|
مشاعر
مؤلمة تلك التي أشعر بها حينما أراه
آخر الليل آتيا متثاقلاً من
الديوانية وأنا جالسة أنتظره بكامل
زينتي وعطري الفواح، فينظر إلي بطرف
عينيه ويقول: " تراني دايخ أريد
أنام".
هكذا
تحدثت موضى –35 عامًا- عما تسببه لها
الديوانية من متاعب حياتية.. وشأنها
في ذلك شأن معظم الزوجات الكويتيات،
فعلى حد تعبير أم أروى –45 عامًا- "الديوانية
هي عقدة الزوجات في الكويت"،
تشاركها في الرأي نفسه لولوه –37
عامًا- تقول: "أنا لا أدري عن زوجي
شيئا؛ فهو صباحًا في العمل، وبعد
العشاء في الديوانية لا يعود منها إلا
قبل الفجر بقليل.. وتستكمل: يروح ولا
يقول لي وين رايح، كل يوم في ديوانية
شكل ويغلق المحمول فلا أستطيع الوصول
إليه لو حدث شيء للأولاد أو في البيت".
أما
أنوار –42 عامًا- فتقول: لدينا أربعة
أولاد لا يجلسون مع والدهم سوى فترة
الظهيرة وتناول الغداء، وعن نفسه فهو
لا يدري عنهم ولا عن مطالبهم، فأنا
أقود سيارتي وأذهب إلى الجمعية لشراء
مستلزمات المنزل، وأصطحبهم لشراء ما
يريدون حتى في مواسم الأعياد
والمدارس فهو منشغل بـ"الربع" –أي
الأصدقاء- في الديوانية.. ولم تفلح معه
المحاولات والاستعطافات بأن يدير
باله على عياله معي.. ولا حيلة لي سوى
تكييف النفس على عدم وجوده.
زوج
ويوازن
ورغم
شيوع نموذج "رجل الديوانية" في
طبقات المجتمع الكويتي فإن هناك
نموذجًا آخر بعيدا عن التطرف السابق..
تقول أم أسامة –43 عامًا-: زوجي عضو
سابق بمجلس الأمة، ربما تكون مشاغله
السياسية الدائمة جعلتني أتكيف مع
الأمر، ولكنه وللحق كان ملتزمًا
بالعناية معي بشؤون البيت والأولاد،
فكان يخصص للديوانية يومًا بالأسبوع
ولا ينسى يوميًا أن يتابع العيال
ويطمئن على أحوالهم بشكل مباشر أو من
خلالي –وكان يبذل جهده للموازنة بين
متاعب عمله كسياسي ودوره الرئيسي كأب
وزوج، ولإخلاصه كنت أسامحه في حال
التقصير وأعذره.
"الديوانية
جزء أساسي في البرنامج اليومي لزوجي"
هكذا تحدثت أم سلطان –39 سنة- تقول: "بصراحة
إنني لا أسعد بحياتي إلا في أشهر
الصيف التي نقضيها في الاصطياف في
الخارج وبالتالي لا يكون هناك..
ديوانية والحمد لله! حتى إنني أصبحت
أحب الصيف أكثر من الشتاء،
فالديوانيات تكون عامرة في الشتاء
ولكنها تفسد بيوتنا".
إدمانها
وراثي!!
بينما
تشتكي أم جاسم –47 سنة- من إدمان زوجها
وابنيها الشباب أيضًا للديوانية..
تقول: رغم أن أولادي لم يبلغوا
العشرين فإنهم صنعوا لأنفسهم ومع
أصدقائهم ديوانيات عصرية مستقلة،
وضعوا بها أجهزة حاسوب وألعاب فيديو..
ولأم ناصر –36 سنة- مشكلة أخرى مع
الديوانية.. تقول: عندما شرعنا في بناء
القسيمة (الفيلا) أصر زوجي على تشييد
ديوانية ملحقة بالمنزل وبالفعل تم ما
كان يريد، ولكن ماذا حدث؟ غالبًا ما
يتركنا ويجلس فيها وحيدًا واضعًا يده
على خده في انتظار من يمر عليه،
فالديوانيات كثرت وأصبحت وجاهة
اجتماعية، أما زمان فكان لكل عائلة
ديوانية يجلس في صدرها كبيرها وكانت
لأحاديث الديوانية أصول وقواعد، فهي
بيت رجال الأسرة يستقبلون فيها رجال
الأسر الأخرى، للتباحث في مشكلات
العائلات وأمورها ولتبادل التهاني أو
التعازي أو حتى المجاملات، وفض
النزاعات وتبادل الأخبار.
"نحن
عائلة مودرن"! هكذا وصفت مشاعل 27
عامًا عائلتها.. وتقول: لا يتواجد هذا
الشيء عندنا، فنحن عائلة مودرن والكل
متعلم ولا يلتزم بالديوانية، وزوجي
لا يتردد عليها إلا بغرض التسلية، وإن
لم يعجبه يترك الديوانية إلى أي مكان
آخر.. وتعبر "مناير" –30 سنة- عن
سعادتها فتقول: زوجي يعمل في شركات
النفط، وهي شركات جادة وفيها التزام
قوي، فهو يستيقظ مبكرًا ويتعب في عمله
ولا يجد وقتًا للديوانية، وأحيانًا
يتردد عليها ولكن في الـ (Week-End) –
أجازه الأسبوع - فقط!.
1550
ونسائية.. أيضًا
ورغم
سلبيات الديوانيات -التي يبلغ عددها
بالكويت حاليًا 1550 ديوانًا أو
ديوانية تقريبًا-مثل غلبة روح الولاء
للقبيلة على حساب الدولة أو إضعاف
الترابط الأسري في حالة إدمانها، أو
حتى كونها في بعض الأحيان مجرد مطبخ
للشائعات وإثارة الحساسية بينها وبين
بعضها وتأثيرها على الانتماء
للتجمعات المهنية، فإن لها إيجابيات
منها - وكما يبدو لـ "منى" 33 سنة-
ما في العصر الحالي؛ حيث فرضت المرأة
وجودها حتى في داخل الديوانية عن طريق
الزوج أو الابن الذي ينقل آراء هذه
الأم أو الزوجة إذا كانت أستاذة أو
مثقفة أو على قدر عال من التعليم.
ولنا
أيضًا ديوانيات
هكذا
تقرر هدى –28 سنة- تقول: الديوانيات
النسائية ليست جديدة في الكويت ولا هي
بالقليلة، فنحن كموظفات نلتقي كل
خميس حيث العطلة الأسبوعية في
ديوانية منزل إحدانا بعد العصر أو وقت
الظهر ونتسامر ونضحك ونتحدث عن
الأزياء والماكياج والموضة،
وأحيانًا نأتي بـ"طقاقة" (مغنية)
للترفيه عن النفس وإنعاشها، وهذا
الجو يعتبر "وناسة"، بالنسبة لنا
نرتدي أحلى ما عندنا، وننسى كل
المتاعب، ونلهو معًا في ديوانية "خاصة
جدًا"!
وتعترض
منيرة 37 سنة على هذا النوع من
الديوانيات فتقول: طبعًا هذا التوقيت
معناه أن تترك النساء أطفالهن في يوم
الإجازة بمفردهم أو للخدم، فضلاً عن
كونها عاملة طيلة أيام الأسبوع وبهذا
يعاني الأبناء من غياب الأب والأم
معًا حتى في يوم الإجازة.
شاي
الضحى
يعتبر
"شاي الضحى" تقليدا كويتيا قديما
اختصت به النساء هنا.. تقول عنه أم
أروى –50 سنة-: اشتهرت به الكويتيات من
زمان حينما كان يطلع الرجال للتجارة
والغوص، فيتجمع النسوة في بيت إحداهن
يتسامرن ويتناولن الشاي والقهوة
والمأكولات الشعبية، فصارت عادة سميت
بـ"شاي الضحى"، وما زالت مستمرة
حتى اليوم وإن كانت تأخذ شكلاً عصريًا
تلتقي النسوة في التوقيت نفسه (الضحى)
ولكن في (الأبراج) مثلاً أو بعض
المطاعم والمقاهي المخصصة للنساء
وأحيانًا الحدائق العامة أو في
ديوانية منزل إحداهن، ويتناولن
إفطارا متأخرا وشايًا وقهوة أو
مأكولات خفيفة مع الشاي، ويأخذ
اجتماعهن شكل السمر والحكي والترفيه..
وهذه هي ديوانية النساء في الكويت،
ونوع آخر من ديوانيات النساء تتحدث
عنه أم راشد –41 سنة- تقول: هناك تقليد
بدأ يشيع حاليًا بين أوساط النساء؛
حيث تقيم نساء عائلة ما يومًا تتجمع
فيه نساء هذه العائلة وبناتها،
يلتقين مرة في الشهر مثلاً بعد المغرب
أو بعد العشاء يتعارفن ويتسامرن
وتوصل بذلك الأرحام، وأحيانًا تكون
فرصة مناسبة للأمهات لاختيار زوجات
لأبنائهن من الفتيات المتواجدات،
وغالبًا ما تتحدث نساء العائلة عن
مشاكل الصغار وأمور الحياة الزوجية
والطبخ والزينة... إلخ، ثم يتناولن
طعام العشاء معًا وينصرفن.
وتضيف
دانة –18 سنة-: نعم لدينا "جمعة"
دورية تقيمها نساء العائلة مرتين
بالشهر وفي كل مرة تتجمع في ديوانية
بيت إحدى الأسر من العائلة، نقضي جزءا
من الوقت في الحكي وجزءا في الترفيه
وجزءا آخر لـ"درس إيماني" تلقيه
إحدى الحاضرات من المتمكنات في ذلك.
مختلطة..
أم مشتركة؟
وبعيدًا
عن ديوانيات الرجال.. وتلك الخاصة
بالنساء هناك ديوانيات لا تقتصر على
إحداهما فقط، أشهرها بالكويت ديوانية
الدكتورة رشا الصباح وكيلة وزارة
التعليم العالي التي تؤرخ لها فتقول:
ديوانيتي لا تقتصر على النساء فقط بل
يحضرها الرجال أيضًا، وقد سبق في ذلك
التقليد الشيخة عائشة مبارك الصباح (ابنة
مبارك الكبير) (1896-1915)، والشيخة (والدة
سمو الأمير) فهن من أوليات سيدات
الكويت اللاتي افتتحن ديوانيات
مشتركة.
وبذلك
تعتبر الدكتورة رشا الصباح التي
افتتحت صالونها الثقافي والتي تصر
على تسميته بـ"الديوانية" في 4
يناير 1990، نفسها امتدادًا لمن سبقنها
من مؤسسات ديوانيات مشتركة من
النساء، وما إصرارها على تسمية
الديوانية إلا اعتذار وافتخار بهذه
الخاصية الكويتية على حد قولها.
وتبرر
الدكتورة رشا لإنشائها ديوانيتها
فتقول: تم افتتاح هذا الديوان المشترك
بتشجيع من الزملاء من أساتذة
الجامعة؛ إذ كانت تتوافد دائمًا
مجموعة كبيرة منهم للسلام ولتبادل
الآراء حول جملة من القضايا العلمية
والتعليمية وغيرها بوصفي نائبة مديرة
جامعة الكويت حينذاك ووكيلة لوزارة
التعليم العالي حاليًا، ولم أكن أجد
الوقت الكافي للترحيب بهم ومناقشة
القضايا بالشكل الذي يريحني؛ فكان
القرار بأن نجتمع مرة في كل أسبوع
ولمدة ساعتين خارج أوقات الدوام.
ويتوافد
على لقاء الدكتورة رشا الأسبوعي من
الجنسين نخبة من المفكرين وأساتذة
الجامعة، والأدباء ورجال السياسة،
وأعضاء السلك الدبلوماسي والشخصيات
الإعلامية ونخبة من أبناء الأسرة
الحاكمة أيضًا.
بدأت
وتستمر
البطالة
السافرة، البدون، المديونيات، حقوق
المرأة السياسية، المخدرات.. كانت
أبرز القضايا التي تربعت على مائدة
البحث والمناقشة في ديوانية الدكتورة
رشا منذ إنشائها، والتي ما زالت
مستمرة حتى الآن رغم ما لقيته من عدم
تقبل اجتماعي وتشكيك من قبل
المعارضين الذين رأوا ذلك خرقًا
للعادات والتقاليد الكويتية التي
قصرت الديوانية على الرجال، وهو ما
ترفضه بشدة الدكتورة رشا وكل من تسير
على دربها من النساء الكويتيات الآن؛
إذ شرعت الكثيرات خاصة الأديبات
والإعلاميات في افتتاح هذه
الديوانيات.. المتميزة جدًا!!
اقرأ
أيضًا:
|