|
عندما يتحول بطل الحجر والمقلاع إلى معاق
|
اعتدال
قنيطة - منير أبو راس
|
19/02/2001
|
"أريد
الذهاب إلى المدرسة؛ لألعب مع
صديقاتي، وأجري في ساحة المدرسة،
وأشارك في نشاط الفصل، ولكنها سرعان
ما تخلع ملابس المدرسة وترمي بها
بعيدًا وهي تصرخ وتبكي"، لا أريد أن
أذهب إلى المدرسة، سيضحك عليَّ
الأولاد ويقولون لي أم عين واحدة".
هذا هو حال الطفلة هيام عزت السيد
بعدما فقدت عينها اليمنى في أحداث
انتفاضة الأقصى كما حال العديد من
معاقي الانتفاضة، حيث بلغ عدد الجرحى
21339 جريحًا، إصابة 20% منهم في البطن
والحوض، و18% في الرأس و24 % في أعلى
الأطراف.
العين
غالية
ما
قالته الطفلة هيام كان له ما يبرره،
حيث ما زال اللاصق الطبي يحجب جمال
عينها اليُمنى جراء إصابتها برصاص
جيش الاحتلال الصهيوني ثالث أيام عيد
الفطر في أثناء ذهابها مع والدتها
لزيارة أحد أقاربها بجوار معبر
المنطار كارني.
ففي
ثالث أيام عيد الفطر 30/12 ارتدت الطفلة
هيام ملابس العيد وهي فرحة سعيدة،
وأخذت تحوم حول والدتها كالفراشة
البريئة لتجذب انتباه أمها؛ لتصحبها
معها في زيارة أحد أقاربها قرب معبر
المنطار، وتردد على مسامع أمها أحد
القصائد الشعرية التي حفظتها في
المدرسة وهي قصيدة "العين غالية".
وفي
الطريق وقع ما كانت الأم تخشاه عندما
رفضت مصاحبة الطفلة، وإذا برصاص جيش
الاحتلال الصهيوني يسمّم أجواء معبر
المنطار دون مبرر، ولم تستطع السيدة
أن تفعل سوى أن تلصق بها طفلتها،
وتجري بها بسرعة لتفادي الطفلة طلقة
غادرة، وبعدما ألقت كل ما بيدها من
هدايا وهي لا تدري تسير تجاه الشرق أم
الغرب لتهرب بطفلتها البريئة وإذا
بالطفلة تصرخ وتسقط على الأرض، وأمها
ممسكة بيدها من شدة ما سفك من دم عينها
التي انفجرت من رصاص جندي قتل قلبه،
ولتجد الطفلة هيام التي ستحتفل بعد
أيام قليلة بإطفاء شمعتها الثامنة
بأن عينها اليمنى التي غنّت لها العين
غالية قد انفجرت تمامًا، وتهتكت جميع
أجزائها الداخلية وفق ما أكده تقرير
مستشفى العيون بمدينة غزة.
متى
سأعود للمدرسة؟!
تقول
والدة الطفلة وهي تمسح دموعها،
وتحاول أن تمسح ذكريات يوم إصابة
طفلها من ذاكرتها: "لقد نصحني أحد
الأطباء ألا أضغط عليها كثيرًا في
الذهاب إلى المدرسة حتى لا تصاب
بأمراض نفسية أخرى؛ لأنه يقدّر ما
يمكن أن تتعرض له طفلة في فصل مزدحم،
فبعد ما كانت هيام كالفراشة لا تكف عن
الحركة أصبحت منطوية تخاف أن تخرج إلى
الشارع أو يراها أحد، وخاصة الأطفال
مثلها، ومما زاد خوفي على مستقبلها
عدم ذهابها إلى المدرسة، وهل يعقل أن
تحرم طفلة مثلها من التعليم لتقع ضحية
المرض والجهل، وكل وسائل الترغيب لم
تنجح في إقناعها لتعود إلى المدرسة".
الخوف
من المستقبل
أضاف
والد الطفلة هيام: إن أموال الدنيا
كلها لن تغني إذا لم تَعُد ابنتي إلى
وضعها الطبيعي ولو بعين صناعية، وحتى
الآن لم تقدم لنا أي مؤسسة صحية أو
نفسية مساعدة لإعادة تأهيل الطفلة
نفسيًّا، ولا أستطيع أن أرغمها على
الذهاب إلى المدرسة؛ لأني أقدّر حجم
المشاكل التي يمكن أن تواجهها من
أطفال المدرسة الذي يزيد عددهم عن ألف
طالب وطالبة، ولا أستطيع أن أنقلها
إلى إحدى المدارس الخاصة؛ لارتفاع
سعرها وضيق الأوضاع الاقتصادية
الصعبة، ناهيك أن الخوف من المستقبل
الذي يمكن أن ينتظرها من المجتمع
عندما تكبر، فنحن نعيش في مجتمع عربي
قبلي، وحتمًا ستقع الفتاة فريسة
لعادات وتقاليد المجتمع في تعامله مع
الفتاة.
حذاء
بلا قدم
"أريد
أن تشتري لي حذاء رياضيًّا يا عمي
لأستطيع أن أجري بسرعة عندما أعود
لأرجم الحجارة بعد خروجي من المستشفى"،
هذا ما طلبه الفتى سامر الصوير 15
عامًا الذي لم يدرك بعد أنه لم يستطع
الجري مرة ثانية أو لعب لعبته المفضلة
كرة القدم بعدما أدخل مستشفى الشفاء
بتاريخ 30/11/2000، وهو يعاني من بتر كامل
للقدم اليمنى، وجروح تهتّكية، وكسور
مهشّمة في أسفل الساق الأيمن إثر
تعرّضه لقذيفة مدفعية أطلقتها دبابة
صهيونية على الشبان الفلسطينيين
المتظاهرين خلال أحداث انتفاضة
الأقصى عند حاجز "إيرز".
وقد
ترك سامر مقعد الدراسة منذ صغره،
والتحق بأحد مراكز التعليم المهني
التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية،
وأتقن فيها مهنة التجارة، وعمل في أحد
المصانع ليساعد والدته في مصروفات
المنزل؛ نظرًا لغياب والده المعتقل
في سجون الاحتلال منذ سبع سنوات
تقريبًا. لم يفكر سامر بعد في
مستقبله، وإنما هو فخور بما صنعه بعد
أن قذف جنود الاحتلال، لم يشعر بعد
بحجم التضحية التي قدّمها، وإن كان
غير نادم على ذلك، ويتمنى أن يعود إلى
ساحة المواجهات من جديد، ولكن
المشكلة في وضعه مستقبلاً، حيث ما
زالت مراكز الأطراف الصناعية في داخل
الأراضي الفلسطينية دون المستوى
الطبي، ولم يطرأ عليها تقدم منذ
سنوات، والأهم من هذا أن سامر ما زال
في مرحلة نمو، وهو ما يضطره إلى إجراء
عدة عمليات مستقبلاً لتغيير حجم
الطرف الصناعي؛ ليتناسب مع حجم نموه
السريع، ويذكر أن سامر يحب أن يشارك
زملاءه في لعبة كرة القدم؛ لذلك طلب
من عمه أن يشتري له حذاء رياضيًّا.
الإحسان
وحده يقتل
وحول
طلبه هذا يقول عمه: "لا أدري ماذا
سيكون ردة فعل سامر عندما يشاهد سامر
زملاءه في الشارع يلعبون، فهو لم يدرك
بعد أنه معاق، ويعتقد أنه سيخرج من
المستشفى يجري ويلعب كما كان في
السابق".
وأتمنى
أن تحتضن إحدى المؤسسات الحكومية كل
شاب معاق مثل حالة سامر وتُوكِل إليه
عملاً يتناسب مع قدراته، فهو يتقن
مهنة النجارة جيدًا، ولا بأس إن عمل
في مكان حكومي يحتضن إعاقته خيرًا من
أن يترك عالة على المجتمع، ويفكر في
مستقبله، وبالتالي يصبح ضحية للأمراض
النفسية التي تضيف إعاقة جديدة إلى
إعاقته.
أضاف:
ما فائدة أن يأخذ سامر مساعدات شهرية
دون أن يُوكّل له عمل يتناسب مع
قدراته؛ ليأكل من عرق جبينه، ويشعر
أنه إيجابي في المجتمع، وليس عالة
عليه ينتظر الإحسان من غيره؛ لأنه
سيقتل عشرات المرات كلما ترك إلى نفسه.
هل
سننتظر المساعدات؟!
وفي
منزل قديم جدًّا قد تجاوز عمره مائتي
عام التقينا بأسرة المصاب "أحمد
الشوا" 44 عامًا، أب لـ سبع بنات
وخمسة أولاد، من سكان غزة، أصيب بعيار
ناري في الساق الأيمن تسبب في كسور
وتهشم في الجزء العلوي للركبة اليمنى
لعظمة الساق، وأجريت له عملية في
المستشفى العسكري في مدينة الرباط،
ولكن الجروح التهبت ثانية، ويعاني
الآن من مرض "الغرغرينا" في
الساق اليمنى، وقد سبق وأن أصيب الشوا
في أحداث الانتفاضة الأولى بتاريخ
15/11/1988، وتم استئصال الطحال، وجزء من
البنكرياس، وإصلاح ثقوب في المعدة،
وبقي على إثرها عاجزًا عن العمل
والحركة لمدة عشر سنوات، واضطرت
أسرته على العيش على مساعدات أهل
الخير، ولم يكمل ثلاث سنوات على
التحاقه بالعمل في إعداد طعام لأحد
مقرات أجهزة السلطة.
وتحدثت
"إلينا" زوجته قائلة: زوجي لا
يجيد مهنة معينة، فقد كان يعمل قبل
إصابته عاملاً داخل الأراضي
الفلسطينية المحتلة عام 48، وبعدها
أصبح لا يستطيع حمل أي شيء ثقيل،
وبفضل المساعدات التي كانت تأتينا
تكفي وتسدّ حاجة هؤلاء الأطفال،
وعندما التحق بالعمل من جديد عادت إلى
الأسرة بهجتها، واستغنى عن مساعدات
الغير، وعشنا حياة أفضل من السابق
تكفي الأولاد، وكانوا يشعرون أنهم
يأكلون من عرق جبين والدهم ومن تعبه،
أما الآن فلا أدري بعد هذه الإصابة هل
سيستطيع العمل؟! وأي عمل يناسب صحته
السيئة؟! وهل سنعود ننتظر المساعدات
والعطف من الغير، خاصة أنه ربما يفصل
من عمله الآن؟!! وقالت: أتمنى أن يُعاد
تأهيل زوجي "الشوا"؛ ليعمل عملاً
مناسبًا يقي الأولاد شرّ السؤال
والحاجة.
مستشفى
وحيد
"معاق
الانتفاضة يعاني من صعوبات شديدة عند
العودة إلى الاندماج في المجتمع
الفلسطيني من جديد؛ لفقره إلى أساليب
الحياة السهلة"، هذا ما أكده
الدكتور "إبراهيم غزال" رئيس
التأهيل الطبي لمستشفى الوفاء
للتأهيل الطبي بمدينة غزة، ولا شك أن
كل معاقِي الانتفاضة في حاجة إلى
تأهيل طبي؛ لضمان دمجهم في الحياة
بشكل أفضل، وهو ما تفتقر إليه
المؤسسات الحكومية، وتعتمد على
مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي لتقديم
هذه الخدمة باعتباره المستشفى الوحيد
في قطاع غزة، وهو مستشفى غير حكومي،
وأكد د. غزال أن معاقِي الانتفاضة
يعانون من أوضاع نفسية صعبة تنعكس في
طريقة تعاملهم مع الآخرين، خاصة
وأنهم يختلفون عن المرضى في أن
غالبيتهم من فئة عمرية تتراوح ما بين
14 - 24 سنة، وهي مرحلة النشاط والحيوية؛
لذلك فإن أصعب ما نعانيه عند تقديم
العلاج للمريض هو تفهّم المصاب لوضعه
الجديد، وخاصة أن العديد منهم يعتقد
أنه بمجرد خروجه من المستشفى سيعود
إلى وضعه الطبيعي الأول يسابق الطير،
ويعود إلى ساحة المواجهات.
الكرسي
المتحرك.. إعادة التأهيل
وفي
مستشفى الوفاء قسم خاص للمبيت، وقسم
آخر لتقديم العلاج اليومي من جلسات
كهربائية أو تدليك، بالإضافة إلى
العمل الميداني للمصابين، حيث يتم
افتتاح فرع جديد لها في محافظات غزة
الجنوبية؛ لتفادي العدوان الصهيوني
على قطاع غزة بتحويله إلى كنتونات
عسكرية.
وأكد
غزال أن جميع مصابي الانتفاضة بحاجة
إلى تأهيل طبي بعد استيفائهم العلاج؛
لتنمية ما تبقى من قدراتهم وتعويض
الجزء الناقص، فمثلاً المصاب الذي
فقد القدرة على تحريك الجزء السفلي من
جسمه يتلقى تدريبًا داخل المستشفى
على الطريقة الصحيحة لاستعمال الكرسي
المتحرك، وتهيئته على وضعه الجديد
لممارسة أمور حياته دون الاعتماد على
الآخرين، ومن ثَم يتم إجراء زيارة
ميدانية للمنزل لتهيئته بما يتناسب
مع صحة المصاب، وتوفير ما يلزمه من
أدوات، مثل توسيع مساحة الأبواب
لسهولة تنقله وتواجده في الطابق
الأرضي أو وجود مصاعد كهربائية.
وكذلك
مشكلة التبول اللاإرادي أو تدريب
المصاب على استعمال يده الأخرى في
حالة إصابة يده اليمنى وغيره من معاقي
الانتفاضة، وذكر غزال أن التأهيل
الطبي يستلزم تحويل المصاب إلى فرد
منتج في المجتمع بتوفير أجواء مناسبة
لعمله، وذكر أحد معاقي الانتفاضة
الذي كان يعمل في طلاء السيارات، وكيف
تم تهيئته في داخل المستشفى للعودة
إلى ممارسة عمله عبر التحرك على كرسي
متحرك دون الحاجة إلى مساعدة الآخرين.
أطراف
باهظة الثمن
خدمات
الأطراف الصناعية ما زالت في قطاع غزة
دون المستوى المطلوب؛ إذ لا يوجد في
قطاع غزة سوى مؤسسة وحيدة تقدم هذه
الخدمة بأسعار باهظة جدًّا، وحول ذلك
يقول غزال ما زالت تفتقر الأراضي
الفلسطينية إلى الخبرات والإمكانيات
اللازمة لتطوير الأطراف الصناعية،
فما زال وزن الطرف الصناعي ثقيلاً
جدًّا ويحتاج إلى إرادة قوية من
المصاب؛ لكي يعتاد على استعماله، كما
أنه دون إمكانيات المواطن العادي،
فكيف بمصاب الانتفاضة الذي ما زال عدد
منهم في مرحلة نمو جسمه، مما يتطلب
الطرف الصناعي بما يناسب مع حجم نموه
السريع.
ولكن
السؤال الذي ما زال ينتظر إجابة من
كافة مؤسسات المجتمع: هل سيبقى لمعاقي
انتفاضة الأقصى كابوس التفكير
بإعاقتهم، وقتل طموحهم وقدراتهم
بإبقائهم طريحي الفراش والعزلة
الاجتماعية؟! وهل جزاء بطل الحجر
والمقلاع أن يتحول إلى معاق؟!
|