|
رحلة
العمر - طفت ببيت الله الحرام
نعم
إنها رحلة العمر التي تعلق في الذهن
والقلب والوجدان مهما طال عليها
الزمان، لم تغادر هذه الرحلة فؤادي،
وكلما خطرت على بالي شعرت بشوق عميق
يسحبني تجاه ذكرياتها ومواقفها التي
لا تُنسى.
كنت
في التاسعة عشرة من عمري عندما
أخبرتني أمي أنها ترغب في اصطحابي
معها لأداء فريضة الحج، وكم كانت
فرحتي وسعادتي؛ إذ لم يأتِ في خاطري
أبدًا أن يُقدّر لي أداء هذه الفريضة،
وأنا في تلك السن الصغيرة، ولكنه فضل
الله عز وجل.
عند
قبر الحبيب
هبطت
بنا الطائرة في مطار جدة، وكان علينا
أن نستقل الحافلات للوصول إلى
المدينة، وطوال الطريق الذي استمرّ
حوالي خمس ساعات وأنا أنظر إلى
الصحاري والرمال والجبال من حولي،
فأتخيل وأتأمل المشقة التي تحمّلها
خير البشر وخير الأنام رسول الله عليه
الصلاة والسلام؛ ليفرّ بدينه ومعه
الصحابة – رضوان الله عليهم – خير
أجيال الأرض جميعًا.
وعند
قبر الحبيب – صلى الله عليه وسلم-
وقفت أصلي وأسلم عليه، وأُشْهد الله
– عز وجل – أنه أدى الأمانة، وبلّغ
الرسالة، وجاهد في سبيل الله حق
الجهاد، ثم تلفتّ فرأيت حبًّا
متدفقًا من مختلف المسلمين ومن شتى
بقاع الأرض يسلّمون على رسول الله –
صلى الله عليه وسلم - في تدافع وتسابق
شديد، فسمعت صراخًا من جهة، وعويلاً
من جهة أخرى، وزغاريد من جهة ثالثة،
ولكن وسط كل ذلك رأيت أيضًا خشوعًا
وصوتًا لا يكاد أن يُسمع، فأحسست أن
هذا هو عين الأدب مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وأن حبنا له لا بد أن
يكون في إطار الحياء الذي وصّانا به،
أي لا صراخ، ولا عويل، ولا زغاريد.
ذكر
القلب لا اللسان
ومن
أكثر المواقف التي أثرت في نفسي مشهد
لامرأة عجوز أعتقد أعتقد أنها من بلاد نائية كانت
تقف أمام قبر الرسول - عليه الصلاة
والسلام - وعيناها تنهَمِل بالدموع،
فاقتربت منها فوجدتها فقيرة أشد
الفقر، وتعجبت كيف استطاعت هذه
السيدة بهذا الفقر وهذه الشيخوخة أن
تأتي إلى هنا، ولكنها دعوة الرحمن
التي لا يقف أمامها فقر ولا عجز.
وعندما
حاولت التعرف عليها أدركت أنها لا
تعرف العربية فازداد تعجبي، وقلت
سبحان الله يهدي من يشاء، المهم أنني
لاحظت إمساكها الشديد بيدي، وكأنها
تتوسل لي بأن أساعدها في قول بعض
الكلمات العربية أو بعض الأدعية،
والحقيقة أنني حاولت أن أتواصل معها،
وكانت نتيجة هذا التواصل هو الخروج
بكلمتين اثنتين فقط ظللنا ننطقهما
سويًّا، وهما: الله ومحمد.
الكعبة
المشرفة.. هوى الفؤاد
قبل
أن أرى الكعبة لأول مرة في حياتي علمت
أن الدعاء عند رؤيتها مجاب، فغمرتني
مشاعر متضاربة من اللهفة والخوف
والفرح، وصرت أسأل نفسي يا ترى ما هو
الدعاء الذي سأدعو به؛ إنها فرصة لن
تتكرر كثيرًا، وفجأة ظهرت الكعبة
أمامي، فوالله وقعت في حبها، وصدق
الله حينما قال: "… فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي
إِلَيْهِمْ…" (سورة إبراهيم: آية 37
). لقد فاق حجمها كل التصورات
والتخيلات، وفي وسط هذا المنظر
الأخّاذ وجدت نفسي أدعو وأتوسل إلى
الله بالهدى، بأن يهديني إلى الصراط
المستقيم، وإني لأشعر بيقين أن كل ما
أصابني من خير وشر منذ ذلك اليوم إنما
يصُبُّ في إجابة هذا الدعاء، فقد
رزقني الله بعدها الحجاب، والصحبة
الصالحة، ومجالس العلم، وقبل كل شيء
معرفة غاية وجودي في هذه الحياة،
وابتليت أيضًا بابتلاءات قدّرها لي
المولى - عز وجل - لكي يعلّمني حقائق
كثيرة لم أكن قد تعلمتها بعد.
طفت
بالبيت الحرام
رأيت
فيه الأبيض والأسود والأصفر، ورأيت
العجوز والشاب والطفل كل أتى ليلبي
دعوة إبراهيم - عليه السلام - منذ آلاف
السنين، وكل منصهر في بوتقة "لا إله
إلا الله محمد رسول الله"، رأيت
أطفالاً صغارًا يمسكون بثوب آبائهم
ويردّدون وراءهم الأدعية والمأثورات
وكأنهم عصافير ملائكية تشدو وتغني،
ورأيت الفتيات الإندونيسيات يمشين في
أدب ونظام كأنهن سرب من الطيور لا
تتخلف واحدة عن أخواتها، وكلّهن
يلبسنَ نفس غطاء الرأس حتى لا يتهن
بعضهن عن بعض، وأكثر ما أعجبني فيهنّ
طلاقة الوجه، والبشاشة السمحة
الجميلة التي لا تفارقهن أبدًا.
وصال
القلوب
وبينما
أنا أطوف وجدت سيدة عجوز سوداء، لا
تعرف العربية أيضًا، وإذا بها تمسك
يدي لأساعدها في الطواف، فلبَّيْنا
سويًّا، ودَعَونا سويًّا، وطُفْنا
سويًّا، ولا يعرف أحد منا اسم الآخر،
ولا حتى لغته، وكم كانت سعادتي وأنا
أمسك بيد هذه السيدة العجوز التي كنت
أشعر أني أعرفها منذ زمن بعيد.
وكلما
تذكرت هذا الموقف شعرت بحنين جارف
تجاه هذه السيدة التي جمعتني بها
الأقدار في هذه الأرض المباركة وفي
هذا الوقت المبارك.
والحقيقة
أن كل من تتعرف عليه في أثناء فريضة
الحج تفاجأ بأن هناك وصالاً غريبًا من
القرب قد ضُرِب بينك وبينه من حيث لا
تعلم، إن صحبة الحج ليس لها مثيل، فهي
صحبة اجتمعت على الله وتفرقت على الله.
فلَبَّيْكَ
اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا
شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك.
|