|
حيرة أُم: سارة والمجتمع المدني
لا
أزعم أنني أجيد الأمومة، ولكني أجتهد
أن أكون كذلك… أحمل حباً جماً لابنتي
وأتمنى.. كما تتمنى كل أم – أن تكون
مثالاً يُحتذى به، بل ومثلا من المثل
وعزاً لدينها وأهلها… وأبذل في ذلك
كل ما يتطرق إليه عقلي وقراءتي
ومعلوماتي… وأكثر من الاطلاع
والقراءة في مجال التربية بجميع
أشكالها الصحية والاجتماعية
والنفسية وغيرها… فحينما أقرأ عن شيء
تعوده الناس، وأثبتت الدراسات ضرره
على الأطفال، أسارع بالامتناع عنه،
بل وتوعيتها ضد كل ما هو ضار من حلوى
الأطفال الملونة وغيرها، وهي ذات
العامين والنصف، مع إيجاد البديل
الممتع المفيد لكل منتج ضار أو يؤذي
صحتها.. أحاول أن أجعل لها برنامجًا
ترفيهيًّا يوميًّا وأسبوعيًّا وآخر
تثقيفيًّا وآخر تعليميًّا وآخر
صحيًّا ورياضيًّا… إلخ كما ألزم نفسي
ببرامج أخرى تصب في قناة رعايتي لها..
ومما ألزم نفسي به من تلك البرامج
برامج الأمصال، فأنا لا أدع أحدها
يفوتني، بل وأنتظر مواعيدها المقررة،
والحملات الأخرى للجرعات المنشطة،
والتي تزيد عن المقرر الموجود في
شهادة الميلاد، وأسعى هنا وهنا
لتحصينها من كل مرض، ومن كل عدوى
بأحدث الطرق والوسائل التي أطالعها،
وأقرأ عنها طيلة الوقت في الأبحاث
والمجلات والكتب، وكأم لأول مرة
انغسمت في القراءات من هذا النوع
مؤجلة أي اهتمامات أخرى، واضعة كل
تركيزي في هذا الشأن، معتبرة إياه "واجب
الوقت" كما يقول الإمام ابن القيم.
جنون
البقر والأمان المزعوم
وفي
أثناء مطالعتي لإحدى الصحف قرأت
خبراً قلب موازيني رأساً على عقب
وأطاح بكل ما رسمته لنفسي من اطمئنان
زائف، وقد كان في الخبر أن "أمصالاً
ضد شلل الأطفال تم تصديرها من
بريطانياً إلى دول الشرق الأوسط،
حاملة معها لعنة بريطانيا المسماة
"جنون البقر" ذلك المرض الذي
طالما سمعت عنه، واتخذت كل إجراءاتي
الوقائية كأم تخشى على أسرتها، فمنعت
تماماً استخدام منتجات الألبان
المستوردة أو اللحوم المصنعة إلى حد
منعت فيه استخدام اللحوم الحمراء في
الطهي تماماً، وظننت بذلك أني حصنت
أسرتي ووصلت بها في هذا الخضم الثائر
إلى بر الأمان ونجوت من تلك اللعنة
ومسبباتها، ولكن هذا الخبر طاش معه
إحساسي بذاك الأمان المزعوم… إن لحم
الأبقار ومنتجات الألبان المجففة
ليست وحدها الطريق الذي يسمح لتلك
اللعنة بدخول داري، ومس ابنتي وحبة
قلبي، بل إن الدهون والجيلاتين ومواد
أخرى تستخلص من أجسام الأبقار سواء
أكانت مجنونة أو غير ذلك، وتدخل في
تصنيع العديد من المواد كالمثلجات
والحلوى وحتى الأمصال… وللأسف فإن
تلك القنابل الموقوتة يحتضنها الجسم
فترة طويلة حتى تظهر آثارها ربما تصل
إلى خمس سنوات.
هل
يمكن أن يتحول هذا التطعيم "المصل"!!!
إلى مرض؟ … وهل أكون قد أرغمتها على
ابتلاعه ظانة "أني أقوي مناعتها
وأزيد وقايتها من شلل الأطفال؟!!! …
يالي من أم!!! ظللت أوبخ نفسي وألومها
حتى كدت أختنق… ثم جاءتني فكرة ربما
وجدت فيها طوق النجاة من خضم الحيرة
واللوم، ألا وهي التأكد من سلامة هذا
الأمر بشكل طبي وعلمي… وهرعت لأسأل
كل من ظننته يستطيع إجابتي .. أسألهم
جميعاً هل هذا الأمر وارد؟ وهل يمكن
أن تكون ابنتي بالفعل قد التقطت
العدوى؟ وهل ينتقل المرض للإنسان
بهذه الطريقة؟ وكيف يمكن اكتشافه؟
وهل يمكن تداركه! وهل وكيف… فإذا
بإجابة الطبيب تنقلني إلى بعد آخر
للمشكلة وتفتح ذهني وعيني على ما لم
يخطر لي ببال في هذا الشأن… لقد أكد
لي الطبيب أن الخطأ لم يكن خطئي أنا،
ولا يمكن منعه، كما أن حدوثه وارد رغم
أنفي… فما اتخذته من وسائل لحماية
أسرتي غير كاف، فالحياة بأسرتي في
جزيرة تخيلية بمنأى عن الأخطار لا
ينفي محاصرة الأخطار لها من كل جانب!!!
إذن ما الحل؟!
الفصل
المكذوب بين العام والخاص
لقد
اتضح لي أن الفصل بين الواقع العام –
السياسي أو الاقتصادي مثلاً – وبين
الخاص – حياة الأفراد- هو فصل مكذوب،
فكل ما هو عام من شأنه أن يمس حياة
الأفراد بشكل مباشر أو غير مباشر،
فمثلاً التلوث البيئي رغم كونه قضية
دولية عامة إلا أن تأثيره لا يقتصر
المتخصصين فحسب، بل يمتد خطره على
حياة الأفراد بشكل مباشر، كما أن
الشئون الدولية المحيطة بالمجتمعات
لا يقتصر أثرها على المهتمين
بالسياسة أو العاملين في مجالها
ولكنها تؤثر في حياة كل فرد، فالخلاف
على الحدود مثلاً يؤثر على توتر
الحياة الاقتصادية، مما يمس حياة
الأفراد حتماً بتأثيره على الموارد،
والرقابة على ما يدخل البلاد وما قد
يكون به من تلوث أو أخطار أو نفايات أو
ما إلى ذلك، له أجهزته التي قد تحتاج
إلى متابعة من جهات أخرى غير حكومية
تمثل أفراد المجتمع الذي تمسه تلك
الأمور بشكل واضح… كما أن فكرة "المجتمع
المدني" وهو الجمعيات أو المنظمات
التي تتبنى أحد الأهداف الإصلاحية،
إنما نشأت من تقريب الهوة بين العام
والخاص، ولكن – وللأسف – فإن هذا
انحصر عندنا في أمور معينة مثل:
التكافل الاجتماعي ورعاية الأيتام
والمشروعات الاجتماعية الخيرية، ومع
أهمية هذه الأمور؛ فإن القضايا
الأكثر تشابكاً وتعقيداً ما زالت
بعيدة عن متناول دوائر هذا النشاط في
مجتمعاتنا.. فشئون البيئة، والصحة
وسياسة الدول، والرقابة على واردات
البلاد وتنمية البلاد بكافة مؤسساتها
من الأمور التي يجب توجيه أعمال
ونشاطات الجماعات المدنية لها بشكل
مكثف.
وسألت
نفسي لماذا؟! ما السبب في تصنيف تلك
الأمور الأساسية والعامة في مرتبة
أقل أهمية من غيرها من الأنشطة
الاجتماعية التقليدية ذات البعد
الخيري؟!! بل من أين يتم تقييم الأمر
بأنه مهم.. أليس من درجة تأثيره؟!! ..
وإذا كانت الشئون العامة بالغة
التأثير على حياة الأفراد فلماذا يتم
تهميش التفكير في معالجتها والتعامل
معها بحماس لا يقل عن باقي الموضوعات
الاجتماعية الأخرى؟ إن الجرائم
العامة التي يقترفها المجرمون لا يقع
إثمها فقط على المجرمين، بل إن نقمتها
تصب على المجرم والبريء إذ اكتفى
البريء ببراءته، وابتعد عن الرقابة
والمشاركة لمنع وقوع الجريمة أصلاً
سواء أكانت جريمة في حق البيئة أو
الأفراد أو المجتمعات؛ إذ كيف سينأى
البريء بنفسه عن الواقع الذي يفرض
عليه المجرمون في مثل هذه الجرائم
الفادحة؟
إنها
دعوة للمزيد من النقاش حول الجهود
التطوعية الغائبة عندنا في مجالات
تمس حياتنا الخاصة حالياً
ومستقبلياً، إذ كيف نأكل لحم البقر
المجنون ومنتجاته، ثم نؤكد أن القضية
من شأن المختصين فقط؟!
أقرا
أيضا:
|