|
التسوق من التليفزيون.. إلى باب البيت
في
كل مرة كنت أشاهد فيها ذلك الإعلان
التليفزيوني الذي يعلن عن جهاز رياضي
متميز، كانت تراودني أحلام الرشاقة
والجسم الممشوق التي طالما فشلت
محاولاتي في الحصول عليه؛ حتى قررت أن
أشتري ذلك الجهاز، خاصة أنه سيصل إلى
باب بيتي، ولن أضطر للذهاب إلى أي
مكان لشرائه، أو أن أحمل عبء إيصاله
إلى المنزل، ليس عليَّ فقط سوى
الاتصال برقم الهاتف الذي يظهر على
الشاشة.
وبالفعل
وصل الجهاز في الموعد المحدد، ولم يكن
عليّ سوى دفع ثمن الجهاز وثمن الشحن (توصيله
إلى المنزل)، فلا مجال هنا للفصال أو
إمكانية الحديث مع البائع لتقليل
السعر قليلاً، فكل شيء واضح والسعر
وثمن الشحن محددان سلفًا، ولا مجال
لأي شيء آخر، وفرحة وصول الجهاز دون
عناء جعلتني لا أفكر في أي شيء آخر،
خاصة أنني قمت بتركيبه، وأخذت أتدرب
عليه كما رأيت في الإعلان، وأحلم
بالجسد الممشوق والعضلات المشدودة.
استخدمت
الجهاز في اليوم التالي مرتين لمدة
دقائق، مرة في الصباح والأخرى بعد
عودتي من العمل، واستمر الوضع هكذا
لمدة أسبوع. الجهاز ثقيل بعض الشيء،
ويأخذ حيزًا كبيرًا في غرفتي، فأصبح
مكانه بالشرفة، وأدخله إلى الغرفة
عندما أريد استخدامه فقط.. وبعد
أسبوعين أصبحت أنسى وجود الجهاز من
الأساس. وأحيانًا أتذكره، لكني لا أجد
رغبة في استخدامه.
وبمرور
الوقت لم يعد نصيب استخدام الجهاز
أكثر من دقائق أسبوعية بعد أن أقوم
بتنظيفه من الأتربة التي تعلق به،
وانتهى به الأمر الآن بعد أقل من ستة
أشهر إلى قطعة حديد غير مستخدمة أرغب
في التخلص منها؛ فقد اكتشفت أن حلم
الرشاقة لن يتحقق بامتلاك جهاز
رياضي، بل بتغيير أسلوبي في الحياة
وفي تناول الطعام، وفي تخصيص وقت
لممارسة الرياضة، حتى لو كانت المشي
لمدة ربع ساعة يوميًا.
أما
الأجهزة الرياضية فمكانها صالات
التدريبات الرياضية المعدة
لاستخدامها، واكتشفت أيضًا أنني كنت
أمُرّ كثيرًا أثناء تجوالي بجانب
متاجر هذه الأجهزة وغيرها، ولم أفكر
يومًا في شراء أحدها، وأنه لولا ذلك
الإعلان الملعون لما أقدمت على شراء
هذا الجهاز.
والواقع
أنني لست وحدي ضحية إعلانات
التليفزيون؛ فقد حكت صديقتي كيف
أعجبتها مجموعة أواني التوابل المعلن
عنها واكتشافها بعد شرائها مدى ضعف
المادة المصنوعة منها. أما تلك الآلة
التي تقشر البطاطس وتقطع الجزر وتفعل
كل شيء، فقد تحولت هي الأخرى إلى جهاز
موضوع على أحد أرفف المطبخ، بعد أن
اكتشفت صديقتي أن طريقتها التقليدية
في تقطيع الجزر وتقشير البطاطس
وغيرها أسهل وأسرع من استخدام الجهاز
وتركيبه وتنظيفه بعد ذلك، إلى جانب أن
السيدة عادة ما تكون مبرمجة على
استخدام السكين بالطريقة التقليدية
بشكل أسرع؛ مما ينجزه الجهاز الذي
يبدو أنه حلاّل المشاكل، وأسرع من
الصاروخ.
زمن
"السوبر ماركت"
ربما
حدثت هذه الوقائع بالصدفة، وربما
حدثت مع مجموعة من الناس لا تعرف فنون
التسوق أو التسويق، لكن ما رأيكم إذا
وقع الأمر نفسه مع متخصصة في
الاقتصاد؟!
الدكتورة
"زينب الأشوح" – أستاذة مساعدة
الاقتصاد بكلية التجارة – جامعة
الأزهر- مصر – قالت لنا: إنها أيضا تقع
في مثل هذه الفخاخ بكامل إراداتها
وبكامل عقليتها الاقتصادية أيضًا،
لكنها تشير إلى "أن التليفزيون ليس
المتهم الأول لتغير سلوكنا التسوقي؛
فقد تغير سلوكنا التسوقي بالفعل بعد
دخولنا إلى زمن (السوبر ماركت).
ففي
السوبر ماركت أنت لا يمكن أن تشتري
فقط ما أنت داخل لشرائه أو ما تحتاجه
الآن، فمغريات العرض، والهدايا
والعروض الخاصة التي يغريك بها صاحب
السوبر ماركت إذا اشتريت سلعة ما،
تجعلك بالتأكيد تشتري أكثر بكثير مما
كنت تنوي شراءه.
وهذه
إحدى سمات النظام الاقتصادي الذي
يسود العالم الآن، والذي يتّسم
بالنهم الاستهلاكي عن طريق إنتاج سلع
سريعة التلف، وإغراء المستهلك بشراء
سلعة جديدة قبل أن تتلف الأخرى، بحجة
أنها تتماشى مع الموضة، ويظهر ذلك
بداية من السوبر ماركت، ومرورا
بالتليفزيون، والطلب من خلال الهاتف
إلى التسوق عبر الإنترنت".
الإنترنت
وإدمان الشراء
ومن
نماذج التسوق عبر الإنترنت تحكي "غادة
أنور" (36 سنة) – وهي تعمل في مجال
البنوك - قصة صديقتها مدمنة الشراء
عبر الإنترنت التي أوقعت زوجها في
مأزق عندما قامت بالتسوق من منزلها
بين قائمة مغرية من البضائع داخل
الشبكة، وأرسلت الرقم السري لكارت
ائتمانه - دون علمه - لأحد المراكز
التجارية في لندن لشراء (تايير) أنيق،
فاستشاط زوجها غضبًا حينما اكتشف
نقصان رصيده بالبنك خمسة آلاف جنيه
دون سابق إنذار، وسارع بتغيير كارت
ائتمانه بآخر، يقتصر استعماله على
صاحبه فقط.
هل
انقرضت ربات البيوت؟
نحن
نعيش زمن النهم الاستهلاكي الذي لا
تنفع معه أنظمة الريجيم الاقتصادية
التي كانت تتبعها ربات البيوت في
السنوات الماضية، حين كن يتفنن في
توزيع مصروف البيت على كافة بنود
المشتريات، وكان لديهن الوقت
والمهارات المنزلية؛ كالحياكة، وشغل
التريكو وغيرها؛ مما يمكنهن من إعداد
كثير من احتياجات البيت بأيديهن
بخلاف الجري الآن وراء المنتجات
الجاهزة، والوجبات السريعة، والتسوق
عن بُعد، الذي حرمنا من متعة الفرجة
والانتقاء، والوصول إلى الأفضل
والأجود والأقل سعرًا، والفوز
بالاختيار الصحيح والمناسب.
فأصبحنا
نشتري السلعة بأضعاف سعرها الحقيقي
تحت إغراء السرعة، فلا يمكن أن تصل
السلعة إلى باب بيتك دون أن تدفع ثمن
هذا الوصول؛ أجرة من سيوصلها إليك،
وأجرة الإعلان التليفزيوني، وأجرة
الاتصال الهاتفي، وأجرة المظهرية
أيضًا.
تهمة
تلاحق حواء
حاولت
العديد من الدراسات والأبحاث الإجابة
عن الاتهام الشهير والدائم للمرأة
بأنها الأكثر إنفاقًا والأكثر
استهلاكًا والأكثر تبذيرًا، ومنها
دراسة قامت بها "سلوى يحيى
العوادلي" الباحثة بكلية الإعلام -
جامعة القاهرة - تحت إشراف الدكتور
"راسم الجمال" أستاذ العلاقات
العامة والإعلان بالكلية، تحت عنوان
"تأثير الإعلان التليفزيوني على
السلوك الشرائي للمرأة العاملة
بمدينة القاهرة".
وقد
أوضحت الدراسة أن النساء مولعات
بالتسوق والشراء؛ مفسرة ذلك بأن
المرأة هي إمبراطورة الشراء في
المنزل، بدليل أن 78% من الزوجات
ينفردن بقرار شراء الأغذية و79% منهن
يتخذن القرار الحاسم في شراء الملابس
والأحذية، بينما يشترك الزوجان في
اختيار الأثاث والديكور والأجهزة
الكهربائية ولعب الأطفال، الأمر الذي
يفرض على معظم منتجي ومصممي
الإعلانات التليفزيونات مخاطبة
المرأة وجذبها بشتى الطرق لشراء
السلعة المعلن عنها.
وكشفت
الدراسة عن أن إعلانات التليفزيون
تحتل المرتبة الثانية في قائمة
العوامل المؤثرة على حجم ونوع
مشتريات المرأة بعد عامل الاحتياج
الحقيقي للسلعة، ويزداد تأثيرها على
السلوك الشرائي لغير العاملات، هذا
فضلاً عن وقوف هذه الإعلانات وراء
إنفاق السيدات بشراهة على المنتجات
الغذائية والملابس والكماليات،
فالمرأة تنفق 150 مليون جنيه سنويًا
على مستحضرات التجميل، خاصة مع
ارتفاع نسبة الإعلانات المشجعة لقيمة
التبذير والاستهلاك.
أخيرًا،
تحذر الدكتورة "يُمنى الحماقي" -
رئيس قسم الاقتصاد بتجارة عين شمس - من
التأثير الخطير لظاهرة النهم
الاستهلاكي والذي يؤدي إلى عدم
الادخار، فلم تعد الأسر تحرص على أن
تعلم أطفالها الادخار تحت مغريات
الشراء، والادخار من الناحية
الاقتصادية هو مصدر الاستثمار، ولذلك
تعاني كثير من الدول النامية الآن من
قلة الاستثمارات بسبب قلة المدخرات.
ولنبدأ
معًا الآن.. بدلاً من أن تشتري لطفلك
لعبة أو حلوى اليوم، اشترِ له حصالة،
وضع له عملة فيها، وساعده على ملئها..
ربما..(!!) .
اقرأ
أيضًا:
|