|
من
الكتب التي قرأتها مرات ومرات وأعجبتني
كتاب جميل بسيط ومؤثر للكاتب خالد محمد
خالد رحمه الله عنوانه "رجال حول
الرسول"، انتقى فيه ثلة من صحابة رسول
الله واستعرض حياتهم وقصص إسلامهم
وجهادهم في سبيل هذا الدين بأسلوب محبب
ورقيق. من مطالعة هذه السير وغيرها في
كتب السلف رسخت في الذاكرة عظمة
الصحابة، واستقر في الوجدان حبهم. ثم
قرأنا في سنوات تالية كتباً أثقل عياراً
وأطول. لكنني كنت دوماً أتساءل:
لماذا
"رجال حول الرسول" فقط؟ لماذا وقد
ضم التابعون في "كتب الرجال" التي
توثق حياة الصحابة والرواة نساء
صحابيات؟ فلماذا أسقط بعض المتأخرين
سيرتهن؟ ولماذا صار لفظ "الصحابة"
ينصرف في أذهان العامة إلى "الرجال"
الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وحسب؟
ولماذا يجب أن أفتش في المكتبات عن كتب
تتناول سير الصحابيات لأقرأها كـ"امرأة"؟
لأنهن "قدوتي".. وكأن كتب الصحابة
للرجال وكتب الصحابيات للنساء؟ مثلما
أن سورتي النور والنساء كنا ندرسهما
كشابات، ويدرس الشباب سورتي.. التوبة
والأنفال!
من
أين جاء هذا الفصل حتى في الرموز
والشخصيات، بل مناهج التربية والدعوة؟
من خط هذا الخط الفاصل، فقسم العالم
لعالمين: عالم رجال وعالم نساء، واستثنى
وجودنا الإيماني من خطاب "الذين
آمنوا" فلا ندخل فيه إلا "بقرينة
ودليل"؟! لماذا تم اختزال كينونة
المؤمنات في مساحة الأنوثة فصرنا
مقصورات، يصفنا بعض الأئمة والمفسرين
العظام بالسفه تارة وبالسخف تارة أخرى؟
فنقرأ ونسكت وكأن النقص والقصور كتبه
الله على بنات آدم.. عفواً.. بنات حواء!
كان
عليّ أن أبتلع تساؤلاتي إلى أن قدّر
الله لي منذ أعوام طويلة أن أعكف على
صحيح البخاري كاملاً لأعيد استكشاف
السنة وأعيش مع السيرة وأقع –عبر
الصفحات وحديثاً تلو الآخر – في حب محمد
صلى الله عليه وسلم، هذا النبي المرسل
الذي كان قرآنا يمشي على الأرض، وكان
ألين خلق الله وأشدهم رحمة بالعالمين.
كان الإيمان به جزءاً من عقيدتي فصار
حبه جزءاً من كينونتي، وكان اتّباعه
دليل إيماني وشرط إسلامي، فصار مدار
حياتي ومنهجي ودربي ومساري.
رأيت
عبر الأحاديث الصحاح إنساناً بشراً
يحترم المرأة، ويحتفي بإنسانيتها،
ويرتقي بعقلها ومكانتها، ويعطيها حبه
وعلمه ووقته.
وتتبعت
أدبه مع أهل بيته، رفقاً بهن وصبراً
عليهن، حتى كان يستأذن قبل دخول حجرات
زوجاته تلطفاً وتوقيراً، وكان يداعب
ويستمع ويسامر، ويشارك في مهنة أهله.
بشر.. حين أحب لم يكتم حبه، ظل يذكر خديجة
بعد مماتها بالخير، وصرح بحبه لعائشة،
ومات في حِجرها، وهو أبو الزهراء.
ومع
الصحابيات شهدت كيف كان يعلم ويثني على
العقل المتسائل، يدعم النماذج القوية
ويبايع على الجهاد الأنصاريات، ويشجع
ويدعم المكيات، ويحرص على مشاركة
النساء في المسجد والسوق والجيش،
ويذكرنا - معشر النساء - والطيب والصلاة
كثلاث حُببت إليه من الدنيا.
وجدت
في سيرته أقوالاً وأفعالاً ما سمعتها من
الخطباء في مساجدنا من قبل، ولا
تداولتها ألسنة الأئمة في خطب الجمعة
ودروس العلم، وجدت كنزاً مخفياً أسقطه
الذين أرادوا لنا ألا نعرف من سنته إلا
أحاديث نقص العقل والدين التي كان يداعب
فيها النساء ويحضهن على الصدقة وفعل
الخير. كتموا عنا وتكتموا أحاديث تمكين
المؤمنات في مجتمع الرسالة.. فرسموا لنا
أدواراً وحددوا المسافات في خريطة
التاريخ وعبر مساحات الجغرافيا، غلبنا
الرجال ولم يستوصوا بنا خيراً.. غفر الله
لهم.
في
ذكرى مولدك نجدد البيعة على الحق..
نبايعك على ما بايعتك عليه أنصاريات
بيعة العقبة الثانية.. وعلى ما وفت به
نسيبة، نصرة نجتاز بها صفوف المتخاذلين
لننافح عن سنتك في الأخلاق والاجتماع
والسياسة كما نافحت أم عمارة في ساحة
الوغى يمنة ويسرة لم تتردد أو تهِن. طبت
حياً وميتاً. واللهَ نسأل أن نلقاك على
الحوض، يوم لا يملك أحد أن يحجزنا عنك.
صلى
الله عليك وسلم.
اقرأ
أيضًا:
|