بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

صوت النساء

أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط


قصة قصيرة: عالم عصري جدًّا

إيمان علي لاغا - لبنان

19/02/2001 

آهٍ يا زمان، كم مضى منك لا أسألك… ولكن أسألك كم ستبقى... ثوانيك أضحت ساعات، ودقائقك انقلبت أيامًا، وأيامك ضاهت الدهور طولاً... أتراك أيها الفلك قد تخطيت عتبة الزمان، وصار ليلك ونهارك سيان؟

مالي أرى حضارة القرن العشرين قد نقلتنا في غمضة عين، من برج في السحاب إلى جحر تحت الأرض… حتى ملَّ منا سكان تلك البواطن؟!

بت أخشى على عيني من نور الصباح، وأُسَرٌّ بذهاب الظلام – يا له من تناقض رهيب يليق بعصر التناقضات – أحمد الله أني ما زلت إنسانًا، ولم تطرأ عليَّ عمليات التجميل التي تقوم بها هذه الحضارة العصرية من … بترٍ ليدٍ… أو لقدم…. أو بقع على الوجه والبدن… أدواتها: القذائف والنيران – أدوات عصرية جدًّا – استندت إلى حائط الجحر (عفوًا لا تنظر إليَّ هكذا)… ماذا تسمي هذه الحفرة؟ ملجأ؟! -كلمة عصرية هي الأخرى، إنه وإن كان من طوب وإسمنت، فما أنا إلا أرنب جبان يختبئ في جحره لا يخرج منه إلا للبحث عن الماء والطعام.

جلت بنظري بين أكوام من الأشباح تتراقص أمامي، وصدى ضحكات فارغة ترددها الجدران، لا تعجب…. لن تلبث هذه الضحكات أن تنقلب فجأةً إلى نظرات هلعة وتشبث بالأيدي... وتزاحم نحو الزوايا والدشم.

لحظة صمت تولد في نفسي شعورًا طاغيًا بالرهبة، وإحساسًا بالسكون الذي يسبق العاصفة، وقد أهرب من لحظات الهدنة -كلمة عصرية هي الأخرى أيضًا- فما ذلك إلا خوف وجبن من أن أرى كل شيء قد انهار وتحول إلى كومة من طوب ورماد متناثر، وقد أتعثر بجثة مسكين سهت عند فرق الإنقاذ... أو لم تستطع الوصول إليه...

لقد اعتدت هذا الركن الرطب، وبدأت أكون منه عالمي الخاص. وأحيطه بالشخصيات الواقعية وبالمشاعر التي يندر وجودها إلا في مثل هذا المكان.

أتراها أنانية مني أن أستغلَّ هؤلاء الرفاق، وأجعل منهم مادة خصبة تروي بياض أوراقي؟!

فضول الإنسان في الاطلاع على خفايا الآخرين أشد ما يبرز في هذا المكان... ولعله هو ذلك الفضول الذي دفعني إلى التساؤل عما يخفيه وجه نحيف خُطفت جميع ألوانه عدا قطرات من دمع تلمع كاللؤلؤ فوق رخام ناصع...

تلك الصبية تخالها أحيانًا تمثالاً سرق من متحف الشمع، هي وحيدة تقبع في ركن الملجأ، لم أشاهدها تشارك أترابها لعب الورق، ولا حتى انخرطت في حديث تافه -كتفاهة ما يحدث.

كل ما كان يشد انتباهها نشرة الأخبار وهي تعدد أسماء الجرحى والقتلى، ثم لا تلبث أن تعود إلى مكانها وهي تتمتم "الحمد لله"... لم أدرك كنه هذه الراحة التي تجتاحها بعد كل نشرة.

سألتني ذات مرة عن اليوم والشهر، وكم مضى علينا من الوقت، في الحقيقة وجدت صعوبة في الإجابة، ولكن بعد عملية حسابية بسيطة استطعت حصر الزمن، فإذا بها توجم عابسة وتقول: "لم يعد بعد... يا إلهي!".

لم يعد فضولي يسمح لي أن ألتزم جانب التجاهل. دنوت منها وسألتها: "من تنتظرين يا أُخيّة؟...".

فأجابني صوتها المحمل بزفرات الدموع:

"إنه زوجي، ذهب ولم يعد حتى الآن...".

ورنت ضحكة شيطانية في زاوية أخرى، وانبعث صوت جاف يقول: "ولن يعود يا حمقاء، إنك تحلمين كالأطفال تمامًا، هو هناك جثة هامدة على خط من خطوط النار"... انتفض جسدها الغض كمن لسعته أفعى الغابات... وتشبثت بي، وهمست من خلال دموعها:

"... بالله عليك، قولي له أن يصمت، لم أعد أتحمل سماع فحيح صوته... إن زوجي لا يكذب... لقد أخبرني أنًّ شيئًا ما شده إلى الخروج... نفس الشيء الذي شد أبي وأخي من قبل، حمل سلاحه وأخفى المصحف بين طيات ملابسه وخرج... خرج رغم إرادتي ورغم تشبثي بهذه الدنيا الفانية... عندما ودّعني، سمعت كلمات إمام المسجد تتردد في جنبات قلبي تطهره... تجلو صداه...

فتمتمت في أذنه: "عدني أنك سوف تعود" فقال لي: "نعم أعدك"...

لا... لا أصدق هذا الشيطان، لم يرد اسمه في نشرات الأخبار، ما زلت أشعر به حتى هذه اللحظة... لم يمت، سوف يعود... لقد وعدني، إنه لا يخلف الوعد أبدًا...".

عندها فقط تبين لي أن ثوبي قد تبلل من سيل دموعها، أمسكت بمنديلي الذي أحتفظ به للحظة الحاجة، ورحت أمسح وجهها، وأخفف سيل الدموع الجارف دون جدوى، شعرت بنظراتها تخترق الجدار، وتغوص في ثنايا الحارات، وتحوم حوله، تحتضنه، تتلمس منه العزاء وترتد إليها؛ لتضيف طيف ابتسامة مشرقة على ثغرها، وكأنها تسخر منا نحن المساكين... أحسست بها تقول ونبراتها تصل إلى مسامعه:

"أعرف أنكم لا تصدقوني... هل رأيت يا عزيزي؟….إنهم بالطبع لا يصدقون أننا نعيش في دنيا أخرى تسمو بنا بالسعادة والأمان… لو أن الأحلام في نظرهم من حق الأطفال فقط، ولو أنَّ السعادة كما يدعون خرافة من عالم الأساطير، ولو أنَّ الجميع صاروا رفاتًا ورمادًا… سأظل ألتمس حياة الجنة والخلود التي حدثتني عنها… أشعر بروحي تسمو إلى عالم عذب أخاله قد محا كل السواد ولم يبق سوانا على أرض عذراء تشهد براءتنا وتعيد زمن سعادتنا. سأبقى أحلم وأحلم ..أسقي بها شوقي وأطفئ بها لهيب قلبي في انتظار عودتك… ليلفني ظلام الظلم!… فلن أخافه، لتمطر السماء حممًا!... فلن أرهبها ولن أجزع من كل سلاح بني البشر...".

فيض من الحنان والدفء وسط حجارة كالثلج الملتهب... تسربت تلك الهمسة إلى فؤادي... أحطتها بذراعي فتوسدت كتفي وأغمضت عينيها تنشد في الأحلام عودة السراب الهارب... هل تراه يعود حقًّا؟... ذاب السؤال في بحر النعاس واختلست من الزمن لحظة نوم سهوت بها عن كل ما يحيط بي.

قد لا أجد في قاموس اللغة كلمة تعبر عن ليالٍ وأيام قضيتها في هذا الجحر، لعلهم لم يعرفوا في السابق مثل هذه الحالات، فهي حالات عصرية جدًّا، لذلك تراني أجمع شتات كلمات علَّها تعبر عن وضع إن شئت سميته رتابة أو حذرًا وتيقظًا، وإن شئت أطلقت عليه سمة الانتظار للنهاية بكل برودة وقناعة، بت أجد لذة في الجلوس إلى تلك الصبية، أستمع إلى أحلامها الربيعية، أسبح معها تارة وأغوص طورًا في خضم مجنون من الأماني عكسها عقلي الباطني أحلام يقظة وشرودًا دائمًا. إن طول المعاشرة - ولا ريب - كان خليقًا به أن يولد تشابها بالأفكار والطباع، ولكن هيهات هيهات أن أحصل على مثل شفافية ورهافة حسِّها أو على مثل ذاك الإيمان العجيب الذي لا أدري كيف يمكن لصبية في مثل عمرها أن تكتسبه. نعم! قد أكون كما قالت لي يومًا من مخلفات عصرية القرن العشرين، ومن جيل أفرزته الآلة ومضغته الحرب، يلهث وراء المادة، وراء سراب هارب...

إني أتخبط في سيل متلاحق من الأحداث كان الأجدر به أن يعكس حياة متجددة، ولكن لم يصمد أمام الملل، واليأس الذي اكتسح القلوب وقصف النفوس بالرعب والموت...

في الآونة الأخيرة بدأت ألحظ انكماشًا صامتًا يلف تلك الإنسانة، حلّلْته على أنه نوع من الترقب والانتظار، أو أنه إحدى تلك النوبات التي كانت تعتريها وتنتهي كالعادة بنوع غريب من الهلوسة العذبة والمناجاة الحميمة لِطَيْفٍ خَفِي عن أعيننا... ولكن هذه المرة كان الوضع مختلفًا: لقد تحجَّر الدمع في عينيها النجلاوين وتقوّس ظهرها في انحناءة بسيطة، وشخص بصرها نحو الأرض... أذهلتني هذه الحالة...

لا بد للإنسان أن يؤمن بقدره، ويستسلم للحكمة الربانية التي تسيِّر أموره، هذه أول فكرة اقتحمت ذهني عندما لفظت المدافع كتلة من لحم ودم، تتلوى وتتمرغ في بركة من الألم والمقاومة أمام باب الملجأ.

أرجوك.. لا تتهمني بتحجر القلب ولا فقدان الإنسانية والرحمة، ولكنه أمر تكرر ويتكرر دائمًا حتى غدا مألوفًا للجميع، فلم يثر هذا المشهد سوى لحظة من الصمت أعقبتها حركة حيوية وصراخ واندفاع.

من العار في هذه اللحظة أن لا تسارع إلى تقديم العون والمساعدة، عندما هممت بالوقوف، إذا برفيقة تلك الأيام قد تسمرت بقربي وأمسكت بيدي حتى بت أشعر بتسرب برودة الحجر إلى أناملي.

سقط قلبي بين جنبي عندما لمحت نظرات الهلع التي قفزت إلى عينيها، وبطريقة ذكرتني بذلك الإنسان الآلي الذي يتصدر اختراعات العصر، توجهت إلى حيث التفَّ الناس، وقد ذهل الجميع من حركتها تلك، والتقت عيناها المتحجرتان بالعينين الدامعتين، وفجأة أدركت كل شيء... سمع الجميع بوضوح حشرجة همسة تقول: "لقد عدت يا عزيزتي... سامحيني لتأخري"، واختنقت الهمسة.

أسرع أحدهم يلقنه الشهادتين... كانت آخر عهد له بهذه الدنيا الفانية، أمام رهبة الموت أطرق الجميع خشوعًا لآيات قصار من الذكر الحكيم ودعاء للشهيد بالجنة والمغفرة.

"هل... هل مات؟" . مرة أخرى ذاب السؤال وسط يمِّ السكون، وتابع الشيخ: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون).

نظرت إلى تلك الصبية، كانت دموع حارقة تبث ذلك الجسد الجليدي الحرارة والدفء. اقتربت منها أعزيها، وإذا بها تصدني وتقول: "هو لم يمت... كنت أعرف كل شيء".

دهشت كعادتي، وكثيرا ما أدْهش هذه الأيام، وتمتمت:" تعرفين!.. كيف؟!".

فأجابتني بوقار لم أعهده ولم أتوقعه في هذه اللحظة بالذات: "لقد شعرت بذلك في قلبي… لم أستيقظ على صدى صوته يدعوني لصلاة الفجر، ولا أحسست حلاوة القرآن تنساب من بين شفتيه… إنما هي برودة وتجمد، كنت أدرك أنه سيعود، هو لا يعرف الكذب… ولقد عاد… عاد هذه المرة ليبقى إلى الأبد… ألم تسمعيه يقول ذلك؟ ولكنه رحل... رحل عن دنياكم العصرية... رحل إلى الأبد... رحل إلى عالم طالما حدثني عنه، وطالما تمنيت أن أصحبه إليه لأشهد ما أُعِدَّ له من نعيم... لم يمت... نعم إنه حيٌّ يرزق... ألم تسمعي ما قاله الشيخ...؟".

اقتربت منها، وسعيت إلى فك عقدة أصابعها خشية أن تتحطم بعد أن أصدر الألم المكبوت حكم الإعدام بها وجعلها منفذًا يفجر ثورة البركان المتأجج. تلقيت جسدها المحطم، أسندتها خشية الوقوع وإن كنت أحوج إلى من يسندني.

أسرعت النسوة يحضرن الماء البارد ليمسحن به وجهها الجامد. تركتهن وعدت من جديد إلى زاويتي العزيزة، أحبس سؤالاً خشيت عليه أن يذوب هو الآخر ويتحول إلى سراب هارب، ولكنه أدمى أوتار صوتي، وأحرق لساني، وأفلت -بالرغم مني- وصداه يتردد...

أَمَا لهذه العصرية من نهاية؟! 


أب وأم  | صوت النساء |  أزواج وزوجات | للرجال فقط

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع