|
مؤلم
هو الحزن في عين طفل، مؤلم هو الشقاء حين
يبتسم على وجه طفل، مؤلم أن تعرف أن هناك
من يفقد أجمل سِني عمره تحت خط النار.
أطفال تحملوا مسؤولية الدفاع عن
أراضيهم وقرّروا أن يدافعوا عن الكرامة
العربية، ولكنهم لا يزالون أطفالاً،
تطلّ من أعينهم نظرة حكيم بلغ من العمر
أرذله، خبر الحياة وعرفها، مؤلم نعم..
ولكن هذا هو واقع الطفل الفلسطيني.
"كنت
ذاهبًا مع أمي وإخوتي إلى أرضنا وسط
قطاع غزة قريبًا من الخط الأخضر الفاصل
بين الأراضي المحتلة وإسرائيل، كنا
ذاهبين إلى الأرض لجمع بعض الفاكهة
والخضر، ولكن أمي أمرتني أن أترك العربة
وأعود، طلبت منها أن أظلَّ معهم، ولكنها
رفضت، بكيت وصرخت ولكنها أصرت، فنزلت من
العربة وأنا غاضب إلا أنني لم أبتعد
كثيرًا، وقرَّرت أن أعود مرة أخرى
علَّها توافق، كان يفصلني عنها بضع
خطوات، وفجأة دوَّى صوت الانفجار،
وغطَّى الغبار المكان، ولم أَعُد أرى من
العربة وأمي وإخوتي سوى الدخان والدم
والأشلاء التي تناثرت حولي في كل مكان..
ماتت أمي... مات إخوتي، ماتوا جميعًا
وتركوني وحيدًا وسأبقى وحيدًا للأبد"..
هذا هو إبراهيم الطفل الفلسطيني الذي
رأى موت أمه وإخوته في انفجار بشع، مشهد
لن ينساه أبدًا، مشهد قادر على تغيير
مسار شخصيته وبنائه النفسي بالكامل.
يؤكد
د. "محمد فكري" مدرس الطب النفسي
بجامعة عين شمس أن الطفل الفلسطيني
يتعرض الآن لكثير من الاضطرابات
النفسية من جرَّاء وجوده تحت خط النار،
ولقد عالجت كثير من الأبحاث هذا
الموضوع، منها على سبيل المثال: دراسة د.
"إياد السراج" مدير عام برنامج غزة
للصحة النفسية التي أكدت أن 90% من
الأطفال الفلسطينيين يعانون "الاضطراب
الكربي التالي الردح" (الردح هو تعرض
الإنسان لكارثة مروعة، مثل حريق مدمر أو
حادثة كحادثة القطار).
وتكمن
أعراض هذه الاضطرابات في تذكر الطفل
الدائم للحادث بكل تفاصيله، مولدة لديه
الإحساس الدائم بالخوف، وهو ما يؤثر على
أحلامه، فهي تعبِّر عن المشاهد الأليمة
التي تعرض لها الطفل واختزنها في
ذاكرته، ونتيجة لذلك ينغلق على ذاته
فيميل للعزلة والانطواء.. هذا هو
التأثير القريب المدى، أما البعيد
المدى فهو تأثير هذه الاضطرابات على
تكوين شخصيته، وتكمن في الاضطرابات
السلوكية التي يصاب بها، حيث يصبح
ميالاً للعنف والاندفاع الشديد، فهؤلاء
الأطفال فقدوا الاستقرار النفسي؛ وهو
ما يجعلهم دائمًا في حالة تحفز وشكّ في
الآخرين. ونتيجة للضغط النفسي والإحباط
المعرض لهما الطفل الفلسطيني دائمًا
فقد تظهر لديه عند النضج أمراض نفسية
مثل الاكتئاب وبعض أنواع الفصام.
وتوضح
أ.د. "نفيسة عبد القادر" رئيسة قسم
الصحة النفسية بجامعة القاهرة "أن ما
يخسره الطفل الفلسطيني أكبر من أن يعوض؛
فهو يعيش حالة من حالات اليأس والإحباط،
فهو لا يرى حوله سوى الدمار، لا أمل في
غد؛ لأنه لا غد له، وهو يرى ما يمتلكه
يدمّر بوحشية، هذا اليأس والإحباط يجعل
الحياة في نظرهم عديمة القيمة، فيصبح من
الهيِّن عليهم أن يتخلوا عنها في سبيل
نيل شرف الشهادة".
استثناء
للقاعدة
وتكمل
د. نفيسة عبد القادر: "هذا هو التفرد
في الحالة الفلسطينية.. أن الإحباط
دفعهم إلى المقاومة، فالإنسان حين
يتعرض لموقف صعب يكون أمامه خياران: إما
أن يفكر في كيفية الخروج من هذا الموقف،
أو أن يستسلم لليأس فيقف ساكنًا لا
يتحرك، وعلى رغم من أن الشائع هو
الاستسلام، فإن الفلسطيني حوَّل إحباطه
إلى مقاومة.. إلى غضب شديد، وجّهه إلى
أعدائه واستغله في الدفاع عن قضيته".
"دمَّروا
بيتي وبيوت جيراني، احتجزونا أنا
وعائلتي في غرفة واحدة، 15 فردًا في غرفة
واحدة، ولم يكتفوا بذلك، بل قتلوا أمي
وجدتي، لقد رأيتهم وهم يطلقون النار
عليهما في برود شديد، أطلقوا النار
عليهما ومنعوا رجال عائلتي من نقلهما
إلى المستشفى، ثم منعوهم من دفن
الجثتين، رأيت أمي التي كانت تفيض
حنانًا ودفئًا تتحول إلى جسد بارد لا
حياة فيه، رأيت جدتي التي كنت أنام في
أحضانها تتألم وتئنّ.. ثم تموت، حاول
أهلي أن يمنعوني وأطفال العائلة من رؤية
هذا المنظر، فربطوا أعيننا بالعصابات
أولاً، ثم وضعونا في الحمام المكان
الوحيد الباقي إلى جانب الحجرة التي
ترقد فيها أمي وجدتي... لن أنسى ولن أغفر".
تناقلت
وكالات الأنباء ومحطات الأخبار خبر هذه
العائلة التي احتجزتها القوات
الإسرائيلية في رام الله لمدة يومين دون
غذاء أو ماء مع رفضهم السماح بدفن جثة
الشهيدتين. أطفال يرون أمهم وجدتهم
تغتالان في مشهد مروع.. ماذا يمكن أن
يكون رد فعلهم لصورة كتلك التي رسمها
الاحتلال في مخيماتهم للأبد؟
يقول
أ.د. "هاشم بحري" أستاذ الطب النفسي
جامعة الأزهر: "إن قيمة الأسرة تتمثل
في أنها عنصر الأمان في الإنسان: الأب
والأم مصدر الرعاية. والجد يمثل الاتزان
في علاقة الطفل بأبويه؛ فحين تكون هناك
مشاكل بين الآباء والأبناء يلجأ الطفل
إلى الجد، وحين يفقدهم الطفل يتلاشى
الدفء والحب والحنان والسند، فما كنت
أعتمد عليه لأنه قوي ودافئ أصبح ضعيفًا
وباردًا.. ضعيف لأنه أهين أمامي، وبارد
لأنه مات.. فتكون النتيجة أن يتعرض الطفل
لنوبة من نوبات الفزع والخوف، كما يتسبب
ذلك في فقدانه للإشباع؛ فالأسرة
بالنسبة له تمثل الإشباع النفسي، ويشعر
بالوحدة الشديدة، ويفقد الثقة في
المحيطين به. وكثيرًا ما نسمع الطفل
يقول: لماذا ماتت أمي؟ كيف تموت وتتركني
وحيدًا؟ لماذا لا تدافع عن نفسها ضد
الموت من أجلي؟ هذا يعنى أنها لا تحبني..
لا تريد أن تكون معي!!".
وهكذا
يبدأ الطفل في لوم أمه على استسلامها
للموت، ثم ينتقل إلى مرحلة أخرى من
التدهور النفسي، فيلوم نفسه ولسان حاله
يقول: "أنا لا أستحق أن تحارب أمي
الموت من أجلي.. هذا يعني أني إنسان سيئ!"؛
وهكذا يفقد الطفل الثقة في المحيطين به
وفي نفسه، ويكبر ليكون إنسانًا خائفًا
مذعورًا.. الآخرون دائمًا متربصون به
فهو سيئ يجب التخلص منه، هذه هي الفكرة
التي تسيطر عليه، ويعبِّر عنها الطفل في
إحدى صورتين: إما أن يعلن عنها فتكون
دائمًا علاقته بالآخرين محلا للسؤال
والشك. الطفلة تكبر لتكون زوجة قلقة
لديها هاجس دائم بأن زوجها سيتخلى عنها،
وتكون أمًّا تحتاج من أطفالها أن يثبتوا
لها دائمًا أنهم لن يتركوها أبدًا،
وعليهم أن يعلنوا ذلك في كل لحظة.
أو
الصورة الأخرى فهي ذاتية فلا يعلن عن
خوفه أو عدم ثقته بالآخرين، ولكنه يتحول
إلى طفل انطوائي شديد الحساسية خائف من
العقاب، خائف من التجربة، كما يوجه قلقه
إلى نفسه فيصاب بما نسميه "أمراض نفس
جسمانية" مثل آلام المفاصل، والقولون
العصبي والضغط العصبي. هذا إلى جانب
التراجع النفسي الذي يمر به نتيجة الضغط
والإحباط، فنرى الطفل ذا السنوات الخمس
يتصرف وكأنه طفل عمره سنتان، فتكثر
حالات التبول اللاإرادي، ومص الأصابع.
أما بالنسبة للأطفال الأكبر سنًّا
الذين يمرون بطور المراهقة فلا يعيشون
هذه الفترة الحساسة من عمرهم، فالشاب
غير مزهوّ برجولته، وكذلك الفتاة لا
تفخر بأنوثتها، فلا شيء حولهم يدفعهم
إلى الحياة، وإنما هم دائمًا يرنون
للموت.
الطفل
الفلسطيني يتّهم
هذا
هو واقع الطفل الفلسطيني، طفل يرى الأم
والجدة يقتلان أمام عينيه؛ وهو ما يدفعه
لفقدان الثقة في الجميع، متهمًا إياهم
بالتخلي عنه. تصف أ.د. "نفيسة عبد
القادر" حالة الطفل هنا بأنها "خيبة
الأمل والرجاء". أما د. "محمد فكري"
فيرى أن حالة التخلي العام من جانب
العالم عامة -والعرب خاصة- تجعل الطفل
يشعر أن القضية قضيته هو وحده، وليست
قضية أي أحد آخر، وعليه ألا ينتظر
مساعدة خارجية لن تأتي، وهو ما يزيده
تصميمًا وإصرارًا ويدفعه إلى المقاومة
أكثر فأكثر.
ويقدم
أ.د. "هاشم بحري" رؤية تحليلية
لنفسية الطفل في هذا الوقت فيقول: إن
الطفل يوجّه الاتهام في صورة دوائر
يتحرك فيها طبقًا لعمره وقدرته على
الوعي والإدراك، فالطفل حتى عمر خمس
سنوات لا يعرف من العالم سوى أمه وأبيه،
وهكذا يبدأ بتوجيه التهمة لهما أولاً
بالتخلي عنه، ثم يكبر ويبدأ في إدراك ما
حوله، فتتسع دائرة الاتهام إلى من حوله:
السلطة الفلسطينية التي كان من المفترض
أن تحمي وجوده، ثم إلى العالم العربي
الذي شاهد مقتله دون أن يحرك ساكنًا، ثم
إلى العالم الحر الذي لم ينصر مبادئه من
أجل حماية مصالحه.
هكذا
يتحول هذا الطفل الفلسطيني إلى
الكراهية الشديدة لكل من حوله.. هذه
الكراهية يمكن مع الحلول المنطقية
وبمساعدة الآخرين أن توظّف لخدمة
قضيته، فإحساس الطفل بتوحد القائد معه
في مأساته، وأن يده بيد الآخر يساعده
كثيرًا على التغلب على الأزمة، وهذا هو
واقع الحالة الفلسطينية اليوم، فوجود
الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مع شعبه
يعاني الحصار مثلما يعانيه أبناء بلده
يوجد شعورًا بالأمان النفسي يعوض به
الطفل فقدانه لأمان الأسرة، وهكذا نرى
أبطالاً يستشهدون اليوم من أجل وطنهم؛
ذلك لأنهم يرون قائدهم –رغم حصاره
وضعفه- صامدا لم يتخلّ عنهم أو يتركهم،
وهذا يولّد لدى الطفل إمكانية الثقة في
الآخرين، ويكسبه نوعًا آخر من الأمان
خلقه الانتماء للأرض والقضية.
الطفل
الفلسطيني اليوم بين الشهيد والجريح
والمهجّر يرنو في كبرياء لقاتله، وفي
حزن إلى العالم الذي تخلى عنه. كبرياؤه
في مقاومته، وحزنه في التناقض بين القول
بحق الطفل في الحياة والأمن والرعاية،
والفعل الذي لم يتعدَّ الصمت. ترى هل
يأتي يوم نرى فيه الطفل الفلسطيني يضحك
وتتلألأ الضحكة في عينه، أم سيظل إلى
الأبد يحمل هذا الشرخ الذي حدث في جداره
الأمني ليكون شبحًا دائمًا يغطي تلك
الضحكات؟!! اقرأ
أيضًا
|