|
جنون البوكيمون
حمدت الله فقد هدأتْ حجرة المكتب أخيرًا من دخول وخروج الموظفين، كم كنتُ أتوق منذ أول اليوم للحظات هادئة أخلو فيها ونفسي؛ لعل الله- تعالى- يمُنُّ عليَّ بفكرة لمقال الأسبوع المقبل، أمسكت بالقلم وهممتُ بالكتابة؛ ولكن صوت الهاتف ورنينه لم يمهلاني..
على الهاتف
نعم أنا
هنا مدرسة بناتك الثلاث، عندنا مشكلة تود مديرة المدرسة رؤية سيادتك غدًا، الأمر عاجل.
ماذا حدث؟ هل البنات بخير؟!
الحمد لله.. الحمد لله.. بخير، ولكن صدر من ابنتك الكبرى تصرف نود مناقشته غدًا.
ما الموضوع؟!
للأسف… المديرة مشغولة الآن، وقد حددتْ موعداً لمقابلتك غدًا الساعة الحادية عشرة لمقابلة، جزاكم الله خيرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.. السلام عليكم
وضعتُ الهاتف، وجلستُ، لا أستطيع أن أتمالك نفسي، وقع القلم من يدي، سرتْ في جسدي رعشة خفيفة.
منذ زمن طويل لم أتعرض لمثل هذا الموقف، قررت أن أستأذن وأذهب إلى المدرسة على وجه السرعة.
في المدرسة
المديرة: نأسف للإزعاج، ولكننا أردنا أن نخبركِ بتصرف عجيب صدر من ابنتك البالغة من العمر 9 سنوات. باختصار هناك لُعبة "البوكيمون" أظن أنكِ تعرفينها.
نعم أتقصدين تلك اللعبة التي يجمعها الأطفال من أكياس الشيبسي؟
(عبارة عن دوائر كرتونية على كل دائرة صورة لنوع من أنواع البوكيمونات، تلك الحيوانات الخيالية الكرتونية التي انتشرت على الفضائيات).
المديرة: قامت ابنتكم - البارعة الذكاء باختراع فذٍّ، وهو أقرب ما يكون "للقمار" بالبوكيمونات، ولما كانت ابنتكم تتمتع بشخصية قيادية انقاد إليها الباقون.
وصارت فسحة المدرسة عبارة عن صالة قمار واسعة، مَن يكسب يضع يده قسرًا على باقي الدوائر البوكيمونية، انتهى الأمر بمشاجرة عنيفة بين الأولاد، والحمد لله أن الله سلّم.
..ابنتي!
إنها فعلاً تحب البوكيمونات بشكل جنوني، وتحفظ كل أنواع البوكيمون واحد واحد، إذا فاتتها حلقة من حلقات البوكيمون التلفزيونية تحول البيت إلى مأتم، إذا ضاعت دائرة من دوائر البوكيمون تقلب أثاث البيت، وتقلب حياتنا إلى همٍّ وغمٍّ، هذه الشخصية الكرتونية لا أعرف من أين؟! وكيف؟! ولماذا هاجمت حياتنا بهذه الصورة؟!
حتى ملابس العيد أصرّت إصرارًا ليس له مثيل - إلا إصرار المحكوم عليه بالإعدام بأنه بريء - أن تكون الملابس عليها علامات ورسومات البوكيمون.
كدتُ أصل من غيظي إلى لعن مخترعها، وموزعها، وعارضها علينا ليل نهار.
ما هي قصة البوكيمون؟!
حيوانات كرتونية لها قوة خارقة غريبة الشكل، ومختلفة الأحجام، ومتنوعة القدرات، يعيش بعضها في الغابات، والبعض الآخر في الكهوف، والبعض في الأنهار، هناك 150 نوعًا من البوكيمون، تدور أحداث القصص في أرض مجهولة يعيش فيها الإنسان والبوكيمون، يقوم البطل "آش" بتدريب بيكاتشو البوكيمون البطل المستحوذ الأول على عقول؛ بل وقلوب الصغار.
اخترع هذه الكائنات الكرتونية شاب ياباني يبلغ من العمر 34 سنة، استطاع بمساعدة صديقين له الترويج لهذه الشخصية الكرتونية التي عكف 6 سنوات من أجل الوصول بها من حيّز الأفكار إلى حيز الواقع.
الفراغ يملؤه الهواء
اقتحام البوكيمون بهذه السرعة والقوة للسوق العربية أمر طبيعي؛ وأمر طبيعي أن يملأ هذه السوق الفارغة أي منتج جديد، بغض النظر عن جودته أو رداءته، أو حتى عن قيمته التربوية، سواء أكانت بناءة أو هدامة، فالسوق العربية أفقر ما تكون في مجال الرسوم المتحركة، والكوب الفارغ يملأ بالهواء، لا أنكر أبدًا أن هناك بعض المحاولات الجادة في مجال الرسوم المتحركة التي تحاول ألاَّ تبتعد كثيرًا عن البيئة العربية والقيم الإسلامية من أمثال "السندباد" و"بكار"، إلاَّ أنها خطوات طفل يحبو في أشهره الأولى أمام عداء قد فاز مرارًا وتكرارًا.
مدرسة ديزني
ولمَ لا تكون هناك محاولات أكثر جدية مبنية على أسس علمية وتربوية في هذا المجال؟! لِمَ يخشى رجال الأعمال والمستثمرون من مثل هذا التجربة؟! السوق العربية يمكن لها أن تستوعب بسهولة منتجات عربية ذات طابع "شرقي محافظ".
وقد علمنا مستر ديزني أن النجاح ليس في اختراع الشخصية الكرتونية؛ بل في غزوها عالَم الطفل؛ فتصل إلى ملابسه، كراساته، أدواته المكتبية، أطباق طعامه، أكواب شرابه، وحتى إلى أدوات الصيف وفقاقيع الهواء.
وهذا يعني أن اختراع شخصية كرتونية ناجحة يمكن أن يُقَام حولها عدد من الصناعات الجانبية الفرعية، أطفالنا "ما زالوا" على استعداد لاستيعاب شخصية كرتونية عربية جديدة، استدارة الدفة من الجهة الأمريكية إلى الجهة اليابانية يبعث فينا الأمل أن عالم ديزني يمكن أن يُقهَر إذا وَجَد من بعضنا إصرارًا وعزيمة في مواجهته.
لماذا لا نتعلم من التجربة الأمريكية ومن ورائها التجربة اليابانية كيف يكون "غزو العقول الصغيرة"؟! ولتكن هذه المرة غزوًا عربيًّا أصيلاً.
دارتْ كل هذه الأفكار في ذهني أثناء رحلة العودة إلى البيت، هل أخطأتُ حينما وافقتُ على مشاهدة كرتون البوكيمون؟ هل أخطأتُ حينما اشتريتُ لابنتي أكياس الشيبسي التي بداخلها الدوائر اللعينة؟
بين المنع والمتابعة
كيف أمنع أولادي من أمور شائعة شيوع الماء والهواء؟! أنا إن منعتُ ابنتي من ذلك فستفعله رغمًا عني؛ "فالممنوع مرغوب"، والتلفزيون في كل بيت، وفي كل شارع، وأكياس الشيبسي إن منعتُها منها اشترت من أصدقائها الدوائر البوكيمونية بمالها الخاص.
همست إلى نفسي بأن الاعتراف بالحق فضيلة.
نعم أخطأتُ.
فمشاهدة البوكيمون لم تكن تحت مرأى ومسمع مني، وهذا خطأ فمشاهدة التلفاز ـ حتى الكرتون ـ دون رقابة له أضراره.
أولى هذه الأضرار : بُعدُ الأم عن القيم والأفكار والمبادئ التي يُغذَّى بها عقل الصغير.
وثانيها: إضاعة فرصة التوجيه لتلك القيم.
وثالثها: تكريس شعور أن لكل منا عالمه الخاص.
والخطأ الثاني:
كان عدم السعي والمثابرة وراء إيجاد البدائل؛ فبدلاً من أن يصبح البوكيمون هو المستحوذ الأول والرئيسي لعقلها؛ بل لحياتها، كان من الممكن بشيء من المجهود إيجاد بديل آخر أقل إثارة؛ ولكن أكثر قربًا من حياتنا الواقعية وبيئتنا العربية، (كبكار مثلاً).
الخطأ الثالث:
عدم الاهتمام بجدولة وقتها حتى أصبح الكارتون هو مستهلك الوقت "الوحيد"، وليكن هناك توازن بين: الرياضة، والزيارات، وهواية القراءة، والرسم، والبرامج الثقافية، وتحفيظ القرآن… إلخ.
وكعادتي ابتسمتُ وأنا أُدخل المفتاح في باب البيت وقلت لنفسي It’s never too late : "مع البداية لا يكون هناك وقت متأخر".
…السلام عليكم يا بنات.
… هيا هيا أعطوني قلمًا وورقة، سوف نقوم بجدولة أوقاتنا.
ردتْ بناتي : نعم، نعم، وليكن للبوكيمون نصيب الأسد 6 ساعات في اليوم.
اقرأ
أيضًا:
|