية ضرورية لا يمكن
إغفالها. الكل كان مذهولا، فضلا عن كونه
مرعوبًا من جراء الحدث، ولذلك عينا أن
نتساءل: ماذا علينا أن ندرسه ونعلمه
لأبنائنا؟ ما هو الأنسب الآن؟"
التدريس
وأحداث الماضي
ويرى
الكاتب أنه من الضرورة بمكان أن نحلل ما
كان عليه أسلوب "التدريس" في
الماضي القريب؛ فلم تكن هذه هي الهزة
الأولى في حياة الولايات المتحدة
وتاريخها المعاصر.
حرب
فيتنام كيف تم شرحها للطلبة والتلاميذ
في المدارس؟ الإجابة: لا شيء، لم يتم
التطرق للحرب بالمرة. قد يقول البعض:
المقارنة ليست في محلها؛ لأن الحرب لم
تشهد لحظات مرعبة مفزعة.. فحدث لم يستغرق
سوى ساعات أدى إلى كل هذه الكوارث.
باختصار تُركت الحرب لتكون مادة
الإشاعات
والحوارات
الجانبية في فناء المدرسة وأرصفة
الشوارع.
حادثة
"بيرل هاربر" لم يُذكر شيء للطلبة
بعد عودتهم لفصولهم بعد الحادثة.
المناهج كانت خالية من أي حساسيات
ثقافية، ولا تذكر القوميات الأخرى
بصورة متعصبة، لم يكن هذا هو المزاج
الوطني أيامها.
حتى
اغتيال جون كيندي لم يؤثر كثيرًا على
أسلوب التدريس في المدارس. في بعض
المدارس تم تدريس حياة الرجل في حصة أو
حصتين، ثم عادت الأمور إلى الروتين
اليومي المعتاد.
هذا
إن كان يشير إلى شيء فهو يشير إلى انفصال
التعليم عن الحياة الواقعية.
تم
تغيير مناهج 2001/2002
يعطي
لنا الكاتب -الذي يتضح أنه أفغاني الأصل-
صورة واقعية عن تفاعل المعلمين مع الحدث.
ففي إحدى أمسيات العالم الدراسي الحالي
تمت دعوة الكاتب للمحاضرة في القاعة
الكبرى بإحدى المدارس الثانوية. تم
استئجار قاعة؛ لأن عدد الطلبة الراغبين
في الحضور كان كبيرا، طلب منه إعطاء
الطلبة نبذة عن تاريخ الشعب الأفغاني،
وكانت كلمته جزءا من محاور متعددة يتم
تناولها في الأمسية.
قبل
البدء سأل الكاتب "تميم الأنصاري"
أساتذة التاريخ في المدرسة ما إذا كانوا
أحدثوا تغييرا في مناهجهم بعد الأحداث؟
فجاء رد أحدهم أنه بدأ يدرس تاريخ الشرق
الأوسط ووسط آسيا بشيء من التفصيل،
والآخر ركَّز على تاريخ الأديان،
وإعطاء الإسلام أولوية التدريس، أما
مدرس اللغة الإنجليزية فرأى اختيار
القرآن ليدرس في فصول الأدب.
"ثم
بدأ سيل من الأسئلة عن طالبان وموقفهم،
أفغانستان وموقفها من أمريكا، لماذا
يكرهوننا؟ هل... ماذا... متى.... كيف... لماذا...؟".
"خرجت
من المحاضرة بقناعة تامة بأن هناك حاجة
ماسة إلى مد صغارنا وطلابنا بالمعلومات"،
المعلومات هي
مفتاح
الفهم، "كما راعينا قلوبهم ونفسيتهم
علينا أن نهتم بعقولهم بنفس الصورة، وهي
ليست أقل".
|