|
"الأفضل
لنا أن يجتمع العالم كلّه، ويُلقي
علينا قنبلة كبرى واحدة تقضي علينا
جميعا، بدلا من هذا القتل البطيء" ..
هذا
مما تنقله وكالات الأنباء عمّن بقي في
المدن الأفغانية، ينتظر القصف، ولا
يجد ملاجئ يحتمي بها، و هو ما جاء على
موقع "شبيجل" الشَّبَكي على لسان
أحد الخياطين في كابول، إنّه قال ذلك
مشيرا إلى العدوان الأمريكي-
البريطاني الحالي بعد المسلسل
التاريخي المعروف من الحملات
العسكرية الروسية والبريطانية من
قبل، وحملة حصار التجويع الدولية في
السنوات الماضية.
وسواء
صحّ أم لم يصح ما ذكرته مصادر حكومة
طالبان في أفغانستان بصدد جمع بعض
أهالي البلاد ما أسقطته الطائرات
الأمريكية من مواد غذائية مع القنابل
والصواريخ وإتلافهم إياها؛ فإن تلك
الخطوة الأمريكية تعبر عن غباء سياسي
بعيد، وعن جهل بنفسية الشعب الأفغاني
واستحالة شراء ولائه، وبالتالي دفعه
إلى التمرّد على حكومة طالبان لصالح
القوات الأمريكية المعتدية على
بلاده، بلقمة الطعام الملوّثة
بالدماء، بعد حصار التجويع في
السنوات الماضية.
الطعام
بين الألغام
أول
المؤشرات على مدى الغباء السياسي في
الإقدام على تلك "المسرحية"
المأساوية عبر الجمع بين وجبات
القذائف القاتلة ووجبات الطعام
الإنسانية - سقوط هدف رئيسي من
أهدافها من اللحظات الأولى. فبدلا من
أن تؤدّي إلى تضليل الرأي العام
العالمي في الغرب عبر مزاعم التمييز
بين توجيه الضربات العسكرية إلى
المتهمين بالإرهاب ودعم الإرهاب،
وبين الشعب الأفغاني الذي يتلقى هذا
"الدعم السخي" الأمريكي - أثارت
تلك الخطوة موجة من الاستهجان إلى
درجة التهكم المرير، وقارن بعضهم بين
قيمة وجبات الطعام التي تُلقى من
ارتفاعات شاهقة، وقيمة الصواريخ
والقذائف التي تسبقها وتلحق بها.
وأشار أحد الخبراء العسكريين الألمان
في ذلك إلى أنّ قيمة الصواريخ الخمسين
التي أُطلقت على المدن الأفغانية في
اليوم الأول فقط تجاوزت حجم
الميزانية السنوية الأفغانية
بكاملها، وليس قيمة ما يحتاج إليه
الأفغان لمكافحة الجوع والمرض
والتشريد فحسب .. فأين كانت المعونة
الأمريكية الفعالة لصالح المشرّدين
الأفغان طول بضعة عشر عاما مضت على
طرد الغزاة السوفييت، والذي كان
مقدّمة أولى لسقوط الشيوعية والمعسكر
الشرقي؟!!
من
التهكم إلى الاحتجاج
على
أنّ الانتقادات لم تقف عند حدود "التهكم
المرير"؛ فقد انطلقت تحذيرات عن
جهات عديدة عبرت عن الانزعاج الشديد
من الأمريكيين؛ لأنّ إلقاء المواد
الغذائية لا يراعي تحديد الأماكن
المأمونة؛ فيمكن أن يسبب اندفاع بعض
السكان تحت وطأة البؤس والجوع إلى
حقول الألغام الأرضية، إذا ما سقطت
المواد الغذائية فيها، وهي التي لم
تقم اللجان الدولية برسم خرائط لها
حتى الآن.. ومن المعروف أن الألغام
تنتشر في أفغانستان بنسبة تناهز عشرة
في المائة من الألغام الأرضية
المتخلفة عن الحروب في الكرة الأرضية
بكاملها، وكان ممّن احتج على
الأمريكيين بهذا الصدد خلال الأيام
الثلاثة الأولى من الحرب منظمة "أطباء
بلا حدود"، و"هانديكاب
إنترناشونال"، و"ميدكو
إنترناشونال"، و"كاب آنامور"،
و"هيئة الصليب الأحمر الدولي"
وغيرها.. ورغم ذلك تجاهلت الحكومة
الأمريكية أقوال هذه المنظمات
الدولية ذات الخبرة المعروفة في
ميدان الإغاثة الدولة، وتابعت "حملتها
الدعائية" على لسان الرئيس
الأمريكي بوش نفسه، وهو يعلن مساء
الجمعة 12/10/2001م أن "الولايات
المتحدة الأمريكية أظهرت شفقتها على
الشعب الأفغاني بما أسقطت من مواد
غذائية على أرض أفغانستان، وبتخفيف
القصف يوم الجمعة احتراما لمشاعر
المسلمين".
شقّ
الصف عبر التجويع
أسوأ
من هذه الحملة الدعائية الرخيصة كانت
محاولة توظيف "حصار التجويع"
لسنوات من قبل وقذف الطعام من القنابل
الآن كورقة "سياسية-عسكرية" لدفع
فريق من الأفغان للانحياز إلى
جبهة القتال الأمريكية ضد الفريق
الآخر.. وسبق أن أغلقت واشنطن أمام
الأفغان سائر الأبواب سوى التعرّض
لويلات الحرب الإرهابية الأمريكية،
أو الاستسلام الذي يعنيه تلبية "الأوامر
الأمريكية" مع رفض الكشف عن أدلة
قاطعة للاتهامات المعلنة على افتراض
وجود تلك الأدلة، ورفض المفاوضات من
حيث الأساس، ورفض أي مشاركة دولية في
تحقيقات يستحيل الاطمئنان إلى
سلامتها بعد أن سبقها تحديد المتهمين
"الوحيدين"، واقتران ذلك بتحريك
أضخم آلة حرب عرفتها البشرية، ضد بلد
لا يملك لقمة الطعام، ناهيك عن
إمكانات الدفاع عن نفسه ضد ضربات جوية
عن بُعد.
في
هذا الإطار تبدو ورقة "لقمة الطعام"
لتحقيق غايات سياسية-عسكرية في أسوأ
الصور المعروفة حتى الآن لتجرّد
السياسة الأمريكية، ليس عن المنطق
فقط، بل وعن مختلف المعاني الإنسانية
أو الأخلاقية. وربّما كان الساسة
الأمريكيون أنفسهم يعلمون -من خلال
معرفتهم بطبيعة المسلم الأفغاني- أن
طلباتهم المتعجرفة لن تجد استجابة؛
فلم تكن إلا من قبيل الاستفزاز، وليس
محاولة جادّة لزرع وَتَدٍ بين الشعب
الأفغاني وحكومة طالبان، أو استمالة
بعض قياداتها، ناهيك عن التمويه على
الرأي العام العالمي والإسلامي بصدد
وحشية تلك الحرب غير المتكافئة.
إنّ
خلط القنابل الأمريكية بالغذاء في
هذه الحرب، ولمثل هذه الأغراض
السياسية والعسكرية، يكشف أكثر من
سواه عن مدى الغباء في أسلوب التفكير
المسيطر على التعامل الأمريكي مع
العالم عموما، ومع الأطراف الإسلامية
فيه على وجه التخصيص.
وكان
منتظرا أن يضاعف هذا التصرف الغضب
المتفجّر في صفوف عامّة المسلمين،
وقد بدأ يصل بين المساجد في مختلف
أنحاء العالم.
مشردون
على الحدود وداخلها
القرى
والمدن الأفغانية مهدّمة من الأصل،
وأكملت عليها الأيام الأولى من الحرب
الجديدة، ولكن لم يعد الموت -قتلا
بالقذائف، أو قتلا بالتجويع- يميّز
بين الباقين في تلك القرى والمدن
والمشرّدين عنها، ولم تكن آلة الحرب
العسكرية الأمريكية قد تحركت بعد،
عندما كانت أفغانستان تشهد وفاة طفل
كل دقيقتين؛ أي أكثر من 280 ألف طفل
أفغاني سنويا –ناهيك عن الأكبر
سِنًّا-، وهذا بسبب نقص الأغذية
والأدوية، كما تذكر المصادر الرسمية
الدولية كالمنظمة العالمية لرعاية
الطفولة، وهيئة برنامج الغذاء
العالمي وغيرها.
وكانت
الحروب الماضية منذ وصول الشيوعيين
إلى السلطة، فالغزو السوفييتي،
فالاقتتال الداخلي، فظهور حركة
طالبان، حتى الحرب الحالية أسقطت من
القتلى ما رفع نسبة الأطفال والنساء
في أفغانستان إلى مجموع السكان بشكل
ملحوظ؛ فتجاوزت سبعين في المائة،
وهذا ما يسري على نسبتهم بين اللاجئين
والمشردين، الذين بلغ تعدادهم قبل
بدء الهجوم الأمريكي-البريطاني زهاء
6,3 ملايين إنسان، معظمهم في باكستان
وإيران. وتضيف الحرب الأمريكية إليهم
ما تقدره المنظمات الدولية بأربعمائة
ألف مشرّد آخر، وقد وصل منهم خلال
الأيام الثلاثة الأولى للحرب زهاء
مائة وخمسين ألفا إلى المناطق
الحدودية.
رغم
ذلك لا تعتبر المنظمة الدولية لشؤون
اللاجئين هذه الأرقام "كبيرة"
كما ذكر المتحدّثون باسمها في جنيف
بعد يومين من بدء الغارات؛ إذ قالوا:
إن "الفوضى" التي كان يُخشى منها
لم تقع، ولا يُقصد بذلك مستوى الرعاية
للمشردين؛ فهي في أدنى المستويات على
كل حال، ويضاف إليه ما أصبحت تشكو منه
منظمات الإغاثة الدولية، وهو أن
تواصل القصف الأمريكي يمنع من الوصول
إلى المشرّدين داخل أفغانستان، إنما
المقصود بعدم انتشار الفوضى كما ورد
على لسان متحدثي المفوضية هو عدم وصول
عدد المشرّدين في هذه الموجة الجديدة
إلى "الملايين" .. والثابت عند
معظم من يتابع الوضع من كثب من
الإعلاميين، أن السبب الرئيسي
لانخفاض عدد المشردين هو "العجز"
عن الهجرة لشدة البؤس والفقر.
عملية
تجميل فاشلة
الواقع
هو أن "بقية السكان" المقيمين هم
في حكم المشردين؛ فعلاوة على ما يقارب
أربعة ملايين مشرَّد خارج الحدود
وعلى الحدود؛ فقد حوالي أربعة ملايين
آخرين على الأقل من السكان مواطنهم
الأصلية؛ نتيجة الحروب والجفاف؛ ففي
هذا البلد الذي يعيش على الزراعة ورعي
الماشية في الدرجة الأولى تراجعت
نسبة الحقول المزروعة إلى أقل من
الثلث، وتَتَدَنَّتْ هذه النسبة في
بعض مناطق أفغانستان إلى 18 في المائة
من الأراضي المزروعة من قبل، كما قضى
أكثر من خمسين في المائة من الماشية
نحبه.
إن
الوجه المأساوي المُرعب لهذه الحرب
الإرهابية الأمريكية الأولى في القرن
الميلادي الحادي والعشرين الذي تريد
أن تجعل منه "قرنا أمريكيا" كما
ورد على لسان أكثر من مسؤول فيها من
قبل .. هذا الوجه المأساوي المرعب لا
يمكن أن يتوارى عن طريق محاولات
التجميل بالتمييز بين جوانب إنسانية
مزعومة و"مكافحة الإرهاب"
بإرهاب أشدّ، وبالذات فإن ما سبق ذكره
من مناورات لهذا الغرض لا يواري حقيقة
إضافة المزيد من المآسي الإنسانية في
بلد لم يعُد يحتمل المزيد، ولم يعُد
يملك كثير من سكانه القدرة حتى على
الفرار إلى مخيمات التشريد.
اقرأ
أيضًا:
|