|
أطفال العراق يستغيثون
|
سمر دويدار - هبة عمرو
|
12/04/2001
|
جيهان..
طيبة.. مصطفى.. سرى.. وغيرهم من الأطفال
هم الضحية الأولى للحصار المفروض على
العراق منذ عشر سنوات؛ فهم محرومون من
الرعاية الصحية في حدها الأدنى؛
فالمستلزمات الطبية البسيطة
كالمطهرات والمسكنات لا تعد من
الضرورات الملحة؛ فلا يسمح بدخولها
العراق! وهو الأمر الذي يؤكده تقرير
لليونيسف ذُكر فيه أن معدلات وفيات
المواليد في العراق من أعلى المعدلات
في العالم.
وفي
ظل هذه الظروف الصعبة، وبعد قصف
العراق بكل أنواع الأسلحة التي تسببت
في تلوث البيئة من هواء ومياه، ظهرت
أنواع من الأمراض لم تكن معروفة من
قبل في العراق، كما انتشرت الأمراض
السرطانية بشكل سرطاني؛ فلا تخلو
أسرة عراقية من مريض بسرطان الدم أو
سرطان الجلد أو الغدد الليمفاوية.
وكنتيجة
للمحاولات الشعبية العربية لإنهاء
العزلة المفروضة على الشعب العراقي
وصل القاهرة عدد من الأطفال
العراقيين للعلاج بتنسيق ومتابعة
واهتمام الممثلة السورية "رغدة"،
التي قامت بزيارات عدة للعراق على مدى
السنوات العشر للحصار.. كان اللقاء
حميما ودافئا مع هؤلاء الأطفال،
ولكنه لم يخل من شعور بالحزن والألم.
الاختيار
المر
جيهان
محمد نجم- 4 سنوات- طفلة هادئة تلعب في
صمت مع دميتها الصغيرة. ولكن عندما
تحاول أن تطلب من عمها أي شيء، لا
تطاوعها الكلمات، وتصدر أصواتًا غير
مفهومة! وعندما سألت عمها "سعد نجم"
الذي يصاحبها في رحلة العلاج: لماذا
لا تتحدث جيهان وتطلب ما تريد بكلمات
واضحة؟.. أجابني بأنها قد أصيبت
بالتهاب شديد في المعدة، وعمرها ستة
أشهر، ونظرًا لعدم توافر الدواء
المناسب لعلاج حالتها في العراق؛ فقد
كان هناك اختياران أحلاهما مر: إما أن
تُترك الطفلة نهبا للموت، وإما أن
تتناول عقار "الجراميسين" الذي
من أهم آثاره الجانبية إتلاف عصب
السمع.
ويستعيد
الأستاذ سعد نجم الذكريات في أسى،
فيقول: "لم يكن أمامنا فرصة
للاختيار، وبالفعل فقدت السمع منذ
ذلك الحين وحتى اليوم.. وعليه؛ فهي لم
تتعلم الكلام ولا توجد وسيلة للتواصل
معها، وكلما مر الوقت زادت مشكلتها
تعقيدا". ويكمل العم حديثه: "جئنا
على أمل إجراء جراحة لزراعة قوقعة
إلكترونية داخل الأذن حتى تستعيد
جيهان سمعها إلا أن الأطباء قرروا
أنها يجب أن تعتاد ارتداء سماعة أذن
خارجية لمدة 6 أشهر أولا، وبعدها يتم
إجراء الجراحة التي ستتكلف 85 ألف جنيه
مصري".. والعم حائر لا يدري هل سيبقى
كل هذه الفترة في القاهرة؟ أم سيرجع
إلى العراق؟ وإذا رجع، هل سيسمح له- في
ظل وجود حالات كثيرة تحتاج إلى العلاج-
بمعاودة السفر لعلاج ابنة أخيه مرة
أخرى؟
منظمات
علاجية ولكن..!
وفي
الغرفة المجاورة لجيهان ترقد زهرة
صغيرة اسمها طيبة رشيد مهدي- 4 سنوات-
مصابة بالتهاب في الشريان الرئوي،
وقد أصيبت بذلك المرض وعمرها 6 أشهر..
وقد أثبتت الفحوص الطبية أن هذا المرض
ليس وراثيا، ولكنه يرجع- كما يذكر
والدها- إلى التلوث الإشعاعي في أجواء
العراق، وكانت تعالج هناك بالكثير من
الأدوية التي لم تكن متوافرة إلا من
خلال السوق السوداء وبأسعار باهظة.
وعبر
معايشته للأحوال في العراق يذكر
الأستاذ رشيد مهدي والد الطفلة أن "الأمراض
قد انتشرت في العراق بصورة كبيرة خلال
السنوات الست الماضية، خاصة الأورام
السرطانية، كما أن المستشفيات
والمراكز الصحية ظلت منذ عام 1991 دون
إصلاح أو صيانة، وقد عادت الأمراض
المعدية التي تنتقل عبر الماء".
وأضاف
أن "هناك الكثير من المنظمات
العلاجية التي تأتي لعلاج الأطفال في
العراق، ولكن جهدهم غير ملحوظ؛ نظرا
لكثرة أعداد المرضى، وكذلك لأن الوقت
الذي تمكثه هذه المنظمات للعلاج قليل
للغاية".
أبناء
الحصار
أما
مصطفى عبد الستار - 10 سنوات- والذي
عمره من عمر الحصار؛ فهو طفل جميل
مبتسم دائما. فوجئت أمه ذات يوم وهو
يتناول طعام الغذاء بأنه لا يستطيع
تحريك نصفه الأيمن، وبعرضه على
الأطباء العراقيين شخصوا حالته بأنها
ورم خبيث في المخ. ولوجود الورم في هذه
المنطقة الحساسة؛ فلا يمكن استئصاله
والأمل الوحيد له يتمثل في العلاج
بالإشعاع، ولقد بدأ مصطفى بالفعل
أولى جلساته، ولكنه لا يعلم إلى متى
ستستمر..
أما
"سرى"- 11 عامًا- فتعاني من حالة
مرضية غريبة، وهي انسداد في الأوعية
الليمفاوية، أدى إلى حدوث ورم في
الأطراف وصعوبة في تحريك الأرجل
والأيدي.. وبعرض الطفلة على
الاختصاصيين في العراق اكتشفوا
حاجتها إلى صبغات ملونة محظور
استيرادها بسبب الحصار الاقتصادي.
وقد تم توفير جهاز طبي لعلاجها
اصطحبته الطفلة معها؛ نظرا لأن لديها
أختا تعاني من المرض نفسه.
تقارير
عالمية
كل
ما سبق هو دليل واضح على تردي الخدمات
الصحية في العراق، وهو ما أكده أمين
عام الأمم المتحدة "كوفي عنان"
في تقريره إلى مجلس الأمن بتاريخ
10/3/2000 عن سير برنامج "النفط مقابل
الغذاء"، والذي أشار فيه إلى وجود
عدد مفرط من المعوقات التي ما تزال
تعرقل برنامج الإغاثة، والتي تحول
دون إحراز تقدم في مجال الصحة العامة.
كما
أكد في أحدث تقرير مقدم لمجلس الأمن
بتاريخ 8/9/2000 على "تدهور البنية
الأساسية" في قطاع المياه والصرف
الصحي، والذي يتفاقم من جراء عدم
توافر المواد الأساسية التكميلية
التي لا تزال قيد الانتظار. كما وصف
التقرير توريد الخدمات والرعاية
الصحية- عموما- بأنه في حالة "تردٍّ
حاد".
نظرة
على أطفال العرب
وحال
أطفال العراق لا يختلف كثيرا عن حال
أطفال فلسطين وليبيا والسودان؛ هؤلاء
هم أطفال العرب والمسلمين، وهذا هو
حالهم.. تركناهم دونما اهتمام، وكأن
همهم لا يعنينا.. أهملناهم فضاعت
حقوقهم، وغفلت عنهم المنظمات الدولية
المعنية بحقوق الإنسان والطفل في كل
مكان.
حين
يكبر هذا الطفل ويشعر بالغضب ويرد
علينا بالعنف لن يكون هذا خطأه، بل
خطأ من أهملوه صغيرا ضعيفا، وتركوه
يواجه ظلم العالم وحيدا.. كلنا في الهم
سواء، وإذا لم نعِ ذلك فسيأتي الدور
على أبنائنا نحن، وقد ندفع أرواحهم
ثمنا لذنوب لم يقترفوها!
ليس
هدف هذا المقال ذرف الدموع أو الشعور
بالأسف، ولكن الهدف أن يفكر كل منا
فيما يستطيع فعله لمحاولة تغيير هذا
الواقع ورفع هذا الظلم عن أطفال
العراق؛ فلكل منا مجتمعه الذي يؤثر
فيه ويتأثر به، يفهمه ويتفاعل معه،
يستطيع من خلاله أن يكون فاعلا ومؤثرا.
اقرأ
أيضًا:
مواقع
ذات صلة (باللغة الإنجليزية):
|