|
العائلات
الفلسطينية.. مرابطون على قارعة
الطريق
|
مكتب
الجيل - اعتدال قنيطة
|
23/04/2001
|
"ثوان
معدودة وتحول البيت وكل ما يحتويه من
أثاث وملابس إلى كومة رماد، وأصبحت
أنا وأطفالي بلا مأوى سوى من خيمة
صغيرة نصبت لنا على قارعة الطريق لا
تتسع لمكان جلوسنا، فكيف بها وقد
أصبحت المكان الوحيد الذي يضمنا،
وعليّ أن أحتمل سبل الحياة البدائية،
وأصبر زوجي وأطفالي حتى لا تتكرر
الهجرة مرة ثانية ويضيع ما تبقى من
أرضنا".
بهذه
الكلمات وصفت لنا السيدة "زهرة أبو
شباب" حال أسرتها المكونة من 14
فردًا، بعدما هدم جيش الاحتلال
منزلها الواقع في منطقة "المواصي"،
واضطرت أسرتها إلى العيش في خيمة على
بعد 150م تقريبًا من الحاجز العسكري
الذي نصبه جيش الاحتلال على أحد مداخل
منطقة المواصي جنوب غرب قطاع غزة،
والتي تقدر مساحتها بحوالي 11 ألف
دونم، وهذا حال عشرات العائلات
الفلسطينية في مدينتي "خان يونس"
و"بيت حانون".
حياة
بدائية يملؤها الخوف
واضطررنا
إلى قطع العديد من الطرق الترابية
الملتوية عبر الأراضي الزراعية؛ لكي
نصل إلى خيمة أبو شباب، التي تحتوى
على عدد من فرشات الإسفنج الممزقة
والأغطية البالية، وأمامها وضعت
مجموعة من أدوات الطهي وموقد للنار.
وبادرتنا
زهرة أبو شباب بالحديث قائلة: "هذه
الخيمة لا تتسع لنجلس فيها، فكيف بها
وهي المكان الذي يؤوينا؟! لقد اضطررت
إلى توزيع أولادي وبناتي على بيوت
أقاربي بالتناوب، خاصة أن إحدى بناتي
تدرس في الصف الثالث الثانوي، وهي
بحاجة إلى الهدوء والطمأنينة لتذاكر
دروسها وتنجح، وإن كنت لا أدري إلى
متى سنبقى مشردين وموزعين على البيوت.
وأضافت
زهرة أبو شباب - وقد بدا الأرق والخوف
على ملامح وجهها -: "إن أولادي
الصغار يعانون من أمراض نفسية؛
فالخوف والقلق يسيطر عليهم جميعًا،
وأعراضه بدأت تتفشى بشكل كبير بينهم؛
حيث بدأ أطفالي الصغار يتبولون لا
إراديًّا، ويغضبون لأقل سبب، ويرفضون
العيش بالخيمة وحياتها البدائية.
عملية
المسح مزقت خيام الأنقاض
لم
تكن عملية المسح - وهي اسم العملية
العسكرية التي نفذتها قوات الاحتلال
في مخيم خان يونس في العاشر من شهر
إبريل الجاري، والتي أدت إلى هدم 30
منزلاً وتشريد 500 مواطن - أولى
اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي
على مخيم خان يونس، بل قامت بهدم
منازل المواطنين منذ اندلاع انتفاضة
الأقصى وتشريد أهليهم، وامتدت
وتصاعدت إلى إطلاق الرصاص الحي
والقنابل الارتجاجية باتجاه خيام
أصحاب المنازل المهدمة لإجبارهم على
ترك الخيام والرحيل من المنطقة.
وتهدف
سلطات الاحتلال من وراء ذلك إلى تنفيذ
مخططاتها الهادفة إلى هدم المزيد من
المنازل المجاورة لمستوطنة "نفيه
دكاليم" وإقامة مواقع عسكرية
مكانها.
ومزق
رصاص الاحتلال الكثيف الذي لم يهدأ
طوال الأيام الماضية نحو 30 خيمة،
نصبها سكان المخيم فوق أنقاض منازلهم
التي دمرتها آليات الاحتلال قبل أيام.
وبدت آثار الرصاص وشظايا القذائف
واضحة على الخيام التي لم تسلم من
القصف الاسرائيلي كالمنازل والمنشآت
والممتلكات.
العدوان
الإسرائيلي على خان يونس لم يكن
الأول، ولن يكون الأخير؛ فقوات
الاحتلال هددت باقتحام المخيم وهدم
العشرات من المنازل إذا واصل
المسلحون إطلاق الرصاص في اتجاه
المواقع العسكرية ومستوطنات "غوش
قطيف" حسب ادعائها.
ولرئيس
الوزراء الإسرائيلي "إريل شارون"
ماضٍ وتاريخ مأساوي مع خان يونس،
والشيوخ والكبار يذكرون جيدًا شارون
عندما قام في عام 1955 بالاعتداء على
مركز شرطة خان يونس، وقتل العشرات من
المواطنين وأفراد الشرطة، وتنفيذ
واحدة من أكبر المجازر في حق الشعب
الفلسطيني عام 1956، عندما أشرف على قتل
المئات من المواطنين الأبرياء (بدم
بارد) في المدينة.
مأساة
جديدة.. تجدد نكبة 48
واعتبر
الحاج "أحمد أبو رضوان" (75 عامًا)
أن عملية هدم المنازل وتشريد عشرات
الأسر مأساة جديدة في حياة سكان
المخيم، وأصعب بكثير من مأساة عام 48،
عندما احتلت القوات الإسرائيلية
فلسطين؛ مؤكدًا أنها مأساة أعادت
إليه وإلى جميع من عاشوا الهجرة
الأولى تفاصيل مأساة الفلسطينيين
الذين دفعوا ثمنها أيضا في حينه.
وبدأ
أبو رضوان حزينًا شارد الذهن وهو ينظر
إلى أنقاض المنازل المهدمة التي
اختلطت حجارتها مع الأثاث والملابس
والمواد الغذائية.
وقال:
"نعيش حياة صعبة للغاية؛ نأكل
وجبات خفيفة، ونشرب المياه من خزانات
موضوعة قرب الخيام، لا نعرف أين نقضي
حوائجنا، لم نستحم منذ أيام.. حياتنا
كلها أصبحت مقلوبة".
وأشار
إلى أن معاناة السكان في المخيم بدأت
منذ اندلاع انتفاضة الأقصى؛ حيث عمد
جنود الاحتلال إلى إطلاق القذائف
والأعيرة النارية وصولاً إلى هدم
المنازل وتشريد العائلات.
حصيلة
دمار 24 ساعة احتلال
لم
يقتصر العدوان الصهيوني على مدينة
خان يونس، بل طال كذلك مدينة "بيت
حانون" شمال قطاع غزة، وحول
المنطقة التي احتلها لمدة 24 ساعة إلى
أثر بعد عين، وأكوام من الدمار؛ حيث
تعرض للهدم الكلي والجزئي نحو 30
منزلاً و300 دونم من الأراضي الزراعية
و15 بئر مياه كحصيلة للدمار والخراب
الذي خلفته قوات الاحتلال طيلة
الساعات التي احتلت فيها هذه المنطقة
في 16/4/2001، كما أسفر التجريف والتدمير
الإسرائيلي للمنطقة السكنية غير
المكتظة عن تشريد قرابة 300 فلسطيني
غالبيتهم من الأطفال والنساء، ودمر
ستة مواقع لقوات الأمن الحدودية
التابعة للأمن الوطني الفلسطيني، بما
فيها مقر القيادة العامة للمنطقة
الشمالية في قطاع غزة، إضافة إلى
تدمير مسجد في المنطقة.
الأشجار
ربّيناها من حبّات عيوننا
وتحدثت
إلينا العجوز الفلسطينية "صبرا أبو
عمشة" (65 عامًا)، وقد بدت عليها
علامات الإرهاق وعدم النوم بعد أن لحق
الدمار بمنزلها الكائن بمدينة بيت
حانون، فقالت: "لنا أربعون هنا.. لقد
هدموا منازلنا على الأثاث ومزارع
الدواجن والأرانب دون أن نستطيع عمل
شيء، ولا حيلة لنا.. لكننا صامدون".
وقالت
العجوز، التي تتكون أسرتها من خمسين
فردًا غالبيتهم من الأطفال: "إن
الدول العربية مطالبة بدعم الشعب
الفلسطيني بالسلاح للدفاع عن
أراضينا؛ فالأرض أغلى من أرواحنا،
والأشجار التي اقتلعوها ربيناها من
حبات عيوننا.. وقد هدم الجيش
الإسرائيلي خلال احتلاله الذي استمر
24 ساعة "بيت حانون"؛ حيث توغّل
كيلومترًا داخل الأراضي التي تسيطر
عليها السلطة الفلسطينية بالكامل على
الخط الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة".
وأعادت
عملية الجيش الإسرائيلي الذاكرة لدى
"عمر أبو عمشة" (40 عاما) صاحب أحد
المنازل المدمرة إلى احتلال إسرائيل
للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967.
وقال:
إن "الجيش الإسرائيلي قصف المنزل،
بينما أنا وأولادي الثمانية فيه.
وبعيد هروبنا أكملوا تدميره.. هذا
الاجتياح أعادنا إلى ذكرى 67، لكنه أكد
مع ذلك أننا سنبقى صامدين في أراضينا،
مهما كلف الثمن، ورأى "عطا شبات"
(40 عامًا) صاحب مزارع للدواجن هدمت عن
آخرها أن ما قام به الجيش الإسرائيلي
"عملية إرهاب يشهد عليها هذا
الدمار"، وعبّر شبات عن عدم ثقته
بإحلال الهدوء في المنطقة؛ لأنهم (الإسرائيليون)
سيعودون إلى المنطقة نفسها ويكملون
تجريفها وتدميرها.
حرب
حقيقية.. قصف المدنيين أثناء نومهم
ويذكر
أن قوات الاحتلال الإسرائيلية
استهدفت المنازل السكنية القريبة من
المستوطنات في معظم محافظات قطاع غزة
والضفة الغربية بقصفها بأنواع مختلفة
من الأسلحة بدءاً بالبنادق الآلية
المسماة "أم 16" التي تطلق أعيرة
نارية سريعة من عيار 5.56، بإمكانها
اختراق الطابوق المجوف "حجر البلوك"
من مسافة تتراوح بين 300 إلى 600 متر، وهو
أكثر الأنواع استخدامًا في بناء
المنازل الفلسطينية، وقاذفات
القنابل التي تطلق قذائف شديدة
الانفجار تتفجر عند إصابتها الهدف أو
في الهواء في القاذفة "أم 203"
والقاذفة "أم 19" - 14 مم، التي يصل
مداها إلى 2200 متر، والمدفع الرشاش من
نوع "إف إن ماغ" ذات عيار 7.62 مم،
ومن نوع "براونينغ" ذو عيار 12.7 مم
التي تستطيع اختراق الخرسانة المسلحة
"الباطون" عن بعد 600 متر..
تلك
المدافع التي تستخدمها قوات الاحتلال
الإسرائيلي وتضعها فوق ناقلات الجند
المدرعة والدبابات ونقاط التفتيش
الدائمة، بالإضافة إلى الطائرات
العمودية الهجومية من نوع "أباتشي"
التي تطلق صواريخ من نوع "هلفير"
الذي يتميز بالدقة حتى مسافة 6000 متر،
وهي مزودة أيضًا بمدفع رشاش من عيار 30
مم، وقد استهدف القصف والتدمير
الجزئي مئات المنازل، بينما تعرض 250
منزلاً للتدمير والتجريف الكامل،
وجميعها تمت بدون سابق إنذار أو
تحذير؛ مما يؤدي إلى إصابة العديد من
المدنيين داخل بيوتهم وأثناء نومهم،
واضطروا إلى السكن في خيام نصبت لهم
بمساعدة الصليب الأحمر في المدارس،
كما حدث في "بيت جالا"، أو نصبها
على قارعة الطريق كما في مدينتي خان
يونس وبيت حانون.
اقرأ
أيضًا:
عندما
يتحول بطل الحجر والمقلاع إلى معاق
اللاجئون..
مصادرة الأجيال
فصول
في حياة زوجة شهيد
إعلامية
في الأراضي المحتلة
يوميات
طفل فلسطيني
|