|
ليلى عودة سجلت خاتمة تقريرها بدمها
|
فلسطين - الجيل للصحافة
اعتدال قنيطة
|
6/05/2001
|
 |
|
ليلى
عودة مراسلة قناة"أبوظبي"
إثر إصابتها |
"اخترت
موقعا فوق ركام بيت دمّره جيش الاحتلال لأقدم خاتمة تقريري
عن البيوت المدمرة، وفجأة شعرت بألم
في ساقي الأيمن وأن دمي ينزف، حاولت
أن أدوس على جرحي وأستمر في إعداد
الخاتمة لأسطرها بدمي بجانب كلماتي،
ولكن ...".
هذا
ما أكدته الإعلامية الفلسطينية "
ليلى عودة " مراسلة قناة تلفزيون
"أبو ظبي" الفضائية، بعد أن
أصيبت برصاص جيش الاحتلال الصهيوني
بتاريخ 20/4 في فخذها الأيمن، في أثناء
إعدادها تقرير إخباري عن الدمار
والخراب الذي لحق بعشرات المنازل عند
بوابة صلاح الدين بمدينة رفح جنوب
قطاع غزة، مبينة مدى حرص قوات
الاحتلال على اغتيال حقائق جرائمه
عبر عدوانه على الإعلاميين؛ حيث أصيب
ما يزيد عن 120 صحفيا منذ بداية اندلاع
انتفاضة الأقصى.
معاناة
الوصول
وصلت
الإعلامية ليلى عودة إلى محافظات
قطاع غزة بتاريخ 19/4 بعد إجراء العديد
من المحاولات والاتصالات مع وزارة
الدفاع الإسرائيلية للحصول على تصريح
دخول لقطاع غزة؛ بسبب الإغلاق
والحصار المفروضين على محافظات غزة،
للوقوف على ممارسات العدو الصهيوني
وفضح هجماته الشرسة الأخيرة التي
استهدفت تدمير ما يزيد عن 30 منزلا في
خان يونس وتشريد حوالي 500 مواطن.
كما
حول منطقة بيت حانون التي احتلها لمدة
24 ساعة إلى أثر وأكوام من الدمار؛ حيث
تعرض للهدم الكلي والجزئي نحو 30 منزلا
و300 دونم من الأراضي الزراعية و15 بئر
مياه كحصيلة للدمار والخراب الذي
خلفته قوات الاحتلال طيلة الساعات
التي احتلت فيها هذه المنطقة بتاريخ
16/4، كما دمرت ستة مواقع للقوات
الحدودية التابعة للأمن الوطني
الفلسطيني بما فيها مقر القيادة
العامة للمنظمة الشمالية في قطاع
غزة، إضافة إلى تدمير مسجد.
وأضافت
عودة: وفور وصولي توجهت وبرفقة المصور
وفني الصوت إلى أقرب منطقة إلى الحاجز
الإسرائيلي في منطقة بيت حانون
للوقوف على حجم الدمار الذي خلفه
احتلال 24 ساعة من دمار وحفر للخنادق.
وفي
صباح اليوم التالي 20/4 توجهت إلى مدينة
رفح وتفاجأت بأوضاع الأهالي في
المدينة عند بوابة صلاح الدين؛
فالبيوت أشباه بيوت، والرصاص لم يدع
شيئا من المنزل إلا اخترقه، وبيوت
دمرت على ما فيها من أثاث، وعشرات
الخيم نصبت بجانب البيوت شبه المدمرة
ليحتمي بها من الرصاص الذي لا ينفك أن
يطلقه جيش الاحتلال المتمركز في برج
المراقبة المحصن جدا.
وأكملت
عودة: لم أستطع أن أتصور حجم الدمار
وحجم المآسي الذي تعرض له أهلنا في
رفح؛ فأجريت لقاءات مع المواطنين،
وأنا في أشد الأسى والاستغراب؛ لكي
أنجح في تجسيد حجم معاناة هذه الأسر،
عبر تصوير طريقة عيشهم وخطر الموت
الذي يهدد حياتهم كل لحظة، ومدى
صمودهم رغم رشاشات جيش الاحتلال
المنصوبة تجاههم.
خاتمة
بالدم
تستأنف
عودة: وبعد أن انتهيت من إجراء
الحوارات وتصوير برج المراقبة اخترت
منطقة تبعد عن برج المراقبة 150 مترا
تقريبا، وهي منطقة شبه مدمرة تماما
لأقف على أطلال أحد المنازل، وبرج
المراقبة الصهيوني من خلفي لأصيغ
خاتمة التقرير، وإذ بجندي المراقبة
الإسرائيلي يطلق رصاصتين في الهواء،
فأسرع المصور ليحذرني من الاقتراب أي
خطوة، رغم أنه كان يراقب حركاتنا منذ
بدابة التقرير، ويعلم يقينا أننا
طاقم "أبو ظبي" الفضائية، وهرب
المصور بسرعة وحاولت أن ألحق به؛ وإذ
برصاصة تخترق ساقي الأيمن، كنت أود أن
أختم تقريري رغم آلام جرحي ودمي
النازف لأؤكد للمشاهد حقيقة الجرم
الصهيوني بحق شعبنا الفلسطيني، ولكن
طاقم الإسعاف رفض إعطائي هذه الفرصة؛
خوفا على صحتي.
ورغم
أنها لوحت قبل وقوفها فوق أطلال
المنازل المدمرة بلاقط الصوت المكتوب
عليه " تليفزيون أبو ظبي"، في
محاولة لإشعار الجنود بأنها صحافية،
فإنهم لم يعيروا ذلك اهتماما؛ إذ عمل
جنود الاحتلال خلال اليومين الماضيين
لإصابة عودة على إطلاق النار تجاه
أصحاب البيوت المهدمة، وكل من يقترب
منها، في محاولة لجعل محيط الموقع
العسكري معزولا تماما، فارضين حظرا
على الدخول إليه.
ونقلت
عودة فور إصابتها إلى مستشفى "أبو
يوسف النجار"، ثم إلى مستشفى "الشفاء"،
ومن ثم إلى مستشفى "المقاصد" في
القدس. ووصفت مصادر طبية فلسطينية
إصابة الصحافية عودة بالمتوسطة،
مشيرة إلى أن الرصاصة أحدثت مخرجا
ومدخلا في ساقها اليمنى.
يُذكر
أن عودة غادرت المستشفى يوم الثلاثاء
بعد أن تماثلت للشفاء، مؤكدة فشل
محاولات جندي الاحتلال في إعاقتها،
وحول ذلك تقول عودة: "أكد لي
الأطباء قبل مغادرتي المستشفى أن
مكان الإصابة يؤكد مدى حرص الجندي على
إحداث إعاقة حركية دائمة، ولكن
محاولته فشلت حيث لم تحدث الإصابة
تمزقا في العصب، بل زادتني عزما.
وليطمئن
طفلاي
وفور
إصابة عودة نقل تليفزيون أبو ظبي
أحداث إصابتها مباشرة إلى المشاهد
وطريقة علاجها ليطمئن الجمهور عليها،
ومن بينهم طفلاها أسيل " 4.5 "
وأسامة "2.5 " اللذان حاول والدهما
إبعادهما عن مشاهد الحدث، ولكنه لم
ينجح معهما، وحول مدى تأثير المشهد
عليها تقول عودة: "لا شك أن زوجي
وطفلي متفهمون ومقدرون لطبيعة
الأخطار التي يمكن أن أتعرض لها، وإن
كان الأمر ليس بهين على طفلين أن
يشاهدا والدتهما تصاب أمام أعينهما؛
لذلك في صباح اليوم التالي لإصابتي
غادرت مستشفى الشفاء إلى القدس لأكون
بجانبهما ويطمئنا علي، ففي البداية
خافت طفلتي أسيل أن تقترب مني لشدة
خوفها أن تفقد أمها فجأة، ولكن مع
مرور الوقت اجتازا مرحلة الخوف،
وبدأت تسألني عن إصابتي.
الفدائية
والمضايقات
أشارت
عودة إلى ضرورة أن يعايش الصحفي
الحدث، وألا يعتمد على غيره في تصوير
الأحداث ونقلها إليه؛ لأنه حتما
سيكون تقريرا ناقصا فاقدا لكثير من
المصداقية، وتقول: كان بإمكاني أن
أكلف أحد المصورين في غزة لتصوير ما
أريد من أحداث، وأكتفي بما يشاهده وما
يرغب في تصويره، ولكني رفضت وعزمت على
ضرورة التواجد في غزة رغم كل
المضايقات والصعوبات.
وحول
تغلب عودة على نظرة المجتمع للمرأة
ومجيئها إلى غزة بمفردها، وبدون
مرافقة أي طاقم إعلامي قالت عودة:
أعتقد أن المجتمع الفلسطيني وصل إلى
درجة من الوعي، وأصبح يتفهم دور
المرأة وتجاوز المفاهيم التي حددت
عملها داخل المنزل فقط، ولا أشعر بأي
موقف يسيء لي، بل العكس تماما أشعر
بالسعادة، وأنا أسير في شوارع المدن
الفلسطينية وأسمع اسمي يتردد على
ألسنة الرجال والنساء؛ حتى إن بعضهم
يناديني الفدائية، وهذا يشجعني على
مزيد من العمل والعطاء خدمة لوطني
وشعبي الذي أساهم في تثبيته على خارطة
العالم السياسي؛ فالمجتمع أصبح يتفهم
عمل المرأة ويقدر المبدعة.
أما
ما يتعلق بالأسرة، فالحمد لله أنا
متزوجة من رجل متفهم لطبيعة عملي؛
فأعمل وأنا مطمئنة على أبنائي حتى لو
تأخرت عنهم، كما أنني أتلقى تشجيعا من
الأسرة والمجتمع، ولا يوجد أي عبء
مجتمعي يذكر.
107
إعلاميين.. حصيلة الاعتداءات
التضامن
الجماهيري مع عودة خفف الكثير من
آلامها وزادها ثقة بنفسها، إن
مسئولية الحفاظ على حياتها لا تقع على
عاتقها وحدها؛ لأن الجميع تعاطف
معها، وإن إصابة عودة في ساحة
المواجهات وفي أثناء تغطيتها الصحفية
للدمار الذي خلفه جيش الاحتلال دليل
على مدى مصداقية الصحفي الفلسطيني
ومدى تحمله لرسالته الصحفية وارتباطه
بوطنه؛ حيث اعتصم العشرات من
الصحفيين الفلسطينيين ومراسلي
وكالات الأنباء والمحطات الفضائية
أمام مكتب المنسق الخاص للأمم
المتحدة؛ احتجاجا على الممارسات
والاعتداءات الإسرائيلية ضد
الصحفيين في أثناء تأديتهم لمهامهم
الصحفية، والتي شملت إصابة نحو 107
صحفيين فلسطينيين، وأجانب، وآخرها
إصابة مراسلة قناة أبو ظبي الفضائية
بالرصاص الحي.
وحمل
الصحفيون اللافتات التي تطالب بوقف
هذه الممارسات التي وصفوها
بالمتعمدة، والتي تدعو المنظمات
والمؤسسات الحقوقية المعنية بالدفاع
عن الصحفيين والإعلاميين وخاصة
الفلسطينيين، ورددوا الهتافات
المنددة بالانتهاكات الاسرائيلية
وإطلاق النار عليهم، كما ألقوا
كاميراتهم وأقلامهم تعبيرا عن رفضهم
للممارسات الإسرائيلية، وقدم
المشاركون مذكرة احتجاج إلى مكتب
المنسق الخاص تسلمها ممثله "بروس
جولس" ليتم رفعها إلى الأمين العام
للأمم المتحدة كوفي عنان ومجلس الأمن
تطالب بوقف الاعتداءات عليهم، وتوفير
حماية دولية للشعب الفلسطيني بمن
فيهم العاملون في القطاع الإعلامي.
كما
قال وزير الثقافة والإعلام الفلسطيني
ياسر عبد ربه في تعقيب على إصابة عودة:
إن ما حدث يشكل دليلا جديدا على أن
إسرائيل لا تكتفي بضحاياها الأبرياء
من الأطفال والنساء والشيوخ، بل إنها
مستعدة لاستخدام وسائل القتل ذاتها
ضد كل من يحاول من الشهود الصحفيين
نقل صور عن هذه الجرائم.
وفي
نهاية حديثها تمنت عودة أن لا يتوقف
الصحفي الفلسطيني عن تغطية الحدث
بدون الكشف عن حقيقة المآسي التي
يتعرض لها شعبنا.
وتعتبر
عودة التي أزاحت النقاب عن الوجه
القبيح للاحتلال الصهيوني بدمها
وتقاريرها الحية نموذجا فريدا لكل من
اختار مهنة المتاعب رسالة له.
اقرأ
أيضًا:
|