بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

بين الناس

أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط


مع "عائشة" الفلسطينية على طريق تل

2002/01/24

أحمد البديري- القدس المحتلة

تتسلق "عائشة الحوارني" إحدى الكتل الترابية التي تحيط بمعظم المدن الفلسطينية، وتشكل أول ما يراه الحاضر إلى هذه المدن، ولكن الفرق أن هذه الكتل الترابية هي واحدة من سلسلة كتل الطريق الالتفافية الوحيدة لمدينة نابلس والقرى المحيطة بها، و"عائشة" أم لطفلين تحمل أصغرهما بين يدها ويكاد يتزحلق الابن الأكبر، وهو في الرابعة من عمره من على هذه الكتل الترابية التي تحولت إلى كتلة طينية لزجة، عائشة نفسها متزوجة وتسكن في مدينة نابلس، أما أهلها فيقطنون في قرية "حوارة" التي تبعد عن نابلس أربعة كيلو مترات، ولكنها لم تزر أهلها منذ أربعة أشهر؛ لأنها تخشى من "طريق تل".

تبدأ قصة "طريق تل" منذ الأشهر الأولى لبداية انتفاضة الأقصى في أوائل شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عندما قامت قوت الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق الطريق الرئيسية التي تربط محافظة نابلس بمحافظة رام الله، وكذلك إغلاق كل الطرق التي تؤدي إلى شمال الضفة الغربية، بمعنى آخر أحكمت قوات الاحتلال إغلاق محافظة نابلس التي يبلغ سكانها حوالي مائتي ألف نسمة عن باقي المناطق الفلسطينية بحجة الذرائع الأمنية، أما المواطنون الذين كان لا بد لهم من إيجاد طريق للوصول إلى مدينة رام الله، وبالتالي محاولة الخروج من هذا السجن الكبير فلم يجدوا أمامهم إلا طريق تل.

طريق "تل" أم "ذل"؟!

عائشة التي اضطرت إلى الذهاب لم تجد أمامها إلا طريق تل، والتي تصفه بقولها "إذلال وقهر كامل لكرامة الإنسان، فأنا مضطرة للذهاب، ولولا ذلك ما خرجت من نابلس أبدًا، أحمل أطفالي الصغار، وأسلك هذه الطريق الوعرة، وأضطر للمشي مسافة كيلو متر أو أكثر، والشتاء حول هذه الطريق إلى كارثة كبيرة، فالطين يكاد يغطي أرجلي بالكامل، وابني "سامر" كاد يقع في بركة من الماء، عائشة التي تبلغ من العمر 23 عامًا تحمل حقيبة بها بعض الأغراض لأهلها من اللوازم الناقصة في قرية "حوارة" والتي فصلت بالكامل عن محيطها، وتعيش حالة من النقص الغذائي والدوائي المستمر، والتي تعرضت لهجوم المستوطنين لأكثر من مرة، وحرق مسجد القرية، ودمرت بعض المنازل لضرورات أمنية إسرائيلية، والتي ما هي إلا اعتداء على المدنيين حسب وصف جمعيات حقوق الإنسان التي تعتبر المنطقة معزولة عن العالم الخارجي.

قتل دون سبب

"طريق تل" هي عبارة عن ممر جبلي يبلغ طوله كيلو مترا ونصفا، وهو وعر وتكثر به الحجارة والصخور ومقسم إلى أربعة أقسام متساوية الطول، يفصلها عن بعضها كتلة ترابية صنعت عن طريق الجرافات الإسرائيلية. وتكمن خطورة الطريق في وجود معسكر للجيش الإسرائيلي بمقابل هذه الطريق على تلة بها الجرافات والمجنزرات والدبابات والكثير من القطع العسكرية الإسرائيلية، وقد قُتل في هذه الطريق اثنان من المارة دون سبب، تم إطلاق النار عليهما من قبل الجنود الإسرائيليين في يوم بارد، ومع حلول الشتاء فإن الطريق أصبحت طينيًا وزلقًا لدرجة عالية.

ونتيجة الحصار الإسرائيلي الذي أدى إلى حالة اقتصادية صعبة ولأن الفلسطينيين يعهدون التأقلم السريع مع الظروف فقد قام أكثر من عشرة أشخاص باستخدام الدواب من الحمير وغيرها لجر عربات تقل المسافرين مقابل مبلغ بسيط من المال.

الأسمر وفنون التأقلم

"جمال الأسمر" وهو تاجر فرش وأغطية يستخدم هذه الطريق كغيرها للوصول ببضاعته إلى مناطق مختلفة، ويقل بضاعته بالعربات التي تجر بواسطة الحمير، ويقول جمال: "منذ بداية الانتفاضة أقامت إسرائيل الحواجز ومنعتنا من التنقل، وهذا أدى إلى توقف عملي بالكامل؛ حيث إنني تاجر متجول، وعندما بدأ استخدام طريق تل لم أجد بدًا من المرور من خلاله؛ حيث أنقل بضاعتي من نابلس إلى أول كتلة ترابية لأبدأ بمساعدة بعض من يملكون عربات الحمير في نقل البضاعة إلى آخر الطريق؛ حيث ألاقي شاحنة من الجهة الأخرى، وهو ما يكلفني الكثير من الوقت، وهو أكثر من ست ساعات يوميًا، وحين لا أوفق في بيع كل البضاعة أضطر للعودة بالبضاعة إلى نابلس".

وعند حلول الساعة الخامسة مساءً أي عند الغروب يتوقف المواطنون الفلسطينيون عن المرور من هذه الطريق، ويستمر ذلك حتى الساعة الخامسة صباحًا من اليوم الثاني، يقول "جلال تامر" وهو أحد مالكي الحمير في طريق تل: "في الساعة الخامسة نتوقف عن العمل وإذا حاول أحد المرور فإن الجيش الإسرائيلي يطلق عليه النار، وبالطبع فإن الجيش لا يفرق بين كبير وصغير"، وعن سبب عمله في طريق تل يقول جلال: "قبل الانتفاضة منعت مثل باقي العمال الفلسطينيين من الدخول للعمل في إسرائيل، وأنا أب لخمسة أطفال ونحن بحاجة للطعام؛ لكي نعيش وعندما بدأ استخدام طريق تل قررت أن أستخدم الحمار الذي عندي في البيت، والذي كان يستخدمه أبي للزراعة، ولكن عندما اشترينا بعض أدوات الزراعة الحديثة تم الاستغناء عن الحمار، وظننت أني لن أحتاجه أبدًا، ولكن الآن هذا الحمار هو مصدر رزق لي ولولاه لمت جوعًا.

عربات العصر الحجري

وتكاد تكون عربة "جلال" من أجمل العربات؛ حيث يضع بعض البالونات وألعاب الأطفال، وكذلك مسجلا ومذياعا، وحسب قوله فإن ذلك لتسلية الزبائن، ويحصل جلال على أربعة شواكل (دولار واحد) مقابل كل رحلة.

هذه العربات، والتي لها عجلات وبعض الكراسي ومغطاة بورق النايلون لحماية الزبائن من المطر، تمثل نقلة نوعية في طريقة الحياة الفلسطينية التي تصفها "عائشة" بالعصر الحجري، ولكن قدرة الفلسطينيين على التأقلم هي التي أدت إلى استحداث ما هو قديم، ولكن مشكلة هذه العربات تكمن في أن الطريق أصبحت طينية وغالبًا ما تعلق هذه العربات، ويصعب جرها أو قد تنقلب؛ وهو ما قد يؤدي إلى إصابات وهي ما يعد من أصعب المناطق لوصول سيارات الإسعاف التي قد تستغرق ساعات، والأخطر هو كون هذه الطريق معزولة عن الإعلام وعن جمعيات حقوق الإنسان والصليب الأحمر، وبالتالي ينفرد الجيش الإسرائيلي بالمواطنين الفلسطينيين العزل.

وطريق الملابس الأنيقة

عائشة التي وصلت أخيراً إلى نهاية طريق تل بعد عشرين دقيقة من المشي بين الأوحال والطين، حيث ملابسها متسخة تمامًا وكذلك أطفالها ويظهر عليها التعب تقول "أنا أريد فقط أن يعلم القادة العرب كيف نعيش في ذل وقهر، إنني لا أملك المال حتى أركب العربات، وأحمل أطفالي على يدي، وهم – أي الحكام العرب- يجلسون على كراسي من ريش النعام".

الطريق الرئيسية التي تربط نابلس برام الله لا تمر منها سيارات الإسعاف أو سيارات المسئولين الفلسطينيين الكبار أو الصحفيين و الناشطين الأجانب، أما طريق تل فيمر منها تلاميذ المدارس والمعلمون وطلاب الجامعات والموظفون ورجال الأعمال والمزارعون والصناع والعمال وكل الفقراء والأغنياء، فالملابس الأنيقة من البدلات تمر في هذه الطريق وكذلك ملابس عمال الورش، هذه الطريق تمثل الطريق التي يعبرها الفلسطينيون كل يوم للوصول إلى لقمة العيش أو لقاء الأهل أو حتى المستشفيات؛ حيث يمر في هذه الطريق الأطباء والممرضون، ويستخدمون العربات التي تجرها الحمير، ويخافون من رصاص قوات الاحتلال التي تراقب المكان وتعمل على إغلاقه بين وقت وآخر؛ وهو ما يؤدي إلى قطع الحياة عن محافظة نابلس التي يعيش أهلها في هذه الحالة عزلة كاملة لفترة يحددها الحاكم العسكري الإسرائيلي، هذه هي الكانتونات بمعناها الحقيقي، وما كانت لتكون لولا اتفاقيات أوسلو التي سمحت بوجودها وخلقها على خارطة الحياة اليومية الفلسطينية.

اقرأ أيضًا:


أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع