|
بعد
أن مضى عيد الأضحى
دروس الأيام الماضية
في
العشر الأوائل من ذي الحجة.. أيام
التلبية والتسليم، والعفو والمغفرة
يتذكر الناس قصة الفداء، ويسيرون في
رحلة الإيمان على خطى آل إبراهيم،
تتواصل حلقات التوحيد في التاريخ،
ويتم استعادة لحظات من الزمان لتغدو
حية في الشعائر والمناسك، ويتجدد
الإيمان في أمة محمد متواصلة مع أمم
الإسلام السابقة.
جلست
أتأمل بعد أن انتهت زحمة العيد في
حكمة هذه الأيام التي انقضت؛ كي لا
تمر علينا آيات الله في الآفاق
والأنفس مرور الكرام، ولا نلتفت
لدروسها.
نظرت
ملياً في فلسفة الحج فإذا هو زمان
خارج اللحظة يصل بين الماضي والحاضر
والغيب الآتي في الزمن، ومكان خارج
الحيز والمساحة والحدود.. الله فضل
المكان، وميز الزمان؛ لأنه هو
الجبار، وحين أتاه الحجيج وعد
بالمغفرة والرحمة؛ لأنه الجبار، وبين
جبر القدرة وجبر الستر والرحمة يدور
العباد حول بيت الله الذي ليس هو
منزله؛ لأنه منزه عن المكان،
ويستجيبون لدعوته في أيام من العام؛
لأنه حدد الزمان، يقبلون حجراً لا يضر
ولا ينفع تأسياً وطاعة، ويسعون في أهم
المناسك يستحضرون مشاعر هاجر الأم
لتغدو الأمومة والرحمة قيماً سامية
للرجال والنساء معاً، ويستلهمون من
إبراهيم كيف يمكن أن يكون الفرد أمة،
ويذبحون الأضاحي طاعة وإكراماً لبنوة
إسماعيل البارة، وتأكيداً على علو
الإنسان وتكريمه على سائر الخلائق
وتسخيرها له.
آل
إبراهيم أبي الأنبياء تجدد ذكراهم
أمة محمد خاتم الرسل
لباس
الحجيج يذكرهم بأكفان لا فرار منها،
وبحشر ونشر آت لا ريب فيه، فمكان الحج
مشهود هنا وهو أيضاً شاهد يرمز لـ"هناك"،
لذلك لا تغطي امرأة وجهاً، ولا يتم
الفصل بين الرجال والنساء في الطواف،
وتتوافد شعوب وقبائل الأمة لتتجاور-
كما خلق الله الناس سواسية يستقبلهم
سواسية، ويحشرهم يوم القيامة جميعاً.
نتعلق
بالأستار، ونرجو عفو ستار، أتيناه
بالإرادة نلبي ثم نتخلى بالالتزام
الدقيق بالمناسك عن الإرادة تعبداً
وطاعة، نرجم شيطاناً نؤمن بأنه يقعد
لنا الصراط المستقيم، ويوسوس ولا
نراه، ونحط الرحال في "منى" على
أعراف العودة لزماننا والمكان.
ولأن
مكان الحج تهوي له الأفئدة نغادر
الوطن ونترك الأهل والأحبة قاصدين من
هو أحب إلينا ممن سواه - من الأهل
والولد، وزائرين رسولا مات ودفن تحت
الثرى لم تكتحل العيون برؤيته، لكن
القلوب تفيض شوقاً إليه، يرد سلام من
زاره ويشفع يوم القيامة لمن اتبع هداه
ولم يبدل، ثم يقذف الله في القلوب
افتقاد الأهل والحنين للوطن فنعود،
ولولا ذلك لبقي الحجيج، وجاوروا
الحرم والحبيب.
الحج
التقاء بين عالم الغيب وعالم
الشهادة، بين الدنيا وظلال الآخرة،
بين الفرد والأمة، بين المسلمين
الموحدين والتاريخ، وبين لحظة الشهود...
والآتي من يوم مشهود.
تزودوا
فإن خير الزاد التقوى.
|