|
مرابطون على الطريق.. وأين رباطنا؟
مشاهد
لا تفارق خيالي ولا أحسبها ستفارق
ذهني بسهولة.. دخلت إلى حمام منزلي
لأساعد طفلتي في استحمامها.. داهمني
المشهد.. فكدت أقبّل الحوائط التي
تحمينا وتسترنا وأنا أتذكرها بلا
حائط.. أفتح الصنبور فأراها وهي لا تجد
الماء النظيف؛ لتشربه، ولا لتستخدمه
في أغراض النظافة.. أنظّف بيتي في عطلة
الأسبوع فأتذكرها جالسة على الحطام
وأكوام الرماد المتبقي من القصف..
أدخل لأعدّ الطعام للأسرة فأتذكر
جوعها وحرمانها من السلع الأساسية..
أنام فأتصبح وأصحو لأتذكر كيف نامت
ليلتها، بل كيف قضتها: أتراها في
العراء؟ أم اتسعت لها الخيمة على
الطريق، فسترت جسدها من رماله ورياحه
لتنام؟ وحين نامت: هل كان صوت القصف
يسمح لها بالنوم، أم تراها اعتادته؟..
أنظر في
بيتي وجدرانه، وأحمد الله على أني
بداخله، وأنه ما زال يحيطني ويحميني،
أحتضن ابنتي فأرى مشهد الطفلة التي
تسمى على اسم ابنتي سارة، وهي في نفس
عمرها، ولكنها قد قتلها الرصاص حينما
هرع بها والدها للمستشفى ليلاً
لارتفاع حرارتها، فعالجها له الوحوش
بأن جمدوها، وأخمدوا حرارتها تمامًا
بقتلها، فذهبت عنها كافة أشكال
الحرارة، وفارقت الحياة البشعة التي
لا تصلح لاستضافة براءتها.. تبًّا
لتلك المشاهد.. تطاردني كالكوابيس..
ولكني هل سأنتظر حتى تكون واقعًا
أعيشه يومًا ما.. أم سأظل أحزن وأبكي
ولا أفعل سواهما؟!
هل
سأكتفي بشعوري بها، والتصاقها
بخيالي؛ تلك المرأة التي خط الحزن
والعمر والصبر والمرارة في وجهها كل
تلك الخطوط.. مكتفية بأن أحزن لحالها،
وأسعد بكوني آمنة في سربي؟.. ولكن ألست
معها في نفس السفينة؟ وإن غرقت هي مع
مقدمة السفينة؛ ألن تغمر مياه
الطوفان الذي أغرقها باقي أجزاء
السفينة التي لم يَحِن دورها في
الغرق؟ فيستحيل أن يغرق البعض ويطفو
البعض.
|