|
كيوتو
عاصمة اليابان الثقافية، وعاصمتها
السياسية السابقة، إلى هناك ذهبت
لألتقي بمجموعة من المتطوعات
اليابانيات اللواتي أخذن على عاتقهن
مهمة تعليم الخياطة لعشرين فتاة
يمنية، وعلى مدار ثلاث سنوات،
وباستخدام فكرة جديدة، وهي إعادة
تصنيع الكيمونو.
30
دقيقة لارتداء الكيمونو
للكيمونو
سحر خاص، فما إن تذكر اليابان حتى
يتداعى الكيمونو إلى ذهننا. الكيمونو
هو الزي الياباني التقليدي والذي
يرجع تاريخه إلى أكثر من ألف عام. وهو
رداء طويل من الحرير الخالص. يلف على
الجسد ويحكم بالأوبي (حزام عريض على
الوسط)، ويشكل من الخلف على هيئة وردة
أو فراشة أو مروحة. يختلف الكيمونو
وفقا للمناسبة واختلاف الفصول
والحالة الاجتماعية وعمر مرتديه، تتراوح
أسعار الكيمونو من الحرير الطبيعي
بين ألف دولار وخمسة آلاف دولار، وقد
يصل سعره إلى 10 آلاف دولار أحيانا ، و
الكيمونو من القطع التي ترثها
الحفيدة عن الأم والجدة. في الماضي
البعيد كان الكيمونو عبارة عن 12 طبقة
ترتدى تباعا، أما الآن فيتكون من
طبقتين على الأكثر، وقد تراجع ارتداء
الكيمونو مع الحرب العالمية الثانية
بسبب التغيرات التي طرأت على المجتمع
الياباني، فارتداء الكيمونو أمر معقد
كما أن الكيمونو أيضا يحد من حركة
مرتديه. اليابانيات لجأن للملابس ذات
الطراز الأوروبي التي يتوافر فيها
عنصر السهولة والعملية، اليوم
نادرا ما ترى امرأة مرتدية كيمونو،
وأصبح الكيمونو زي المناسبات الرسمية
والتجمعات العائلية في الأفراح
والمآتم، وفي المهرجانات الني يقيمها
اليابانيون في الصيف وغيره من
المواسم، الكيمونو قد يحتاج إلى 30
دقيقة إلى ارتدائه، ونادرا ما تجد وسط
الشابات اليابانيات من تعرف أصول
ارتدائه، فهن يأخذن دروسا في ذلك أو
يلجأن لبعض المتخصصين لمساعدتهن على
ارتدائه.
الكيمونو..
عمل خيري
الكيمونو
هو الذي فرض نفسه على مشروع المتطوعات
اليابانيات العاملات ضمن منظمة (نيكو)nicco
اليابانية الدولية لتنمية
الجماعات، وهي منظمة غير حكومية،
بدأت نشاطها عام 1979 وبدعم من مؤسسة
اليابان Nippon Foundation وقد عملت
المتطوعات على جمع الملابس المستعملة
وإرسالها إلى مخيمات لاجئ كمبوديا
أعقاب الحرب الكمبودية. وسط الملابس
التي جمعت وجدن قطعتي كيمونو،
فتساءلن: هل سيستفيد محتاجو كمبوديا
من هذا الكيمونو في شيء؟ هنا خطر في
ذهن إحداهن – تخصصها الخياطة- أن تعيد
تصنيع هذا الكيمونو بما يخدم الآخرين
بين بعضهن البعض صممن باترونات "التصميم"
جديدة، وأعدن تصنيع الكيمونو وبيع
الإنتاج، وذهب ريعه إلى أطفال
كمبوديا.
تحرص
اليابان من خلال مؤسسة اليابان
ومنظمات أخرى كثيرة على التواجد على
الساحة الدولية من خلال تقديم
المساعدات والتدريب والتأهيل والمنح
الدراسية لأبناء دول العالم
الثالث. وكان مشروع تدريب 20 فتاة
وسيدة يمنية تتراوح أعمارهن بين
السادسة عشرة وأواخر العشرين على
مهنة الخياطة بما يكسبهن مهارة قد
تفيدهن في كسب عيشهن في المستقبل ضمن
مشروعات مشابهة أخرى تشمل فيتنام
ونيبال ولاوس والأردن وتقوم بها
منظمة nicco.
الكيمونو
عابر البلاد
إلى
كيوتو وبصحبة صديقتي اليابانية التي
كانت إحدى المدربات في هذا المشروع
العام الماضي، الآنسة هيروكو، والتي
تعرفت عليها عندما اتصلت بي بمجرد
سماعها من صديقتها أنني كنت أعيش في
اليمن، وهي قد ارتبطت كثيرا باليمن،
وتتمنى العودة إليها مرة أخرى. ذهبت
معها لألتقي بالسيدة ماسايو كوداما
المسؤولة عن المشروع والآنسة يوكا
أوكي التي عملت في هذا المشرع لفترة
ودار بيننا هذا الحوار:
*
كيف تجمعون الكيمونو؟؟
-
نعلن في أنحاء اليابان أننا بحاجة إلى
كيمونات مستعملة وتأتينا الكيمونات
مغلفة بعناية شديدة جدا؛ فكل شخص كأنه
يعطينا جزءًا من نفسه. من خلال
الكيمونو أصبحنا قادرين على الحكم
على مرسله. بعضها لم يلبس أبدا. علها
أهديت لأصحابها في زواجهن أو ما شابه،
ونظرا لإيقاع الحياة السريع وعدم
إمكانية ارتداء الكيمونو بشكل متكرر
وضيق البيوت اليابانية وندرة أماكن
التخزين يتخلص منها أصحابها. (وتقول
السيدة كوداما: إنها من شدة شغفها
بالمشروع أصبحت تحلم أثناء نومها
بقطع الكيمونو ومرسليها المحبين
لمساعدة الآخرين).
*
ما الإجراءات التي تقومون بها بعد
ذلك؟
-
نفك الكيمونو إلى أجزائه الأساسية،
الظهر والأكمام والأمام. وتعد
الباترونات "التصميمات" لإعادة
تصنيع الكيمونو وعمل أشياء أخرى منه
مثل فستان بسيط، تنورات، بنطلونات،
حقائب صغيرة،علب مجوهرات…، مع
الوضع في الاعتبار خصوصية التعامل مع
نسيج الكيمونو الحريري وضيق القماش
الذي لا يتعدى عرضه الـ 35 سنتيمترا
مربعا.
-
نحمل القماش والباترونات "التصميمات"
وتسافر به المدربة ومساعدتها، وهي
عادة شابة يابانية من محبات العمل
التطوعي والحريصات على التعرف على
ثقافات الشعوب الأخرى.
-
في اليمن نقوم بغسل وكي القطع وتقوم
المدربة بتعليم المتدربات من الثامنة
صباحا ولمدة 4 ساعات ونصف يوميا
تقريبا. مع تقديم وجبة الفطور لهن.
طوال أيام الأسبوع ماعدا الخميس
والجمعة.
*
ما انطباعكم عن اليمنيات؟
-
هن شغوفات جدا، يسألن كثيرا، يتعلمن
بسرعة وإن كانت مسألة اتباع القياسات
بدقة وتنفيذ الباترون "التصميم"
تعتبر إحدى الصعوبات التي تواجههن.
كان من الصعب التعامل معهن من وراء
السواد (الشرشف) وكان هذا غريبا علينا
جدا في البداية. هذا وقد انبهرن بجمال
القماش الياباني من حيث النوعية
والألوان والنقوشات. كن يعملن بدقة
حين يعلمن أن هذه القطع سيعاد بيعها
لصالح المشروع.
*
ما الصعوبات التي واجهتكم في اليمن؟
-
اختلاف الثقافة وعدم إمكانية الخروج
بمفردنا، وصعوبة شحن خاماتنا التي
كان مصيرها الضياع في البريد.
*أين
يباع الإنتاج؟ ومن يشتريه؟
-
يباع في اليابان وأقمنا معرضين في
أمريكا، ولاقت منتجاتنا صدى طيبا من
قبل محبي الكيمونو. كلنا نعتز
بالكيمونو ولا نستطيع ارتداءه في
حياتنا اليومية، لكن بهذه الطريقة
نستطيع ارتداء شيئا منه.
*
ألا تعتقدين أن تدريب 20 فتاة فقط على
مدار 3 سنوات عمل مهم لكن أقل من الجهد
المبذول في هذا المشروع؟
-
نحلم أن تتقن هؤلاء الفتيات المهنة
بحيث يقمن بتعليم أخريات، أو يعملن
لحسابهن بما يضمن لهن استقرارا ماديا.
في الحقيقة ما زلنا نفكر في مصير
هؤلاء المتدربات بحيث لا يضيع
المجهود الذي بذل معهن هباء.
*
إلى أي مدى أسهمت مشروعاتكم في تحقيق
أهدافها؟
-
هدفنا الأساسي هو تقديم حياة أفضل
للآخرين، نحن نعمل بشكل تطوعي ونتمنى
أن نخدم قطاعا أكبر من المنتفعين لو
أتيحت لنا الفرصة.
نوجه
من خلالكم دعوة لكل من يحتاج
المساعدة، ونطمع في عون كل من يستطيع
تقديم المساعدة. أملنا هو خلق علاقات
طيبة مع العرب.
بخلاف
أبو الإلكترونيات
ذكرت
السيدة كوداما في حديثها أن هناك
فروقا طبقية كبيرة في المجتمع
اليمني، و أضافت أن العمل التطوعي من
قبل المقتدرين قد يوفر فرصا لفقراء
اليمن. قد لا نختلف معها في هذا،لكن
هذا ينطبق على اليمن كما ينطبق على
غيرها.
ذكرت
أيضا أن تاريخ اليابان مع العرب يختلف
عن تاريخ العرب مع أوروبا أو تاريخ
اليابان مع الصين وكوريا وترد ذلك
لبعد المسافة، (لكن لا شك أن هذه
المشروعات تمنح اليابان ثقلا عالميا.
وتعطي فرصة للآخرين للتعرف على
الإنسان الياباني الذي لا نعرف عنه
إلا أنه أبو الإلكترونيات).
قالت
إن اللقاء مع الفتيات يبدأ مشحونا
متوترا، فاليمنيون مختلفون بشدة عن
الآسيويين لكن هذا التوتر يتلاشى
بالتدريج وصولا إلى مرحلة الألفة
بدعوة الفتيات لهن لزيارة بيوتهن،
منتهين إلى الأحضان والدموع عند
الوداع والفراق، وأكدت على أنهن
كمدربات يرتبطن بهؤلاء الفتيات
ويتمنين لهن حياة أفضل.
ما
الدور الذي يلعبه العمل التطوعي في
بلادنا؟ وإلى أي مدى يمكن الاستفادة
من هذه التجربة في الوطن العربي؟
أسئلة فرضها اللقاء وطرحتها على نفسي.
اقرأ
أيضًا:
|