|
الإنسان
بداخله الخير دائما، ولكن قد تعترض
طريق هذا الخير عقبات؛ فقد يفكر فيمن
يستحق الصدقة، ويمر وقت طويل دون أن
يهتدي لذلك؛ فكثيرًا ما نفتقد طرف
الخيط.. كيف نبدأ من نعطي؟ ماذا نعطي؟..
ولذا نحتاج كثيرًا أن نتداول الخبرات
فيما بيننا، ومن هذه الخبرات ما
حدثتنا به الأستاذة "فاطمة الزهراء
إبراهيم" التي تعمل محامية، ولها
تجربة في مجال التكافل الاجتماعي.
"البداية
-كما تقول السيدة فاطمة- كانت في
أمريكا؛ حيث كنت أرافق زوجي في عمله،
وكان هذا الوقت متزامنًا مع حرب
أفغانستان مع الاتحاد السوفيتي.. كنا
نجتمع كل أسبوع مع المصريين وغيرهم من
المسلمين العرب، فبدأنا نجمع
التبرعات لصالح أفغانستان، وجمعنا -والحمد
لله- أجمل ما استطعنا من ملابس
ومعونات بمنتهى رضا النفس.
كنا
نريد أن نستمر في هذا النشاط عندما
عدنا إلى مصر، ولكن واجهتنا مشكلة
معرفة المستحقين، إلى أن أخبرتنا
زميلة لنا بأنه يوجد بيت للطلبة غير
المقتدرين تابع للجمعية خيرية، ولا
يستطيعون الإنفاق المناسب على هؤلاء
الطلبة، فبدأنا نجمع لهم الملابس،
ونشتري بعض الطعام".
وعن
الطريقة التي يتم بها العمل تقول: "نجمع
الملابس من كل المعارف والأصدقاء،
ونفرزها فرزًا جيدًا؛ لنستطيع إعطاء
القطعة المناسبة لكل فرد محتاج، ولى
صديقة -جزاها الله خيرًا- تأخذ
المقاسات، وتكتبها في ورقة وتدبسها
في كل قطعة ملابس؛ ليسهل عملية
التوزيع؛ فنأخذ القطع معروفة العدد،
ونتصل ببيت الطلبة لتحديد موعد، ويتم
حصر الطلبة المحتاجين، ثم نذهب ونرتب
الملابس بشكل جيد مصنف، ويدخل عدد من
الطلاب -حوالي 5- ليختاروا ما يناسبهم،
ونحن نحدد عدد القطع التي يحصل عليها
كل طالب على حسب عدد الطلبة والقطع
المناسبة".
فئات
لم تخطر ببال!!
وتقول
أ. فاطمة الزهراء: "إن هناك فئات
كثيرة تحتاج إلى مساعدة، ولم تخطر
أبدا بالبال؛ فمثلا وقت حرب الكويت
علمنا أن هناك أُسرًا أنفقت كل ما
تبقى معها من مال على العلاج
والأدوية، فاستطعنا -بعون الله- أن
نجمع ملابس قديمة جدًّا، وتم تنظيفها
وكيُّها، ووضعت في أكياس تماما كما لو
كانت جديدة، وعرضناها على هذه الأسر،
ولكنها رفضت لعزة نفسها، ولكننا
حاولنا أن نصل بطريقة أخرى؛ فعرضناها
للبيع بسعر بسيط، فوافقوا على
الشراء، وأخذنا المال واشترينا به
أشياء لفئة أخرى. وكذلك هناك أساتذة
جامعة ذات دخل بسيط، ويحتاجون لمظهر
اجتماعي جيد، فنعرض عليهم ما جمعنا من
ملابس غالية وحالتها جيدة جدا،
ونحاول أن نوصلها عن طريق الأخت أو
الزوجة فيقبل البعض ويرفض البعض،
فنحاول مرة أخرى عن طريق البيع.
وهناك
كثير من الناس يحتاجون مساعدة،
ولكنهم يترفعون عند طلبها، والقريب
منهم يعرف ذلك، وهذا القريب هو أفضل
من يساعد لاطلاعه على أمرهم، وهناك
المسنات الفقيرات؛ بل والمقتدرات
منهن فإنهن إن لم تكن لهن حاجات مادية
فهن يحتجن لمن يتحدث إليهن، ويزورهن،
ويتواصل معهن، وهذا كل ما تحتاجه هذه
الفئة.
وهناك
أطفال مصابون بروماتيزم القلب حالتهم
سيئة جدا؛ فهم يقيمون في مدرسة تابعة
لمعهد روماتيزم القلب، وعادة ما يكون
مستواهم الاجتماعي والمادي متدهورًا
جدا، فضلا عن حالات غريبة وجدناها؛
فهناك من الآباء من يعتبر هؤلاء
الأطفال في عداد الموتى، فيأخذ منه ما
يحصل عليه من إعانات ليعطيها لإخوته
الأصحاء، وهي حالات رأيتها بعيني،
وكذلك هناك ملاجئ الأيتام، وغيرهم
كثير جدا من الفئات المحتاجة".
نجمع
الكثير
تقول
أ. فاطمة الزهراء: "نحن نجمع -والحمد
لله- الكثير من الملابس، ونصنفها
تصنيفًا جيدًا، ونبدأ في التوزيع حسب
المستوى، ثم نتدرج؛ فكل فرد يحتاج
شيئًا مختلفًا؛ ولذا نصنف حتى يصل كل
شيء لمن يستفيد منه حقا.
ومن
الناس من يتبرع بما يفيض عن حاجته،
ومنهم من يتبرع بأفضل ما لديه، وكله
خير..
ولعل
أفضل ما شعرنا به ونحن نقوم بهذا
العمل أن المتبرع يبدأ تدريجيا حتى
يصل لمرحلة التبرع بأفضل ما لديه،
خاصة إن شاركنا مرة بالزيارة لإحدى
الفئات المحتاجة؛ فمهما تحدثنا مع
أحد فلن يكون أبدا كما يرى بنفسه.
والتبرع
يقضي تدريجيا على عادة حبّ كَنز
الأشياء؛ فمن لديه ملابس لم
يَرْتَدِها منذ عام مثلا.. هل يمكن أن
يرتديها فيما بعد؟ أظن أنه من الأفضل
أن يعطيها لمن هو أكثر حاجة لها.
إضافة
لتوزيع الملابس والأكل هناك أشكال
أخرى؛ منها دفع المصروفات، وشراء
الكتب للطلبة غير المقتدرين.
هناك
ما سميناه "حقيبة العروس"، وهي
حقيبة كبيرة نجمع فيها كل ما يقع تحت
أيدينا من ملابس مناسبة للعروس:
ملاءات – ستائر – أقمشة – أكواب،
فضلا عما يتبرع به أحد الخيرين من:
حجرة نوم – أجهزة كهربائية...، ويذهب
ذلك لعروس يتيمة من ملجأ أو شاب يتيم
أيضا ليس لديه من يعينه على تكاليف
الزواج".
حتى
الحلوى!
إحدى
السيدات الفضليات أعطتني في رمضان
الماضي مبلغًا من المال لأشتري
طعامًا مما نأكله في بيوتنا في هذا
الشهر الكريم من ياميش ومكسرات ومثل
هذه الأشياء، وطلبت مني أن أعطيها
لملجأ؛ لأنه عادة يوفر لهم الضروريات
دون أن يلتفت أحد لهذه الأشياء
الكمالية، ومما لا شك فيه أنهم نادرًا
ما يتذوقون طعامنا العادي في بيوتنا.
سيدة كريمة أخرى اشترت "لبًا" و"سودانيًّا"
و"حلوى"، وأعطته أيضا للملجأ.
سيدة
أخرى صنعت أكوابًا كثيرة من الأرز
باللبن، واشترت أكوابًا بلاستيكية،
وذهبت به لملجأ أيتام. وأخرى تبرعت
بفستان الفرح للجامع ليأخذه من يحتاج
إليه على أن يعيده ليستفيد به أكبر
عدد ممكن.
عرضنا
على عدد من النوادي استضافة الأيتام..
البعض وافق بترحيب شديد، وقدموا لهم
الهدايا ووجبة طعام، وأحضروا لهم عرض
"أراجوز". والبعض لم يوافق مطلقا.
والبعض وفروا لهم وسيلة للنقل أيضا،
ومنهم من وافق على الاستضافة فقط".
صيغة
رائعة للتكافل
أما
الشكل الفريد للتواصل، فكان في
محادثات تليفونية امتدت عامين من
إحدى السيدات الفضليات لسيدة أخرى
تمر بأزمة صحية. وكانت هذه السيدة
الأولى قد مرت بنفس ظروف المرض؛
ولأنها عانت منه تمامًا وتدري ماذا
وراءه من ألم بدني ونفسي فعندما سمعت
أن إحدى المعارف البعيدين تمر بنفس
الأزمة لم تتردد في الاتصال بها
لتعطيها خبرتها مع هذا المرض، وتحاول
أن تخلصها من الآثار النفسية السيئة
له. وترشدها إلى مراحل العلاج، وكيف
ستشعر في كل مرحلة، وكيف ستتحسن
حالتها عند كل مرحلة، وتتدلها على
أفضل الأماكن لشراء الدواء
والمستلزمات العلاجية الأخرى.
وعن
الصعوبات...
تقول
أ. فاطمة الزهراء: "يتطلب الأمر
مجهودًا ووقتًا وسعة صدر. كذلك يتطلب
إحساسًا عاليًا حتى تتغلب على ما تشعر
به أحيانًا من عدم القدرة على إتمام
بعض الأشياء، كما يحتاج العمل إلى
تنظيم وقدرة على التواصل والتعامل مع
فئات مختلفة من الناس؛ ولذلك فمن
الأفضل أن يقوم المتبرع نفسه بهذا
الدور؛ فينال ثوابًا أوسع.
والجهود
متشعبة؛ ولذلك نحتاج للوقت الطويل،
ونحتاج لمعاونة أكبر عدد من الناس. وقد
يأخذ هذا التعاون شكلا مختلفًا كأن
نصل لموظف قادر على تسهيل أمر لشخص
محتاج، أو أستاذ جامعي قادر على
مساعدة الطلبة وتقديم الكتب
المجانية، وتسيير أمورهم الدراسية
وغيره ممن يرى في نفسه القدرة على
عمله. كذلك أصحاب المطاعم يمكن أن
يخفضوا من الوجبات، وهذا عادة ما يحدث
عندما يعلمون أنه ذاهب لوجه من وجوه
الخير، أيضا أصحاب محلات الملابس
يتبرعون عادة بملابس كثيرة لصالح
الأيتام.
ويحتاج
الأمر إلى تنظيم جهود؛ لأنه أحيانًا
ما تتكدس التبرعات من شيء بعينه،
ويكون هناك نقص في أشياء أخرى.
لا
وقت للتواصل
*
هل
يزيل هذا الخير كل ما نشعر به أحيانًا
من تباعد بين الطبقات؟
-
في
الحقيقة لا؛ لأن عنصر الوقت في
التواصل هام جدًا. ونحن نذهب مثلا
للمرضى مرتين أو ثلاثًا في العام.
ونذهب للملجأ مرتين أو ثلاثًا أيضا،
كذلك حين نذهب لطلبة الجامعة؛ فهم
يريدون الحصول على الملابس فقط، ونحن
أيضا نريد أن تنتهي مهمتنا على وجهها
الأكمل وفي سرعة أيضا.
كذلك
هناك من الأفراد من يصعب التواصل معه،
خاصة أننا لسنا جميعا لدينا القدرة
على التواصل مع غرباء؛ فكثيرًا ما نقف
لا نعلم ما الذي نقوله، خاصة أنه لا
يمكن الدخول في تفاصيل شخصية، وهذه
الأشياء هي التي يمكن أن تحدث ترابطًا
وعلاقة، فضلا عن صعوبة الاتصال
التليفوني بالطلبة في المدينة
الجامعية مثلا. وكذلك الأيتام، وفي
حالة الأيتام نحتاج لحساسية شديدة في
التعامل معهم حتى لا نميل لأحدهم دون
الآخر فهم يشعرون بذلك جيدًا
ويتأثرون له.
لا
تنسوا إشراك أطفالكم
تقول
أ. فاطمة: "الأطفال يمكن أن يشاركوا
في هذا العمل، وعلينا أن نعلمهم
دائمًا أن يتبرعوا بأفضل ما لديهم؛
فنقول لهم: إن هذا الذي سيتبرعون به
سيرتديه أطفال أمثالهم، ويمكن أن
يشاركوا في جمع الأشياء، وتصنيفها
وتنظيفها أحيانًا حسب قدرتهم وأيضًا
توزيعها. علينا أن نفعل ما نفعله على
مرأى منهم؛ فالقدوة أفضل السبل لأن
يقوموا بهذا الدور منذ طفولتهم إلى أن
يشبوا ويتحملوا مسئولية هذا العمل
وحدهم.
والأطفال
قادرون على التواصل مع غيرهم وإن كان
غريبًا عليهم؛ ولذلك فهم يستطيعون
اللعب والحديث مع الأيتام في الملجأ،
وهم أقدر منا -نحن الكبار- على فعل ذلك.
أقرأ
أيضًا:
|