|
يوميات
من الجنوب اللبناني
|
فاطمة
بري- مذيعة بقناة المنار
|
28/05/2001
|
 |
|
الاستشهاد
أرث المقاومة |
كثيرون
منا يتابعون هذه الوجوه الملثمة التي
تظهر على شاشات التلفاز والقنوات
الفضائية، فالصورة لم تنقل بعد رائحة
البارود وطبيعة الحياة التي يخرج
منها هؤلاء الأبطال من الجنوب
اللبناني، وهنا تحضرني الكثير من
الوقائع والحكايات التي تشكّل "إجابات
نموذجية"عن طبيعة المجتمع
الاستشهادي، خصوصاً أنها لا تستند
إلى أي مثالية مصطنعة، وإنما هي
الواقع بكل حقائقه.
وحتى
نكون "موضوعيين" أكثر، يجب أن
نعترف وأن نتذكّر أن تجربة مجتمع
المقاومة الإسلامية في لبنان مع
الاستشهاد قد مرّت بأكثر من مرحلة ،
ففي مرحلتها الأولى التي انطلقت بعد
الغزو الصهيوني للبنان عام 1982 كانت
بالفعل "تجربة"، وكان سقوط
الشهيد يعني ذلك الموت المفاجئ بكل ما
يمثّله من غياب وارتحال وقسوة وأحزان..
وكما درجت العادة ظل الشهيد رمز
الفجيعة؛ لأنه في كل الحالات يكون
شاباً في مقتبل حياته وعمره، وكان
فقدُهُ يشكّل واقعاً أليماً ومريراً
لأهله وذويه ومحيطه.
لكن
الظروف التي عاشها الناس والمجتمع
والوطن في تلك المرحلة، إبّان
الثمانينيات وما بعد التسعينيات
غيّرت كثيراً هذا المفهوم، واستطاعت
أن تغير الصورة شيئاً فشيئاً؛ لأن
الشهادة باتت فعلاً يومياً! وفهم
الناس جيداً أن الشهيد الذي يُستشهد
في معركة المواجهة والمقاومة هو أفضل
حالاً وأكثر ثواباً وفخراً من ذلك
الذي يموت ميتة عادية.. وبكل الأحوال
فالإنسان صائر إلى فناء، فلماذا لا
يكون لموته قيمة ومعنى؟!
وهكذا
تحوّل الشهيد إلى شهداء، وراحت
القافلة تزداد يوماً بعد يوم، وبعدها
كانت المقاومة تقدّم بضعة شهداء في كل
شهر بل وصل الأمر - في بعض الحالات -
إلى تقديم عشرات الشهداء في يوم واحد،
وهذا ما عزّز فكرة الاستشهاد عند
الشرائح الاجتماعية كافّة.
معركة
ميدون.. عطاء بالجملة
تذخر
تجربة المقاومة بالأمثلة والحكايات
وأقف هنا أمام إحدى صفحات سجلها
المشرف وتحديداً أمام معركة "ميدون"،
و”ميدون” هذه قرية صغيرة جداً، كانت
تقع في البقاع الغربي اللبناني، حاول
الصهاينة أن يقتحموها ذات نهار في
رمضان عام 1988 إلا أن الشباب أَبَى
إلاّ المواجهة والصمود والمقاومة،
فظلّوا يقاتلون حتى آخر رصاصة معهم..
وبعد انجلاء المعركة تبيّن أنه لم
يتبقّ مقاوم واحد على قيد الحياة! إذ
استشهد عشرون شاباً، وهم يدافعون عن
أرضهم وعرضهم.. وحين انقضى النهار
كانت البلدة قد أزيلت عن الخارطة ولم
يتبقّ من معالمها إلاّ الأطلال
والخراب.
وكانت
حادثة كمثل هذه الحادثة كفيلة بأن
تعوّد المجتمع المقاوم على نمط جديد
من العطاء! إنه عطاء بالجملة هذه
المرة ساهم فيه الجميع ودفعت فيه كل
عائلة ابناً منها أو قريباً لها، ولم
يعد من المستغرب ولا من المستهجن أن
يسقط عشرات الشهداء في يوم واحد، فهذا
هو نمط العيش في مجتمع حرّ مقاوم.
مثل
هذه الأمور والوقائع كانت تشكّل نقطة
تحوّل في المجتمع وفي عقول الناس،
فتحولت الشهادة من فعل يسبّب الحزن
والتفجّع إلى فعلٍ يهب الكرامة..
وبعدما كان أمراً استثنائياً بات
أمراً عادياً وطبيعياً عند الأكثرية،
وبعد أن كانت الشهادة أمراً يحصل
بالصدفة، صارت فعلاً يُخطّط له عن
سابق إصرار وتصميم.
من
العزاء إلى التهنئة
وقد
نلمح هذا الوعي المتغير مع تغير
عبارات العزاء ففي مراحل الجهاد
الأولى كانت العائلة التي تودّع
شهيداً يأتيها الناس والأقربون بعيون
دامعة وقلوب كسيرة لينتحبوا باكين،
ويقولون عبارات وكلمات مثل: "يا
لحظّهم العاثر! مساكين على هذه
المصيبة! الله يصبّرهم ويساعدهم.. يا
خسارة".
 |
|
أجيال
تصطف وراء بعضها من أجل هدف واحد |
لكن
مع تحوّل الصورة وازدياد الوعي
والتفكير، ومع شيوع فكرة الشهادة بين
الناس، صارت العائلة التي تودّع
شهيداً تعتبر في المجتمع المقاوم "عائلة
محظوظة" يأتيها الناس بكثير من
الفضول، للتهنئة والمباركة، وتنقلب
العبارات القديمة إلى عبارات مثل: “هنيئاً
لكم.. ومبارك عريسكم، أنتم والله
رفعتم رؤوسنا"
ثم
تعلو الزغاريد وتُوزع الحلوى عن روح
الشهيد اعتزازاً بموقفه الذي رفع رأس
أهله؛ إذ أدخلهم إلى مرتبة "عائلات
الشهداء"، وتخطى الأمر هذه الحدود
ليصل إلى درجة لم تكن تخطر ببال؛ إذ
صارت العائلة التي لم تقدّم شهيداً،
ولم تنل هذا الشرف، تشعر بنوع من
النقص وبشيء من الخجل والحياء! لأن
الشهداء تحوّلوا إلى علامات للتمايز،
وإلى دليل عافية للمجتمع.
ولم
يعد صعباً على العائلة التي قدّمت
شهيداً أن تقدّم ولداً آخر، وأن تحوز
بذلك درجة اجتماعية أعلى، إذ يُشار
إلى هذه العائلات بكثير من الاحترام
والتقدير.
الأشمر..
عائلة الشهيدين
وحتى
نقرن الكلام بالدلائل والوقائع،
أُقدّم نموذجين: أحدهما لعائلة
الاستشهادي "علي منيف أشمر". وهو
شاب في مقتبل العمر، لم يكن قد بلغ
العشرين من عمره عندما قام بعملية
استشهادية، فجّر فيها نفسه بمجموعة
من الصهاينة المحتلّين! وبدل أن تنكفئ
عائلته على حزنها ومصابها أقدمت على
التضحية أكثر، فلم يمضِ عام واحد حتى
كان أخوه الأكبر "محمد" الذي
يكبره، وهو أب لأربعة أطفال، قد
استشهد هو الآخر في أثناء مشاركته في
تنفيذ إحدى عمليات المقاومة ضد جنود
الاحتلال.
يقول
والد الشهيدين: "في العادة يستشهد
الابن الأكبر، ثم يليه الأوسط، وربما
بعدهما الأصغر، لكنني أفخر أنني
قدّمت أصغر أبنائي قرباناً لله، وبعد
ذلك تَبِع الكبيرُ الصغيرَ في درب
الجهاد الطويل..".
ولا
يزال الوالد يعلن في كل مناسبة، أنه
بعدما ودّع ولدين من أولاده إلى رضوان
الله وملكوته، لم يعد أمامه إلاّ أن
ينتظر ليكمل تسليم الأمانة؛ لأن
أبناءنا أمانة أودعها الله عندنا،
وعلينا أن نرد الأمانة متى حان أجلها!
بمثل
هؤلاء الآباء، وبمثل هذه العائلات،
يتحوّل فعل الشهادة من الموت إلى
الحياة، وكلما غاب شهيد تدرجت
العائلة من مرتبة إلى أخرى، وهي تقدّم
أفرادها، واحداً بعد واحد.
ذوبان
النفس والجسد
النوذج
الآخر لعائلة "حمّود" من قرية
"دبّين" وهي عائلة قدّمت ولدين
شهيدين أيضاً.. الأول "محمد" الذي
استشهد في إحدى المواجهات، والثاني
هو الأصغر "عمّار" بطل إحدى
العمليات الاستشهادية. لم يفكر "عمّار"
أبداً أن شهادة أخيه تعني تراجعه ..
على الأقل حتى يخفف الحزن عن كاهل
والديه، لكن الفتى صمّم على شهادة من
نوع آخر: إنها العملية الاستشهادية
هذه المرة!
وحينما
نقول أو نقرأ أو نسمع كلمة "استشهادي"
علينا أن نستحضر ذلك الفعل الجريء
جداً، الذي يحوّل الإنسان إلى ذرّات
متلاشية في الهواء، وإلى أشلاء
مبعثرة لا يُرى ولا يتبقّ منها شيء،
ولكن بما أن العمل في سبيل الله؛ فهو
يهون ويحلو، بل يصبح طعمه أحلى من طعم
العسل!
ولكن
أنَّى للإنسان العادي أن يفهم هذا أو
أن يعرف له طعماً؛ إذ إن هذه المرحلة
من الجهاد النفسي والمعنوي لا يفهمها
إلا العارفون بالله تعالى، الذين
أوصلهم إيمانهم وحبهم لله إلى درجة لا
توصف، وهي درجة تصل بهم إلى حد
الذوبان الفعلي في الله جل وعلا،
العملية الاستشهادية، بشكل أو بآخر
هي عملية ذوبان النفس والجسد
للاقتراب من رب الخلائق، أكثر فأكثر.
وهكذا
تضعنا هذه الحقائق لا الأساطير أمام
مواجهة واقع مشرّف قد يستعصي فهمه على
بعض الناس ممن تعلّقوا بالدنيا ؛ إذ
إن العمل في سبيل الله يصل إلى الذروة.
وهذه
الذروة تتمثل في الاستعداد للعطاء
والبذل دونما أي حدود، فلا مشكلة
أبداً في أن تقدّم العائلة شهيداً، ثم
ثانياً، ثم ثالثاً، وربما أكثر،
لتصبح الشهادة ممارسة لا تعود
منفعتها على الشهيد وحده ولا تبدو
كخلاص شخصي له ليخلد في جنان الله بل
تتطور إلى توازن يهب الحياة والحرية
إلى الأحياء أيضاً.
اقرأ
أيضًا:
مواقع
ذات صلة:
|