|
بعد
زواجي بأربعة أعوام سافر زوجي للعمل
في إحدى دول النفط، ثم لحقته أنا
بعدها بقليل، وظلَّت حياتنا شبه
مستقرة إلى أن بلغ ابني الأكبر
السابعة عشرة من عمره، ولظروف خاصة
قرَّرنا إعادته إلى مصر لاستكمال
دراسته الجامعية التي اجتاز عامها
الأول بتفوق لإقامته مع جدَّيْه، ومع
بداية العام الدراسي الثاني طلب
الاستقلال بمعيشته في مسكن خاص،
وحقَّقنا له ما تمنى، ومع نهاية العام
تواردت لنا الأخبار أنه لم يدخل
الامتحان، وهو ما اضطرني للقلق عليه،
وقرَّرت العودة التي لم أخبره
بميعادها حتى أجعلها مفاجأة سارة له.
وما
إن وصلت إلى العمارة التي يسكن فيها،
وما إن سألت عنه البواب (الحارس) حتى
انهال عليه بوابل من السباب، وألجمت
لساني، وصعدت إلى الشقة، وأنا مترقبة
فرحته بمقابلتي بعد طول غيبة، وضغطت
على الجرس ففتحت لي الباب فتاة ترتدي
فستانًا، يظهر من جسمها أكثر مما يخفي…،
ووجدت نفسي أدفعها إلى الداخل منادية
على ابني فلا يأتي وإنما جاء شاب آخر
يقول في برود إنه صديق لابني وإنه في
مشوار وسيعود على الفور، ليصطحب تلك
الفتاة وينصرف! وبقيت وحدي وأنا في
أشد الألم والضيق، ثم سمعت صرير
المفتاح في الباب فتطلعت إليه وأنا
أكبح جماح انفعالاتي؛ لكي أستقبل
ابني الذي لم أره منذ حوالي العام،
فإذا به يدخل ومعه فتاة وهما يتضاحكان
ويتعابثان بلا حياء، فما إن رآني
جالسة في غرفة المعيشة حتى تجهم
وسألني بجفاء عما جاء بي.. أجبته بأنني
جئت لرؤيته والاطمئنان عليه، فرد
بنفس الجفاء: "لم يكن هناك داعٍ
لمجيئك"، وأخذ يودِّع فتاته متفقًا
معها على ميعاد تالٍ، وعلى إثر ذلك
ارتميت على الأرض، ولم أشعر إلا وأنا
في المستشفى، معلقة بذراعي المحاليل..
فهل هذا ثمن الغربة؟
هذه
القصة التي ترويها هذه السيدة ليست من
بنات أفكارنا، ولكنها من الواقع بكل
تفاصيلها كما نشرتها صاحبتها في بريد
الجمعة في جريدة الأهرام المصرية عدد
15-9-2001م، ولعلها تختزل بها كل المشاكل
والآلام التي تعيشها الأسر التي
تسافر تاركة أبناءها بلا رابط أو
ضابط، أو حتى يتركها الزوج بمفرده
تاركًا سفينة المنزل للزوجة التي
تنجح في قيادتها مرة وتفشل مرات..
دعونا نستمع لكل الأطراف.
المال
وحده لا يكفي
ما
أحوج البنت في سن معينة إلى أمها
بجانبها، ولكن من أين لي بها؟ هكذا
بدأت بمرارة شديدة مروة عبد الرازق –طالبة
جامعية- وتستطرد قائلة: أبي وأمي
يعملان في إحدى دول النفط العربية،
وتركاني وأخي لاستكمال دراستنا
الجامعية، ولا أستطيع مهما قلت أن أصف
حجم المعاناة التي نتكبدها أنا وأخي
جرَّاء العيش بعيدًا عن والدينا، فقد
يتخيل البعض أننا ننعم بالحرية
بعيدًا عن الرقابة.. أبدًا فالعكس هو
الصحيح، فأنا أرى أن وجودنا بجوار
الأبوين كان سيعطينا حرية أكبر، فأنا
مثلاً لا أستطيع استقبال أحد من
صديقاتي في منزلنا، ولا أستطيع
بالتبعية زيارة أي منهن، وينطبق
الحال على أخي؛ حرصًا منا على منع
القيل والقال، ولأننا نعيش في مدينة
كبيرة فنادرًا ما يسأل عنا أي من
الأهل، وإذا طالبنا والدينا بالعودة
يقولان: إن غربتهما وكدهما كله من
أجلنا. وأنا أقول: من أجلنا! ليتهما
يعودان حتى ننعم بالاستقرار والأمان
الذي يساوي كل كنوز الدنيا!!
أما
عبد الرحمن علي، فيقول بنبرة يشوبها
السخرية الممزوجة بالحزن: "حصلت
على شهادتي الثانوية من إحدى بلدان
النفط التي يعمل بها والدي الذي تقيم
معه بقية الأسرة فيها، وللالتحاق
بالجامعة عدت إلى بلدنا الأصلي، ولم
أكن لأتصور أن حياتي ستتحول إلى هذا
الجحيم… فالوحدة قاتلة بمعنى
الكلمة، وافتقاد العطف والحنان،
وظروف سيئة كفيلة بأن تجعل القديس
ينحرف عن مساره الطبيعي، وبخاصة في ظل
الإغراءات التي لا تشجع فقط على اللهو
ولكنها تدفع إليه دفعًا"، ويمضي
قائلا: إن المشكلة أن أبي يتصور أن
إغداقه المال الوفير علي كفيل
بتعويضي عن الأسرة والاستقرار، وهذا -من
خلال ما أعانيه هنا- محض خيال خيال!!
الغربة
والوحدة
الزوجات
أيضًا يدفعن ثمن هجرة الأسرة أو ترك
الزوج لهن للعمل بالخارج.. هكذا
وبحماس بدأت السيدة آمنة عبد المجيد -مختصة
اجتماعية– حديثها وتمضي موضحة أنه في
حال سفر كل الأسرة، فالزوجة تتألم
نتيجة البُعْد عن أهلها وصديقاتها
ومن عاشت بينهم، وفي حالة سفر الزوج
بمفرده تاركًا مسؤولية الأسرة على
كاهلها يحمّلها بذلك أحمالاً تنوء
بها الجِمال، فهل هناك أصعب من تحمل
مسؤوليات الأبناء الذين لو تعثر
أحدهم في دراسته أو حدث له مكروه فلن
يرحمها الزوج نفسه؟! كل هذا بجانب ما
تعانيه من الوحدة والألم في صمت قاتل،
وتنهي حديثها معنا قائلة: ليت الأزواج
يعُون مدى احتياج أبنائهم وزوجاتهم
لهم في أوطانهم وبين ذويهم؛ لأن
الإنسان يعيش الحياة مرة واحدة فقط.
الأزواج
يدافعون
في
العقد الثالث من عمره الأستاذ محمد
عبد السلام يعمل مدرسًا يقول بلهجة
المحتار: لست أدري ماذا أفعل لزوجتي
وأولادي؟ فبعد أن عانينا طويلاً من
شظف العيش وسياسته الخاصة بربط
الحزام والحرمان من مطالب كثيرة
ضرورية للحياة العصرية، وهم في حاجة
إليها، منَّ عليّ الله بعقد عمل في
الخارج، من خلاله أستطيع أن أحقق كل
هذه المطالب، وتحسين الوضع المادي
لنا، وتأمين مستقبل الأسرة، وبعد
سفري والعودة في الإجازة الصيفية من
كل عام بدأت زوجتي تتمرد على هذا
الوضع وكذلك الأولاد.. فماذا أفعل؟ هل
أعود لسياسة ربط الحزام التي يتألمون
منها أم أسافر وأسمع منهم ما لا
يرضيني؟ لست أدري؟!
الأسرة
كلها تعاني
أما
الدكتور عبد الحكيم محمود أستاذ
الخدمة الاجتماعية فيقول في معرض
تفسيره للآثار النفسية والاجتماعية
لغياب الزوج عن الأسرة، أو سفر كامل
الأسرة للإقامة في بلد آخر، فيقول:
الوضع الثاني رغم ما يحمله من آثار
سلبية مثل اختلاف نمط الحياة واختلاف
النسق القيمي بين البلد الذي تقيم فيه
الأسرة، وبلدهم الأصلي مما ينشئ
نوعًا من الصراع القيمي داخل
الأبناء، فإن هذا الوضع أقل حدة من
ترك الزوج للأسرة للخارج؛ لأن بقاء
الأسرة كاملة مع بعضها يخفف من حدة
أية توترات، أما في حالة سفر الزوج
بمفرده تنقسم الأسرة إلى نصفين،
وتنشأ الكثير من المتاعب، أبرزها:
التكيف مع الأوضاع الجديدة، وتغير
شكل الإنفاق لتغير حجم الدخل للأسرة،
وما يرتبط من بخل أو تنازع في أوجه
الإنفاق الأمر الذي يحدث خللاً في
الأسرة بكاملها، ناهيك عن تأثر
الأبناء نفسيًّا بهذا الوضع نتيجة
اختلاف أسلوب الرعاية والتوجيه.
وإذا
كانت بعض الأمهات ذوات شخصيات قوية
تكون قادرة على العبور بأبنائهن إلى
بر الأمان في ظلِّ غياب أزواجهن، فإن
الكثيرات لسن كذلك؛ لأن الأبناء في
مرحلة معينة يزداد وتمردهم وعصبيتهم،
الأمر الذي يحتم وجود الأب كعامل ضبط
لهم بجوار الأم، والزوج أيضًا يعاني
هو الآخر من آثار الغربة وشعوره بعد
فترة بأنه بالنسبة لأسرته مصدر للمال
فقط، وهو ما يؤثر على العلاقات
وأنماطها داخل الأسرة مجتمعة على
المدى البعيد.
الزوجات
أكثر تضررًا
كشفت
دراسة حديثة أن الزوجات هن الأكثر
تضررًا بسبب غياب الأزواج، وبخاصة في
حال الغياب للسفر للخارج؛ إذ يصبن
بعدد من الأعراض المرضية، ويتخذ موقف
الزوجة في شكله المرضي المتطرف صورة
أعراض نفسية تتمثل في الاكتئاب،
والتوتر، والنسيان، والمخاوف
المرضية، أو أعراض سيكوسوماتية، تظهر
في شكل اضطرابات في الجهاز المعوي،
والتنفسي، وضغط الدم، وقد تكون هذه
الأعراض متفاعلة مع ظروف أخرى راجعة
إلى معاناة الزوجة من افتقاد الزوج (العاطفي
الجنسي).
وأوضحت
الدراسة أن غياب الزوج لتحقيق آمال
اقتصادية للأسرة يجعل الزوجة تقع في
صراع بين تعاطفها مع ما يتحمله الزوج
من مشاق لأجل ذلك، وتذمرها لغياب
الزوج، ويتخذ هذا الصراع أشكالاً
مرضية، من بينها: توجيه العدوان
للذات، أو الإفراط والمبالغة في
الاهتمام بأبنائها، أو الشعور بالذنب.
تابع
في نفس الملف:
اقرأ
أيضًا:
|