|
يتواتر
تعبير "المرأة اليهودية" في كثير
من الدراسات، وهو تعبير ليست له أية
قيمة تفسيرية أو تصنيفية، إذ إن المرأة
اليهودية في أمريكا في العصر الحديث "التي
لا تمارس أية شعيرة من شعائر اليهودية"
لا يربطها أي رابط بالمرأة اليهودية في
بغداد في العصر العباسي الأول؛ إذ كانت
ترتدي زيًا مختلفًا وتمارس معظم شعائر
دينها وتنظر للعالم نظرة مختلفة.
ويمكن
تناول موضوع "المرأة اليهودية" من
منظورين: ديني، وتاريخي.
المرأة
اليهودية
بداية
نذكر أن "اليهودية" دين اليهود،
ومن أقدم الديانات التي تقوم بالتوحيد،
وملامحها الأساسية هي الاعتقاد في إله
قادر أنزل شرائعه - في التوراة - على موسى
ليقود المؤمنين به.
من
هنا يتضح أن المرأة اليهودية تتساوى
دينيًا مع الرجل، غير أن ما لحق
بالتوراة من تحريف هو ما أدى إلى
مفارقات عديدة في وضع المرأة اليهودية
حتى الآن.
وتذهب
العقيدة اليهودية إلى أن حواء خلقت من
ضلع آدم حسب الشريعة اليهودية، لتكون
أنيسًا له، ولكن حسب رؤية أخرى محرّفة،
خلقت امرأة أخرى من طين وهي تدعى "ليليت"
مساوية تمامًا للرجل، ثم تمردت عليه
وعلى علاقتها معه!.
ويظهر
الاختلاف بين الرجل والمرأة في
العبادات، فلم يكن هناك كاهنات، وأعفيت
النساء من كل الوصايا المرتبطة بزمان
ومكان محددين، فلم يكنّ مكلفات بأداء
شعائر الحج، ولا أداء الصلوات في المعبد
وإن ذهبن إلى المعبد يتم فصلهن عن
الرجال.
وبطبيعة
الحال لم يكن بإمكان المرأة أن تلتحق
بالمدارس التلمودية العليا التي تعني
بالتلمود.. وهو مجموعة الشرائع اليهودية
مقرونة بتفاسير حكماء اليهود - بكثير من
التحريف - ويرجع تاريخه إلى القرنين
الخامس والسادس الميلادي.
ويذهب
البعض إلى القول بأن هذه التحريفات وضعت
النساء - من بعض النواحي - على قدم
المساواة مع العبيد والأطفال.
لكن
هناك ثلاث شعائر تقوم بها المرأة، هي:
شعائر الطهارة "الخاصة بالدورة
الشهرية"، وإيقاد شموع السبت
والأعياد، وخبز خُبز الحلا "أي
الرغيف الذي يقدم في وجبة السبت".
والشعائر الثلاث مرتبطة بالأسر، ولهذا
فمن المفترض أن تكون الأنثى متزوجة،
وهذا يعني أن الأنثى غير المتزوجة لا
تتمتع بمكانة أو منزلة عالية، وهذا
أيضًا يبرز دور التحريف في وضعية المرأة
اليهودية.
وليس
من الممكن عقد زواج فتاة على رجل إلا
بموافقتها، ورغم أن تعدد الزوجات مباح
في الشريعة اليهودية، فإن حاخامات
اليهود في الغرب في القرن الحادي عشر
جعلوه محرمًا! ويأتي ذلك أيضًا في سياق
التفاسير التي تحرف الشريعة اليهودية
حسب ما يرونه في صالحهم!.
ونظرًا
لأن التلمود كما ذكرنا هو الشرائع
اليهودية وتفاسير الحكماء لها، نجد أن
التلمود يغلب عليه الإشارة إلى الجوانب
السلبية في المرأة؛ فهن ثرثارات "أنزل
الإله عشرة مكاييل من الكلام للعالم
وأخذت النساء تسعة"!. كما يصف التلمود
النساء بأنهن طماعات يتجسسن على
الأسرار، كما أنهن كسولات وغيورات
ودائمات الشجار.
ومثل
هذه الأقوال هي جزء من الفلكلور الشعبي
أكثر من كونها تعبيرا عن موقف الشريعة،
ومع هذا فإن هذه الأفكار الفلكلورية
تحدد في كثير من الأحيان سلوك المرء -
رجلاً وامرأة - أكثر من الشريعة التي
يؤمن بها.
أيضًا،
هناك الدعاء الذي يتعين على اليهودي أن
يردده كل يوم، إذ يحمد الإله أنه خلقه
يهوديًا وليس من الأغيار، وخلقه رجلاً
وليس امرأة!. وقد حاول الفقه اليهودي
تفسير هذا الدعاء بما ينفي تدني وضع
المرأة اليهودية فقال: "إنه حمد للإله
على أنه أتاح للرجل اليهودي فرصة أكبر
في تنفيذ التعاليم والأوامر والنواهي"!.
في
التراث القديم للمعتقدات اليهودية نجد
أن العنصر الأنثوي ينتمي إلى اليسار،
وهو جانب الصرامة، وهو أيضًا جانب
النزعة الشيطانية.. لذا نجد أن المرأة
ارتبطت بهذا التصنيف أيضًا، فذهبوا إلى
أنها غير قادرة على أن تصل إلى درجات
الفكر العليا.
بقي
أن نذكر أن التلمود بتفسيراته المضللة
والمحرفة للشريعة اليهودية هو ما يمثل
العقيدة الراسخة عند اليهود المحافظين
والمتشددين.
المرأة
اليهودية.. منظور تاريخي
على
المستوى التاريخي، يمكن أن نشير إلى بعض
النساء اللاتي لعبن دورًا بارزًا،
فهناك أولاً الأمهات "سارة" و"هاجر"
في عصر الآباء.
ثم
لا نسمع بعد ذلك عن دور بارز للمرأة في
الجماعات اليهودية، ومع حلول القرن
الثامن عشر وبداية حركة التنوير، قامت
بعض النسوة اليهوديات المثقفات بفتح
صالونات أدبية مهمة كانت ملتقى لكبار
المثقفين. ويعود تاريخ حركة تحرير
المرأة بين أعضاء الجماعات اليهودية في
الغرب إلى عصر التنوير في ألمانيا، حيث
عبرت عن نفسها في ظاهرة صالونات النساء
الألمانيات اليهوديات.
وقد
تركت حركة تحرير المرأة أثرها في
المؤسسات الدينية اليهودية التي بدأت
تفتح أبوابها للنساء. وبدأت اليهودية
الإصلاحية والمحافظة تحثُّ النساء
اليهوديات على المشاركة في الصلوات
التي تقام في المعابد اليهودية، كما
أصبح هناك احتفال ببلوغ البنات سن
التكليف الديني "بت متسفاه" على
غرار احتفال "البرمتسفاه" أي بلوغ
الصبيان هذه السن.
وتعد
"بتي فريدان" BETTY
FRIEDAN من أنشط
العناصر النسائية اليهودية الأمريكية.
وقد ولدت بتي فريدان عام 1921 في ولاية
إلينوي الأمريكية باسم نعومي
جولدشتاين، ودرست علم النفس بكلية "سميث"
بولاية ماساشوستس، وهي كلية للنساء
فقط، وتخرجت عام 1942 لتستكمل بعدها
دراستها العليا في جامعة بيركلي
بكاليفورنيا ثم عملت لعدة سنوات محللة
نفسية وباحثة.
تفرغت
"بتي" بعد زواجها عام 1947 لتربية
أبنائها الثلاثة، ولكنها في عام 1963 نشرت
كتابها الشهير "السر الأنثوي" الذي
يركز على قضية المساواة ويهاجم تلك
النظرة التي تحصر دور المرأة على أنها
أم وزوجة فقط.. ويدعو إلى تحقيق المرأة
لذاتها من خلال التعليم والعمل.
وعلى
المستوى الحركي أسست بتي فريدان
المنظمة القومية للنساء "ناو NOW"
عام 1966 ورأستها حتى عام 1970، وهو العام
نفسه الذي قادت فيه مظاهرة تضم 50 ألف
امرأة للمطالبة بمساواة المرأة في
الحقوق والواجبات مع الرجل، كما ساهمت
في تأسيس بنك النساء عام 1973، والمجلس
العالمي للمرأة في ذات العام. كذلك
فإنها تعد من أبرز الشخصيات التي دافعت
عن مشروع قانون المساواة الكاملة بين
الجنسين الذي طرح في عهد الرئيس
الأمريكي الأسبق "ريجان" والمعروف
باسم "إيرا ERA".
غير
أن "بتي" نفسها عادت عام 1981 فنشرت
كتاب "الطور الثاني" الذي غيرت فيه
كثيرًا من آرائها وانتقدت مفهوم
المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة،
ودعت إلى عدم حرمان المرأة من خصوصيتها
كامرأة، وأكدت أهمية دور المرأة كأم
وزوجة، ونادت "بتي" بزيادة
الاهتمام بالحقوق الاجتماعية للمرأة،
وإلى تقليل التركيز على القضايا
الجنسية وعلى حرية الشذوذ الجنسي.
المرأة..
وحركة الاستيطان الصهيوني
ساعدت
الهجرة اليهودية إلى فلسطين على تحطيم
البقية الباقية من الدور التقليدي
للمرأة داخل الجماعات اليهودية. وقد كان
لهذا أثره العميق.. فيلاحظ مثلاً انتشار
البغاء بين النساء اليهوديات "وخصوصًا
في منطقة الاستيطان" في الفترة من عام
1882 حتى عام 1935، كما تزايد الزواج
المختلط بين النساء (أي من زوج غير يهودي)
مع بداية الستينيات، وهي ظاهرة لم تكن
معروفة - تقريبًا - بين النساء
اليهوديات، فقد كانت مقصورة على
الذكور، وقد أدى هذا بدوره إلى تزايد
ضعف الأسرة اليهودية، غير أن المرأة
اليهودية اشتركت بقوة في حركة
الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وهذا
أمر متوقع باعتبار أن الاستعمار
الصهيوني استعمار استيطاني إحلالي،
بمعنى إحلال كتلة بشرية متكاملة محل
السكان الأصليين، ومن ثم، لا بد أن تحوي
هذه الكتلة قدرًا كافيًا من النساء يضمن
لها التوازن والاستمرار.
وبعد
إنشاء الدولة اليهودية، مُنحت النساء
حقوقًا متساوية مع الرجال في أوجه عدة،
فهنّ يجندن في الجيش في مهام غير قتالية
أساسًا، وإن كان بعضهن يعملن في المهام
القتالية أيضًا، وتُعفى الفتيات من أسر
أرثوذكسية من التجنيد.
والمشكلة
الكبرى التي تواجهها المرأة اليهودية
في إسرائيل هي في الأحوال الشخصية التي
لا تزال تدار حسب القوانين الدينية،
فتظهر مشاكل خاصة بالزواج والطلاق.
ومن
أهم هذه المشاكل "مشكلة وثيقة الطلاق"
حين يرفض الزوج منح زوجته هذه الشهادة
التي تنص على أنها مطلقة شرعًا، وفي هذه
الحالة تصبح المرأة منفصلة عن زوجها دون
أن تكون مطلقة، فلا يمكنها الزواج مرة
أخرى!.
أيضًا
من المشاكل الاجتماعية "مشكلة الهوية
اليهودية"، حيث القانون الإسرائيلي
يعرّف اليهودي بأنه "من ولد لأم
يهودية"، أما من ولد لأب يهودي وأم من
الأغيار فليس يهوديًا.
المصادر:
-
موسوعة اليهود واليهودية: د. عبد الوهاب
المسيري
-
الموسوعة الثقافية: إشراف د. حسين سعيد -
مؤسسة دار الشعب.
اقرأ
أيضًا:
|