|
يوم اللاجئين.. وأد الأطفال في عصر العولمة
"ليس
هناك بالنسبة إلى اللاجئين يوم في
العام يخصص للتذكير بمشكلتهم، فكل
يوم في حياة التشريد يوم لا يحسب من
عمر اللاجئين".
هذا
ما قاله رئيس المفوضية العالمية
لرعاية اللاجئين لودرس في بيانه
الصادر بمناسـبة "اليوم العالمي
للاجئين" في 20/6/2001 م وفق ما أعلنته
الأمم المتحدة.
وليس
مجهولا أنّ مشكلة اللاجئين ليست
مشكلة "سياسية" فحسب، لا سيما
وأن صانعي القرار السياسي لا يضعونها
على جدول أعمالهم إلا كمشكلة جانبية
يستثمرون الحديث عنها سياسيا، دون
صنع ما يكفي لمواجهتها واقعيا؛
فالقضايا ذات الطابع الإنساني لا
تمثل عنصرا فاعلا إلا في مرتبة متأخرة
للغاية في صناعة المواقف والقرارات،
انطلاقًا من اعتبارات سياسية
واقتصادية أنانية محضة.
وقد
يبدو ما يعنيه ذلك بصورة أشدّ وضوحا
عند الإشارة إلى أن ظاهرة الأطفال
المشرّدين أصبحت من الظواهر
المتنامية عامًا بعد عام حتى في قلب
مراكز الحضارة الحديثة، وهم يشكلون
الثلث من أصل بضعة وعشرين مليون مشرد
في الولايات المتحدة الأمريكية
ومثلهم في أوروبا الغربية، كما أنّ
نسبة الأطفال الذين يعانون من الجوع
داخل المجتمعات الصناعية في ارتفاع
مستمر، وقد بلغت الملايين أيضا في هذه
الأثناء، كما في بريطانيا وألمانيا
والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.
سيبقى
البعد الإنساني
ومهما
قيل في البعد السياسي والاقتصادي
سيبقى البعد الإنساني لقضية التشريد
هو الأشدّ تأثيرا على من يتابع القضية
خارج نطاق القوالب السياسية الموضوعة
لها، وبالتالي فعلى قدر تغييب هذا
البعد عن وسـائل الإعلام، وعن الوعي
العام، تزداد مسؤولية صانعي القرار
السياسي والاقتصادي، تجاه ما تعنيه
حياة اللجوء والتشريد من معاناة ومن
مآس فردية لا حصر لها.
وعلى
سبيل المثال.. كم تخصص وسائل الإعلام
وغيرها من الجهات ذات العلاقة، لعرض
ما أصبح عليه الوضع في مخيم اللاجئين
الأفغان "جالوزاي"، وقد غدا في
هذه الأثناء نموذجًا لواقع حياتهم في
التشريد، في أكثر من مائتي مخيم مثله،
وقد مضى على قيامه أكثر من عشرين
عامًا، وبات يضم زهاء نصف مليون لاجئ،
وما يزال يستقبل يوميا المزيد
بالمئات أحيانا هربًا من الحروب ومن
الفقر والجفاف في وقت واحد، ولا يجد
اللاجئون فيه حتى "الخيام" بمعنى
الكلمة، فضلاً عن نقص الماء نقصًا
كبيرًا، وافتقاد الدواء افتقادًا
تامًا، والتعرض لحرارة الشمس صيفًا
في حدود أربعين درجة، وبرودة الصقيع
شتاء إلى ما دون الصفر بعدة درجات،
وفي ذلك المخيم يموت يوميا عشرات
الأطفال جوعًا وعطشًا ومرضًا.
الإنسان
في طاحونة الأرقام
وتنطلق
المفوضية العامة للأمم المتحدة من
تعريف رسمي للاجئ يقول: إنه مَن يعيش
مضطرا خارج حدود بلد يحمل جنسيته، ولا
يستطيع العودة إليه، بسبب انتمائه
العرقي أو الديني أو القومي، بينما
يطلق وصف المشرّد على المضطر للعيش في
غير مكان إقامته داخل وطنه الأم.
وتشمل
السجلات الرسمية للمنظمة الدولية 21
مليون لاجئ ومشرد في أنحاء العالم،
المجموعة الكبرى منهم من الأفغان،
وعددهم وفق إحصائيات المفوضية 6.3
ملايين لاجئ، ثم الفلسطينيون وعددهم
5.3 ملايين لاجئ، ولكن الرقم الذي
ترجحه المصادر الدولية نفسها يربو
على خمسين مليونًا، وربما كان أكبر من
ذلك بكثير؛ إذ لا يوجد إحصاء شامل
مثلا للاجئين والمشرّدين في القوقاز
والبلقان وأنجولا وإندونيسيا وغيرها.
وانطلاقا
من رقم (50 مليونًا) تتراوح نسبة
اللاجئين والمشردين من المسلمين ما
بين الثلثين والأربعة أخماس، ومعظمهم
مشردون ما بين الأقطار الإسلامية
نفسها وداخل الوطن الأم، كما هو الحال
في البوسنة والهرسك والبلقان عمومًا،
أو أفغانستان والدولتين المجاورتين
لها، أو اللاجئين الفلسطينيين،
وينطبق هذا الوضع على الأفارقة
المشرّدين من غير المسلمين أيضا.
وعند
المقارنة يظهر مدى ضعف ادّعاءات بعض
الدول الغربية، لا سيما الأوروبية،
أنّها أصبحت تستوعب أعدادًا ضخمة من
اللاجئين تتجاوز طاقاتها، فاللاجئون
الأفغان والفلسطينيون فقط وهم موزعون
على بضعة بلدان إسلامية في الدرجة
الأولى، أكثر عددًا من اللاجئين في
الدول الأوروبية الغربية جميعًا، كما
أنّ نسبة اللاجئين الفلسطينيين إلى
السكان في بلد كلبنان أو سوريا، تزيد
على نسبة اللاجئين من مختلف البلدان
إلى السكان في بلد أوروبي غربي رئيسي
كفرنسا أو ألمانيا أو بريطانيا.
وتقول
إحصاءات المنظمة عن اللاجئين
والمشردين الذين ترعاهم وفق سجلاتها -
أي في حدود 21 مليون نسمة عام 2001م - إن
الثلثين من اللاجئين والثلث من
المشرّدين داخل حدود أوطانهم
الأصلية، وإن ربعهم معا هم لاجئون
ومشرّدون في أوروبا الغربية والشرقية
أي أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون
بقليل (منهم حوالي مليونين ونصـف من
المسلمين البوشناق والألبان) والربع
الثاني، أو خمسة ملايين وثلاثمائة
ألف تقريبا هم اللاجئون والمشردون في
بلدان القارة الإفريقية، فتتعادل
القارتان بذلك من حيث "عدد" من
يُفترض أن تستوعبهم من اللاجئين.
الطفولة
الموءودة في الخيام
الأطفال
هم أشدّ فئات اللاجئين والمشرّدين
تعرّضا لمختلف جوانب مأساة التشريد
الكبرى، وقد ذكرت الرئيسة السابقة
للمفوضية صادوق في كلمة لها أن واحدًا
فقط من كل ثمانية أطفال في المخيمات (من
التي تجد رعاية المفوضية أصلاً) يزور
المدرسة، وأن العدد الأعظم منهم لا
يعرف ما تعنيه كلمة "حديقة"، وهم
يبيتون على الجوع والعطش وفي العراء
غالبًا، قد فقدوا معنى الطفولة
نفسها، كما فقدوا انتماءهم لأي وطن،
فمن يُولد في مخيم للاجئين، لا يجري
تسجيله في سجلات المواليد في وطنه
الأم أصلاً، وكثير منهم بدأ حياة
التشريد بعد أن فقد أبويه وأقرباءه.
على
أنّ الأبعاد الفعلية لمأساة الطفولة
في حياة التشريد أوسع من ذلك بكثير،
بل لا يفيد التعامل معها كمادة في "الدراسات
والبحوث الأكاديمية" وفي
الإحصاءات فحسب.. وتكفي الإشارة إلى
بعض العناوين الرئيسية لبيان أهمية
التفاعل مع القضية من جذورها، بعد أن
أصبح كثير من الأطفال والناشئة
المشردين ضحية عدد من الظواهر
المأساوية الأخرى، قد انتشرت وتفاقمت
في ظل مزيد من التطوّر التقني الحديث
في عالم الحضارة المادية المعاصر،
وأصبحت مواطن التشريد من مصادر "غذائها"
الرئيسية، ومن ذلك على سبيل التنويه
دون تفصيل:
1-
حياة التشريد دون مأوى ولا غذاء ولا
دواء ولا أي شكل من أشكال الرعاية
بحدودها الدنيا، تساهم إسهامًا
مباشرًا في كارثة استفحال وباء نقص
المناعة الذاتية في القارة
الإفريقية، علمًا بأنّ ثلث ضحاياه هم
من الأطفال، وقد وصل عدد ضحاياه في
هذه الأثناء إلى 36 مليونًا في العالم،
ثلثاهم في إفريقيا، علاوة على
المصابين بالفيروس ولم تظهر عليهم
أعراض المرض بعد، وهم أضعاف مضاعفة،
كما أن عدد من أصبح يُطلق عليهم وصف
"أيتام الإيدز" بعد فقد الآباء
والأمهات بسبب الوباء، يزيد على اثني
عشر مليون طفل.
2-
تجارة الرقيق الأبيض تشمل النساء،
كما تشمل الأطفال من الذكور والإناث،
وبدأت مع انتشار ظاهرة العولمة "تزدهر"
ازدهارًا سريعًا ومطّردًا في المناطق
التي ارتفعت فيها نسبة التشريد،
كجنوب شرق آسيا وإفريقيا وشرق أوروبا
حتى باتت ميزانية العصابات العاملة
في هذه التجارة "الحديثة" تتجاوز
مئات المليارات، ومعظم "الرقيق"
في هذا التجارة "يُستورد" إلى
البلدان الغربية، لتشغيلهم في ميادين
الدعارة في الدرجة الأولى، لا سيّما
من الناشئة والشباب في مقتبل العمر.
3
– باتت المخيمات من مصادر "التموين"
الرئيسية لسوق عمليات "تهريب البشر"
التي تشمل الأطفال دون أقارب،
وأطفالاً يبيعهم أهاليهم لعجزهم عن
تأمين الطعام والشراب والدواء لهم،
فتتاجر بهم عصابات متخصصة، لا سيما في
تأمين هذه "البضاعة" للراغبين في
تبني الأطفال في البلدان الغربية دون
تحمّل "عبء الإنجاب" أو نتيجة
العقم، ويجري بعض ذلك "رسميا"
تحت عناوين الرعاية في دور حضانة
كنسية أو تأمين "أسر" لأيتام
الحروب والنزاعات والكوارث.
4-
ثلث السياحة الغربية إلى بلدان
سياحية معروفة، مثل: تايلاند،
والفيليبين، وكينيا، وغيرها، بات
يوصف بالسياحة الجنسية، والفئة
المستهدفة هي في الدرجة الأولى من
الأطفال والناشئة، وباتت حياة
التشريد وأشكال الفقر الأخرى من
الدوافع الرئيسية لاشتغالهم أو
تشغيلهم في الدعارة في أوطانهم الأم
فقط..
عجبًا
أمام
هذه المعطيات التي تتحدث عنها
المنظمات العالمية والمؤتمرات
الدولية لا بدّ من استغراب ظاهرتين
اثنتين انتشرتا في السنوات الأخيرة
على نطاق واسع:
أولاهما:
أن الحملة الدولية الأكبر مركزة على
أصناف أخرى من الاعتداء على الطفولة (ولا
ننفي ضرورة الاهتمام بها أيضًا) مثل
تجنيد الأطفال في النزاعات والحروب
ولا سيما في القارة الإفريقية.. أو
كمثال آخر تشغيل الأطفال في البلدان
النامية، علمًا بأن هذه الظاهرة
منتشرة في البلدان الصناعية أيضًا
بنسب أدنى قليلاً، وميادين عمل أسوأ
بكثير، ولا يجد ذلك اهتمامًا مماثلاً..
والظاهرة
الثانية: أن كثيرًا من المؤتمرات
الدولية برعاية الأمم المتحدة وتوجيه
القوى صاحبة النفوذ في الدول
الصناعية، تنشر الداء بدلاً من
مكافحته؛ إذ لم تعد تطرح مشروعًا من
المشاريع إلا ويتضمن تخصيص القسط
الأعظم من الجهود والتمويل لإجراءات
من شأنها تفكيك عرى الأسرة، بدلاً من
العمل على إحياء وجودها وتماسكها في
الغرب من جديد وحمايتها من مزيد من
التفكك والانهيار في البلدان النامية
ولا سيما الإسلامية.
إن
مأساة التشريد - وإن كان لها وجوه
عديدة - فإن آثارها الأخطر والأشدّ
إيلامًا هي تلك التي تصيب الأطفال،
وتضاعف في الوقت نفسه معاناة النساء
في حياة التشريد أكثر من سواهن، وقد
لا يستطيع الفرد أن يصنع لمواجهة
المأساة أكثر من الدعاء وربما بعض
التبرعات، ولكن لا ريب أنّ في مقدّمة
الواجبات لمواجهة المأساة على المدى
البعيد، ما يتمثل في العمل الدائب على
بناء مجتمع متماسك، لا تضيع القيم
الإنسانية فيه.
وضياع
القيم الإنسانية هو في مقدمة ما يجعل
العالم المعاصر ينقسم اليوم إلى فئات
محدودة العدد تملك المأوى والطاقات
المادية الكبرى وإن فقدت أسباب
السعادة الحقيقية والاستقرار، وأخرى
فقدت المأوى وأسباب السعادة
والاستقرار على السواء، وبين هؤلاء
وهؤلاء غالبية كبيرة من البشر، تعيش
وكأنّه لا دور لها في الحياة البشرية
تجاه الإنسان وكرامته وحقوقه
الأصيلة، ولا تجاه جيل المستقبل من
أبنائنا وبناتنا الذين نقول بأنهم
فلذات أكبادنا.
اقرأ
أيضًا:
-
بصراحة
..الفلسطنيون باعوا أرضهم ويستحقون
ما يحدث لهم
-
ترحيل
... وترحيل ... وترحيل

|