|
"المحمول
في يد الجميع" شعار رفعته إحدى
شركات تسويق الهاتف النقَّال في مصر
منذ بدء إدخال هذه الخدمة، ولم أصدق
حينئذ أن هذا الشعار الطموح قد يتحول
يومًا ما إلى حقيقة واضحة؛ فمنذ عامين
حين بدأت شركة الهاتف المصرية تقديم
خدمة الهاتف المحمول تَسابَقَ العديد
من الأفراد في المجتمع لحمل هذا
الجهاز السحري، رغم ارتفاع ثمن
الحصول على الخدمة –والجهاز آنذاك-،
وقد جعلت القدرة المادية انتشار
الهاتف النقال مقصورًا على طبقة
قادرة.
لكن
الواقع أن حاملي المحمول من هذه
الطبقة لم يكونوا فقط الأطباء ورجال
الأعمال والصحفيين أو غيرهم ممن
يحتاجون هذه الخدمة، بل تعدَّى
اقتناء المحمول ليشمل طلاب الجامعات -وأحيانًا
المدارس-، وربات المنازل ممن أفرغوا
رغباتهم الاستهلاكية المصحوبة
بالقدرة المالية في شراء المحمول،
وبالطبع كان ذلك مؤثرًا على كون معيار
اقتناء المحمول هو القدرة، وليس
الحاجة.
واندفعت
شركات تسويق المحمول في مصر تستغل هذا
المعيار؛ فمن ناحية ركزت حملة
الدعاية على التسويق لصغار السن من
القادرين، الذين تراهم في الإعلانات
التليفزيونية للهاتف النقال
يتبادلون الرسائل الغرامية،
ويتحدثون عن المواعيد واللقاءات
العاطفية، وهم فئة من "فارغي
العقول وممتلئي الجيوب"، وهو ما
تفصح عنه طبيعة رسائلهم، وتوضحه حياة
البذخ التي تعرضها الدعاية، وتصورهم
يعيشون فيها، وتوارت مقابل ذلك
الدعاية الموجهة لرجال الأعمال
وأساتذة الجامعات وغيرهم مما يحتاجون
الهاتف النقال بحق.
ومن
جانب آخر، ونتيجة لتنافس شركات تسويق
الهاتف المحمول، فقد انخفضت أسعاره
بشدة، سواء على صعيد شراء الخطوط أم
اقتناء الأجهزة؛ وهو ما دفع الفئات
المتوسطة وبعض الدنيا لامتلاك الجهاز
بعد وصولهم إلى مرحلة القدرة عليه،
متناسين قياس مدى أهمية احتياجهم له؛
وهو ما جعلني بعد عام من الغياب عن مصر
أعود لأرى "المحمول في يد الجميع"
دون حاجة أو ضرورة.
رسائل
المحمول بديل الزواج!!
وتصدمني
أن أسعار المحمول ما زالت -رغم
انخفاضهما- مرتفعة، وما تزال تستهلك
قدرًا كبيرًا مما كان يجب أن يكون
مدخرات للشباب وللأسر التي انتشرت
بينها موضة امتلاك الأسرة لخط لكل
فرد، وأحيانًا امتلاك الفرد لأكثر من
خط في آنٍ واحد!!.
والمحزن
أنه بينما تزداد معدلات العنوسة،
وتنخفض معدلات الزواج؛ بسبب ارتفاع
تكلفة الزواج وقلة مدخرات الشباب،
تُستهلك هذه المبالغ الهائلة في
فواتير المحمول الشهرية، التي أكاد
أجزم أنها تكفي لإطعام أسر عديدة، وفي
المقابل اكتفى الشباب بتبادل رسائل
الغرام على المحمول، بدلا من تكوين
أسرة وتحقيق الاستقرار.. استهلاك بدلا
من بناء!!.
ونكاد
نصرخ أنا وزوجي فيمن نقابلهم بأن
المحمول "يُحمل" فقط للضرورة؛
لأن هذا ما تعلمناه في بلد المحمول؛
فبعد حياة عدة سنوات في الولايات
المتحدة خبرنا فيها أن امتلاك
المحمول يكون مقصورًا على من نطلق
عليهم “on-call”أي "تحت الطلب"
بشكل دائم، بل إن بعضهم يكتفي بجهاز
لالتقاط رقم الطالب "البيجر"
لمعرفة مَن يحتاجه، ويتصل به مرة أخرى.
تعلمنا أن المحمول يوضع في السيارة
لمن يسافرون مسافات طويلة في شتاء
قارص مثلج أو صيف ممطر مرعد. شاهدنا أن
المحمول ليس للمباهاة بحيث نضطر
لحمله في مكان ظاهر حتى يراه الناس.
ومن المؤكد أننا استوعبنا في
الولايات المتحدة أن القدرة المادية
ليست هي المعيار؛ فالاشتراك هناك
ضئيل جدًا مقارنة بالوضع في مصر،
والجهاز هدية للمشترك طوال مدة
اشتراكه، بالإضافة لمئات الدقائق
المجانية.
وتتزاحم
في ذهني مشاهد للشباب يتحدثون عن
الحب، وسيدات تُدِرْن حوارات طويلة،
ورجال يتسامرون، وشابات يتواعدن، كل
هذا على المحمول!! الجميع يتصورون أن
قدرتهم على شراء المحمول ودفع
فاتورته كافية لدفعهم لاقتنائه، بغض
النظر عن تأثير ذلك على المجتمع بشكل
عام.
وأخيرًا،
لا أجد غير القول بأن معيار امتلاك
المحمول يجب يجب يجب أن يكون الضرورة
وحدها؛ فالمحمول لا يجب أن يكون في يد
الجميع، إن يد الجميع لا بد أن تحمل
أداة للإنتاج وليس أداة للاستهلاك.
أقرأ
أيضًا:
|