English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

أب وأم

أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط


البوكيمون.. يتحدى الأمهات
نموذج الهرولة لنظرية المؤامرة

منى يونس

17/05/2001 

ليس هناك شيء أثار غيظي واستفزازي في الآونة الأخيرة أكثر من ظاهرة البوكيمون، ذلك الملعون المبتسم ابتسامة بلهاء، المتحدي لكل ما حوله ومن حوله ليل نهار. لي عدة أسباب لكره البوكيمون.. على المستوى الشخصي أثبت لي البوكيمون ببراعة أن هناك من يمكن أن يمتع أولادي، ويدخل البهجة عليهم أكثر مني "أنا الأم".

فكلما اقترحت عليهم اللعب سويًّا أو حكاية قصة جديدة أقرأها لهم أو أنسجها لهم من خيالي - الذي شهدوا من قبل أنه ينبوع خصب للقصص - وجدتهم في المقابل يستعطفوني أن أجلس معهم لمشاهدة البوكيمون، الذي حسب قول إحدى بناتي أحب إليها من أي شيء آخر على وجه الأرض، هكذا إذن، التحدي واضح، ولكني لن أستسلم، وسأستمر في محاولاتي المستميتة لجذب أبنائي مرة أخرى.

كيف تناولنا الظاهرة؟

أما على المستوى الفكري فالتحدي أكبر والاستفزاز لم يكن له مثيل من قبل، فظاهرة البوكيمون ليست المشكلة، ولكن المشكلة الأكبر والتي بحاجة إلى تحليل هادئ ومنطقي هي طريقة تناولنا للظاهرة، نحن بحق وبكل المقاييس "جيل الهرولة". أدرك تمامًا على من، ولم يطلق لفظ "الهرولة" على المتطبعين مع إسرائيل، وهم في نظري الغلاة في تفاؤلهم عند تعاطي مسألة السلام.

وعلى الضفّة الأخرى، هناك أقوام آخرون يمارسون نوعًا من أنواع الهرولة في اتجاه آخر؛ فهم يهرولون بسرعة البرق إلى "نظرية المؤامرة"، فعند مجابهة أي نوع من أنواع التحدي يُرفع الكارت الأحمر: "مؤامرة". ومع مرور الوقت يرى المرء أن الكروت الحمراء كروتًا لا حصر لها، فحرب لبنان مؤامرة، وغزو الكويت مؤامرة، وارتفاع وانخفاض أسعار النفط عالميًّا مؤامرة، وأفلام الرومانسية الأمريكية مؤامرة، وأفلام بتشان مؤامرة، وموضة لبس النساء للبنطلون مؤامرة، وشركات المساحيق مؤامرة… والبوكيمون مؤامرة.

إذا كانت الكروت الحمراء في الملاعب الخضراء لها فائدة ضمان النظام وإثبات واضح لحاكمية الحكم على أرض الملعب، فإن كارت المؤامرة المرفوع دومًا لأي سبب ولكل سبب ما هو إلا دليل على حاكمية "الضعف والوهن" في عقولنا نحن.

فما أيسر وما أسهل اتهام الآخرين أيًّا كانوا وأينما كانوا بالمؤامرة والتآمر ثم نتبع ذلك الاتهام بالعويل واللطم الثقافي: "يا ناس يا قوم أغيثونا أعينونا.. هناك مؤامرة تحاك بليل على الشباب المسلم وعلى أخلاقه" في جنازة مهيبة تقام كل يوم على "عزة الإسلام وهيمنة الفكر الإسلامي"، وينتهي الأمر (كل أمر) كالمعتاد دون دراسة حالة ولا تحليل موضوعي وفكر مستنير بمعطيات الحدث.

نظرية المؤامرة لها عدة تداعيات لا بد من دراستها بعمق؛ فأولاً هي تنمّ بوضوح شديد عن قصور في "الإدراك المعرفي"، وكأن العالم من حولنا أبيض وأسود، ولا مجال إطلاقًا لأي ألوان أخرى.. فالعالم إما مسالم يؤمن تمامًا – دونما أدنى اختلاف في الرأي أو وجهات النظر – بما نؤمن به، وهو في هذه الحالة يعتبر مسالمًا لنا، أو على الناحية الأخرى متآمر يخطط لإبادتنا.

نتيجة طبيعية لمقدمات منطقية

شخصية بوكيمون الكرتونية بها عدة مزايا تتضافر كلها لجذب الصغار؛ فهناك عنصرا المغامرة والخيال، امتزجا بصورة بارعة مع التشويق، والجاذبية، وسرعة الأحداث، وتجددها، وتنوعها وإثارتها، هذا بالإضافة إلى كثرة "شخصيات البوكيمون الكرتونية" وتنوعها، ففي كل حلقة تظهر شخصية جديدة لا ينقصها الإثارة أو التشويق، فكانت النتيجة الطبيعية انجذاب وحب الصغار له.

صانعها ياباني، عالم حشرات، مهووس بحبها، قضى لابتكار شخصية البوكيمون 6 سنوات طوال عجاف؛ اضطر لترك عمله ليتفرغ لابتكاره، واستدان، وصبر، واجتهد، ووصل ابتكاره في النهاية لإحدى الشركات الأمريكية التي اقتنعت بفكرته؛ فأخذت تروّج لها منذ 1996، وفي ظل الملل من شخصيات "توم وجيري"، وحفظهم لمغامرات "بات مان" من ناحية، وفي ظل فراغ عربي إسلامي شبه كامل لأي إبداع في هذا المجال من ناحية أخرى؛ كان انجذاب وحب الصغار للبوكيمون نتيجة طبيعية لمقدمات منطقية، أين المؤامرة؟! هل كان الياباني الغارق في حب الحشرات مؤامر متآمر، أم المؤامرة نسجتها الشركة الأمريكية التي كان كل هدفها في الأصل غزو السوق الأمريكي، وتقديم بديل لديزني وشخصياته؟ لماذا ينظر إلى مثل هذه المؤسسات والشركات من قبلنا نحن المسلمين والعرب على أنهم متآمرون ولا ننظر لهم على أنهم أصحاب مصالح اقتصادية بحتة؟ إنهم يبغون الربح بأي صورة أخلاقية، وغير أخلاقية، فلا صوت يعلو على صوت الدولار.

اعتقاد أن كل ما يَفِد إلينا من مبتكرات و"بدع" هي وسائل شيطانية تحركها أيدٍ متآمرة اعتقاد فاسد، وتخيل مصطنع لشيء وهمي غير موجود أصلاً، ألا وهو اعتقاد بأن "الآخر" (سواء كان الآخر يابانيًّا أو أمريكيًّا أو إنجليزيًّا) يخشى المسلمين ويخطط لوقف خطرهم.. فالياباني أو الأمريكي المروج للبوكيمون (كمثال لابتكارات وإبداعات وافدة من الغرب) ليس في ذهنه وفي خلفيته الإدراكية شيء اسمه المسلمون أصلاً، وإن وجد فلا خطر من قبلهم.

النظرية يتناولها العامة

هذا من حيث دحض النظرية نفسها، أما من حيث تداعيات هذه النظرية التي تغنى بها المثقفون قرابة 3 - 4 عقود من الزمن، فما هالني حقًّا رؤية كيف نزلت هذه النظرية - مع ضجة البوكيمون - من مستوى المثقفين إلى مستوى العامة حتى ظل من الأمور الشائعة أن يلقي أحد في يدك ورقة عليها تحذير من البوكيمون في وسائل المواصلات أو في السوق، أو أن يرجع أولادك من المدرسة حاملين ورقة عليها تحذير من البوكيمون وتوعية بمعاني أسماء البوكيمون (=أنا يهودي، بيكاتشو=…، …)، بمعنى أن النظرية خرجت من إطار الصالونات الثقافية إلى دائرة أوسع بكثير، فوجدت آذانًا صاغية، وأفواهًا ناقلة ومهوّلة وعقولاً منغلقة وسط العامة على مستوى العالم العربي كله.

هذا – للأسف - يعني أن التصدي لنظرية التآمر: (أن معظم ابتكارات الغرب، هدفها الأصلي التآمر ضد المسلمين) أصبح أصعب من ذي قبل للانتشار وسط العامة التي ولطبيعة ثقافتهم المتواضعة أقل نقدًا لما ينقل لها من أفكار ونظريات وأمور فكرية.

ويا ليت سلبيات هذا الأمر تتوقف عند هذا الحد، فوصول النظرية إلى عقول أولادنا الصغار يعني أن النظرية ضمنت استمراريتها لمدة جيل مقبل، فالأولاد الآن – على صغر سنهم – يروّجون بينهم لفكرة أن "البوكيمون" أصلها يهودي، وأن صانعها كان يهدف من وراء اختراعه خرق المسلمين، ونشر كلمات مناهضة للدين وللشريعة.. هذا بالإضافة إلى ترويج الأولاد لإشاعة أن "التازو" دوائر البوكيمون بها ليزر مضر بالصحة؛ لأن اليهود يستهدفون صحة الصغار لإضعاف الأمة.

فتوى التحريم

في الآونة الأخيرة ظهرت عدة فتاوى تدعو إلى تحريم البوكيمون وهو ما أراه- من وجهة نظري - نوعًا جديدًا من أنواع الهرولة إذ إن الفتوى في حد ذاتها هي دلالة ثانية على الوهن والضعف في التعاطي والتعامل مع الظاهرة، إنها تبرز بكل وضوح بأن الجميع أولياء أمور ومدرسين، تربويين وصناع قرار فشلوا في إقناع الصغار وجذبهم بعيدًا عن شاشات التلفاز، فأسقط في يدهم؛ فلم يجدوا بدًّا في النهاية من تصعيد الأمور إلى رجال الدين ولجان الفتوى، فلو كانت الأسرة – بالفعل – مسيطرة على صغارها لاستطاعت منع الظاهرة ومجابهتها لا ألوم أولياء الأمور، ولا ألوم المدرسين في المدارس على عدم قدرتهم لمواجهة إدمان الصغار للبوكيمون، ولكنني ألومهم فقط على اعتقادهم بأن الأمور المنزلية كلها (تحت السيطرة) ، ويمكن إعادة السيطرة بفتاوى التحريم.

الأمر - من وجهة نظري - لم يكن أصلاً بحاجة إلى فتوى؛ فلعب الأولاد بأوراق وكروت البوكيمون بطريقة القمار حرام ولا جديد، فالكل يعلم أن القمار سواء كان بكروت البوكيمون أو بورق الكوتشينة أو بتذاكر المترو حرام، فالقمار حرام ومعلوم من الدين بالضرورة من حيث جزئية تحريم اللعب بالبوكيمون بطريقة القمار، فحتى الآن لم تأتِ الفتوى بجديد.

أما من حيث تعرض المسلسل لنظرية التطور - وهذه هي إحدى نقطتين باعثتين على تحريم مشاهدة المسلسل- فلا أنكر أن التطور كفكرة موجودة في المسلسل؛ فالدودة تتطور إلى يرقة، واليرقة إلى فراشة، والديناصور الصغير يتطور إلى ديناصور أكبر.. الصغير ينمو ويتطور إلى كائن من نفس نوعه أكبر. أليس هذا هو التطور الطبيعي لمخلوقات الله كافة؟ بحثت عن مخلوق بوكيموني تطور إلى مخلوق مختلف أكثر تطورًا من الأول فلم أجد.

هل نحرّم ونجرم المشاهدة؛ لأنها تحتوي على فكرة التطور الطبيعي؟ أما الدارونية فلا وجود لها في المسلسل.. حتى إن وجدت دلائل دارونية فهل الحل هو التحريم؟ وهل الصغار أصلاً مكلفون حتى تصدر فتوى لتقنين حركتهم ونظراتهم، هذه الأمور تأتي بالتوجيه والتربية الواعية.

قد يقول البعض: التحريم يهدف إلى دفع شبهة خلل عقائدي عند الصغار، والخوف من إيمانهم بأن بمقدور الشاب (أش) أن يحول حيواناته ويغيّرهم، والسيطرة على خلق الله، وهذه كلها قدرات لله سبحانه وتعالى وحده، ولكن لو كان الأمر هكذا فمعنى هذا حذف الخيال العلمي برمّته، سواء أكان معروضًا في صورة مسلسلات كرتونية أو أفلام خيالية، فمعظم الأفلام حتى ما يعرض على الكبار يحتوي على قدر كبير من الخيال بدءاً بالسيطرة على آلة الزمن واختراق الزمن وانتهاء بتطويع الطبيعة للعيش على كواكب مجهولة...

في النهاية أخشى ما أخشاه أن يجترئ الصغار على الحرام، فيشبوا على فكرة أن "المتعة حرام"؛ لأن ما طُلب منهم هو الامتناع من مشاهدة المسلسل، وهو أمر في غاية الصعوبة؛ فتعالوا نتخيل تلميذًا عمره 7 سنوات في الصف الأول الابتدائي، يذهب إلى المكتبة فيرى كافة الأدوات عليها صورة البوكيمون، يذهب إلى "السوبر ماركت" فيجد الحلوى عليها صورته، يذهب إلى محال اللعب فيجد ذلك الحيوان الياباني أمامه، في المدرسة كروته تباع هنا وهناك، بالله عليكم ماذا يفعل ذلك التلميذ في ظل فراغ عربي إسلامي في ذلك المجال؟!

ويبقى الحل بأيدينا

ليس الحل في الهرولة إلى نظرية المؤامرة، ولا الحل في فتاوى التحريم، فالتحريم – في الأمور التربوية- كالعصا المرفوعة؛ هل تجدي العصا في فهم الدرس واستيعابه عندما نعالج مشكلة تدني مستوي التعليم مثلاً. وهكذا هل تُجدي فتوى التحريم في تشكيل "باعث ذاتي" مع غياب ملحوظ وواضح لأسس التربية.

الحل- من وجهة نظري- هو ببساطة تشجيع رجال الأعمال العرب والمسلمين؛ لتدعيم "صناعة شخصية عربية إسلامية" تكون من حيث الشكل والمضمون التربوي منافسة لما يعرض على الصغار ليل نهار، وليس هناك داعٍ لذكرِ كمّ الصناعات الفرعية الجانبية التي يمكن أن تنمو وتزدهر على مثل هذا الابتكار، بدءاً بصناعة الـ"تي شيرت"، وانتهاء بصناعة حجرات نوم الأطفال والسجاد… إلخ. المشكلة هي عزوف رجال الأعمال عن الاستثمار في مجال "رسوم الأطفال ومنتجات الأطفال التربوية"؛ خوفًا من عدم القدرة على دخول حلبة المنافسة، ولكن بشائر كثيرة تثبت عكس هذه المخاوف؛ فالسوق العربية في أمسّ الحاجة إلى هذه الصناعة الجديدة وفي شوق إليها، حتى إن "شريط بكّار" - على سبيل المثال - بيعت دفعته الأولى في معرض الكتاب خلال اليومين الأولين.

بالتربية الواعية والفهم المستنير لما يدور حولنا يمكن القضاء على ظاهرة البوكيمون - لا بالفتاوى ولا بنظرية المؤامرة، وفي النهاية - وسيبقى دومًا - الله هو المستعان.     

اقرأ أيضًا:


أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 1/12

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع